تغوّل الاستيطان... هل دخل المشروع الفلسطيني مرحلة الخطر الوجودي؟
بي دي ان |
25 يوليو 2026 الساعة
03:36م
الكاتب
لم تعد الاعتداءات التي تنفذها جماعات المستوطنين في الضفة الغربية مجرد أعمال عنف متفرقة، وإنما أصبحت جزءاً من سياسة إسرائيلية ممنهجة لإعادة هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فالمستوطنون لا يتحركون في فراغ سياسي أو أمني، بل في بيئة توفرها حكومة اليمين الصِّهيوني المتطرف، التي تنظر إلى الاستيطان باعتباره مشروعاً استراتيجياً لفرض وقائع جديدة على الأرض وحسم الصراع من خلال القوة، وليس عبر التسوية السياسية. وقد كشفت أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس، يوم الجمعة 24 يوليو 2026، وما أعقبها من اعتداءات على القرى والتجمعات الريفية الفلسطينية في محافظة نابلس ومناطق أخرى من الضفة الغربية، أن المشروع الاستيطاني دخل مرحلة أكثر خطورة تقوم على الضم الزاحف؛ أي فرض وقائع ميدانية متراكمة تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً، وربما مستحيلة. فما يجري اليوم لا يقتصر على توسيع مستوطنة هنا أو إنشاء بؤرة استيطانية هناك، بل يندرج ضمن مشروع متكامل لإعادة الخريطة السياسية والجغرافية والديمغرافية للضفة الغربية بما فيها القدس.
وتندرج هذه السياسات في إطار نموذج الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، الذي لا يهدف إلى إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال، بل إلى إحلال مجتمع استيطاني مكان السكان الأصليين بصورة تدريجية، من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وفرض القيود على الحركة، وتهجير السكان، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يؤدي إلى تفكيك الحيز الوطني الفلسطيني وتحويله إلى كانتونات متناثرة تفتقر إلى أي تواصل جغرافي أو اقتصادي أو سياسي، الأمر الذي يقوض عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ولا تمثل هذه الممارسات مجرد انتهاكات سياسية أو أخلاقية، بل تشكل خرقاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، كما تحظر الترحيل أو النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال. كذلك يعد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بعض هذه الأفعال جرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، وهو ما يؤكد أن الاستيطان ليس قضية تفاوضية فحسب، وإنما قضية قانونية ترتب مسؤولية دولية.لقد أثبتت الوقائع المتراكمة أن سلطات الاحتلال لم تعد تنظر إلى الفلسطيني بوصفه طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه أو احتواء مطالبه الوطنية، وإنما باعتباره مجتمعاً ينبغي تفكيكه جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، بحيث تتحول القضية الفلسطينية من قضية شعب يطالب بحقه في تقرير المصير إلى قضية تجمعات سكانية منفصلة يجري التعامل مع كل منها بصورة مستقلة، بما يسهل السيطرة عليها وإدارة شؤونها الأمنية والمدنية دون منحها أي أفق سياسي حقيقي.
وفي المقابل، يقف النظام السياسي الفلسطيني أمام هذه التحولات في حالة من الشلل البنيوي غير المسبوق. فالانقسام لم يعد مجرد خلاف على إدارة سلطة تحت الاحتلال، بل تحول إلى أزمة وطنية عميقة أضعفت القدرة على إنتاج استراتيجية فلسطينية موحدة بالحد الأدنى، وأفقدت المؤسسات السياسية جزءاً كبيراً من فعاليتها في لحظة هي الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية. وما زالت القيادة الفلسطينية تراهن، إلى حد كبير، على قرارات الشرعية الدولية، رغم أن التجربة الممتدة لعقود أثبتت أن القانون الدولي، مهما بلغت قوته المعيارية، يبقى محدود الأثر في غياب الإرادة السياسية للدول الكبرى وآليات التنفيذ والإلزام. وهنا تكمن المعضلة؛ فالقضية الفلسطينية ربما تكون من أكثر القضايا التي حظيت بقرارات دولية، لكنها في الوقت ذاته من أقل القضايا التي حظيت بإرادة دولية حقيقية لتنفيذ تلك القرارات.
إن أخطر ما في المشهد الراهن أنه لا يعكس مجرد تصعيد أمني، وإنما يشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة تستهدف إعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها. فبدل أن تكون قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة، يجري دفعها تدريجياً نحو نموذج يقوم على تجمعات سكانية معزولة تدير شؤونها المدنية المحدودة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، وهو ما ينسجم، بدرجات متفاوتة، مع بعض الطروحات الإسرائيلية التي دعت إلى استبدال فكرة الدولة الفلسطينية بكيانات محلية منفصلة، ومن بينها التصورات التي طرحها الأكاديمي الإسرائيلي مردخاي كيدار تحت مسمى الإمارات الفلسطينية.
ومنذ نكبة عام 1948، مروراً باحتلال الضفة الغربية عام 1967، وصولاً إلى الحروب المتعاقبة على قطاع غزة والعمليات العسكرية المستمرة في شمال الضفة الغربية ووسطها، يتضح أن إسرائيل تعمل وفق استراتيجية تراكمية تقوم على استثمار الوقائع الميدانية وتحويلها تدريجياً إلى حقائق سياسية يصعب التراجع عنها. فكل مستوطنة جديدة، وكل طريق التفافي، وكل بؤرة استيطانية، وكل عملية تهجير، تشكل حلقة إضافية في مشروع متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. وفي المقابل، يعيش الفلسطينيون حالة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ حركات التحرر الوطني؛ فشعبٌ ما زال يخضع للاحتلال، بينما ينقسم نظامه السياسي بين سلطة فلسطينية تمارس صلاحيات محدودة في أجزاء من الضفة الغربية، وسلطة أمر واقع تديرها حركة حماس في قطاع غزة. وقد أفضت التطورات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من ترتيبات سياسية ودولية في إطار خطة الرئيس ترامب، والتي حظيت بتأييد مجلس الأمن بموجب القرار رقم 2803، إلى واقع سياسي جديد فرض على قطاع غزة ترتيبات انتقالية ذات طابع دولي. ولا يقتصر الأمر على الانقسام، بل إن فصائل العمل الوطني الفلسطيني تعاني حالة واضحة من الجمود التنظيمي والسياسي، انعكست على قدرتها في تجديد خطابها وأدواتها وآليات عملها. وبينما تتسارع التحولات الإقليمية والدولية بوتيرة غير مسبوقة، وما زالت قطاعات واسعة من النظام السياسي الفلسطيني تكرر الأدوات ذاتها، وتعيد إنتاج الخطاب ذاته، وكأن الزمن السياسي قد توقف، مكتفية بالشعارات والبيانات الإعلامية، في حين تتغير الوقائع على الأرض كل يوم.
وفي خضم هذه التحولات، تتصاعد أصوات تدعو إلى عسكرة الضفة الغربية باعتبارها ساحة الصراع الرئيسة. ولا جدال في أن المقاومة حق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاستعمار، إلا أن إدارة هذا الحق تظل مسألة سياسية واستراتيجية تخضع لحسابات المصلحة الوطنية العليا وميزان القوى والنتائج المتوقعة. فالسياسة ليست إدارة للنوايا، بل إدارة للنتائج. لقد دفعت غزة ثمناً إنسانياً وعمرانياً هائلاً، وما زال مئات الآلاف من أبنائها يعيشون بين الركام والخيام، بينما يستمر المشروع الاستيطاني في التوسع داخل الضفة الغربية بوتيرة متسارعة. ومن ثم، فإن تحويل الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل اختلال موازين القوى الراهنة، قد يفضي إلى توسيع نطاق الكارثة الإنسانية، ويمنح الحكومة الإسرائيلية ذرائع إضافية لتكثيف عملياتها العسكرية وتسريع سياسات الضم والتهجير وفرض الوقائع على الأرض، بما قد يقود إلى إعادة إنتاج مشهد الدمار الذي شهدته غزة في قلب الضفة الغربية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي عاجل للمطالبة بتوفير حماية دولية للسكان المدنيين الفلسطينيين، والعمل داخل مجلس الأمن لاستصدار تدابير ملزمة تكفل وقف اعتداءات المستوطنين وسياسات الضم والاستيطان، وصولاً إلى تفعيل الأدوات التي يتيحها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة متى توافرت الإرادة السياسية الدولية لذلك. غير أن الحماية الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن إعادة بناء البيت الفلسطيني من الداخل. فالمرحلة الراهنة تفرض إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة، تبدأ باستعادة الوحدة الوطنية، ولو في حدها الأدنى، وإعادة بناء المؤسسات على قاعدة الشرعية والمشاركة، وصوغ استراتيجية وطنية شاملة توظف أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية بمختلف أنواعها، والمقاومة الشعبية اللاعنفية، والمقاطعة، والملاحقة القضائية الدولية، بما يؤدي إلى رفع الكلفة السياسية والقانونية والأخلاقية للاحتلال، ويعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي باعتبارها قضية تحرر وطني، لا مجرد أزمة إنسانية.
إن الخطر الحقيقي لم يعد يتمثل في إقامة مستوطنة جديدة أو تهجير قرية إضافية فحسب، وإنما في التحول التدريجي الذي قد ينتهي إلى تقويض الأسس المادية والسياسية للمشروع الوطني الفلسطيني برمته. وعندما تبلغ الصراعات لحظات التحول التاريخي، يصبح الانقسام الداخلي أكثر خطورة من كثير من التهديدات الخارجية، لأن الاحتلال يعرف تماماً ما الذي يريد الوصول إليه، بينما لا يزال الفلسطينيون مختلفين على الطريق المؤدي إلى حماية مشروعهم الوطني. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد كل ما جرى ويجري، ليس: كم من الأرض سيخسر الفلسطينيون غداً؟ بل: هل ما زال الفلسطينيون يمتلكون الإرادة والوقت لإعادة بناء مشروعهم الوطني قبل أن تتحول الوقائع التي يفرضها الاحتلال إلى حقائق سياسية وجغرافية لا يمكن تغييرها؟
سامحونا؛؛؛
بي دي ان |
25 يوليو 2026 الساعة 03:36م
وتندرج هذه السياسات في إطار نموذج الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، الذي لا يهدف إلى إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال، بل إلى إحلال مجتمع استيطاني مكان السكان الأصليين بصورة تدريجية، من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وفرض القيود على الحركة، وتهجير السكان، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يؤدي إلى تفكيك الحيز الوطني الفلسطيني وتحويله إلى كانتونات متناثرة تفتقر إلى أي تواصل جغرافي أو اقتصادي أو سياسي، الأمر الذي يقوض عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ولا تمثل هذه الممارسات مجرد انتهاكات سياسية أو أخلاقية، بل تشكل خرقاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، كما تحظر الترحيل أو النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال. كذلك يعد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بعض هذه الأفعال جرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، وهو ما يؤكد أن الاستيطان ليس قضية تفاوضية فحسب، وإنما قضية قانونية ترتب مسؤولية دولية.لقد أثبتت الوقائع المتراكمة أن سلطات الاحتلال لم تعد تنظر إلى الفلسطيني بوصفه طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه أو احتواء مطالبه الوطنية، وإنما باعتباره مجتمعاً ينبغي تفكيكه جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، بحيث تتحول القضية الفلسطينية من قضية شعب يطالب بحقه في تقرير المصير إلى قضية تجمعات سكانية منفصلة يجري التعامل مع كل منها بصورة مستقلة، بما يسهل السيطرة عليها وإدارة شؤونها الأمنية والمدنية دون منحها أي أفق سياسي حقيقي.
وفي المقابل، يقف النظام السياسي الفلسطيني أمام هذه التحولات في حالة من الشلل البنيوي غير المسبوق. فالانقسام لم يعد مجرد خلاف على إدارة سلطة تحت الاحتلال، بل تحول إلى أزمة وطنية عميقة أضعفت القدرة على إنتاج استراتيجية فلسطينية موحدة بالحد الأدنى، وأفقدت المؤسسات السياسية جزءاً كبيراً من فعاليتها في لحظة هي الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية. وما زالت القيادة الفلسطينية تراهن، إلى حد كبير، على قرارات الشرعية الدولية، رغم أن التجربة الممتدة لعقود أثبتت أن القانون الدولي، مهما بلغت قوته المعيارية، يبقى محدود الأثر في غياب الإرادة السياسية للدول الكبرى وآليات التنفيذ والإلزام. وهنا تكمن المعضلة؛ فالقضية الفلسطينية ربما تكون من أكثر القضايا التي حظيت بقرارات دولية، لكنها في الوقت ذاته من أقل القضايا التي حظيت بإرادة دولية حقيقية لتنفيذ تلك القرارات.
إن أخطر ما في المشهد الراهن أنه لا يعكس مجرد تصعيد أمني، وإنما يشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة تستهدف إعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها. فبدل أن تكون قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة، يجري دفعها تدريجياً نحو نموذج يقوم على تجمعات سكانية معزولة تدير شؤونها المدنية المحدودة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، وهو ما ينسجم، بدرجات متفاوتة، مع بعض الطروحات الإسرائيلية التي دعت إلى استبدال فكرة الدولة الفلسطينية بكيانات محلية منفصلة، ومن بينها التصورات التي طرحها الأكاديمي الإسرائيلي مردخاي كيدار تحت مسمى الإمارات الفلسطينية.
ومنذ نكبة عام 1948، مروراً باحتلال الضفة الغربية عام 1967، وصولاً إلى الحروب المتعاقبة على قطاع غزة والعمليات العسكرية المستمرة في شمال الضفة الغربية ووسطها، يتضح أن إسرائيل تعمل وفق استراتيجية تراكمية تقوم على استثمار الوقائع الميدانية وتحويلها تدريجياً إلى حقائق سياسية يصعب التراجع عنها. فكل مستوطنة جديدة، وكل طريق التفافي، وكل بؤرة استيطانية، وكل عملية تهجير، تشكل حلقة إضافية في مشروع متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. وفي المقابل، يعيش الفلسطينيون حالة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ حركات التحرر الوطني؛ فشعبٌ ما زال يخضع للاحتلال، بينما ينقسم نظامه السياسي بين سلطة فلسطينية تمارس صلاحيات محدودة في أجزاء من الضفة الغربية، وسلطة أمر واقع تديرها حركة حماس في قطاع غزة. وقد أفضت التطورات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من ترتيبات سياسية ودولية في إطار خطة الرئيس ترامب، والتي حظيت بتأييد مجلس الأمن بموجب القرار رقم 2803، إلى واقع سياسي جديد فرض على قطاع غزة ترتيبات انتقالية ذات طابع دولي. ولا يقتصر الأمر على الانقسام، بل إن فصائل العمل الوطني الفلسطيني تعاني حالة واضحة من الجمود التنظيمي والسياسي، انعكست على قدرتها في تجديد خطابها وأدواتها وآليات عملها. وبينما تتسارع التحولات الإقليمية والدولية بوتيرة غير مسبوقة، وما زالت قطاعات واسعة من النظام السياسي الفلسطيني تكرر الأدوات ذاتها، وتعيد إنتاج الخطاب ذاته، وكأن الزمن السياسي قد توقف، مكتفية بالشعارات والبيانات الإعلامية، في حين تتغير الوقائع على الأرض كل يوم.
وفي خضم هذه التحولات، تتصاعد أصوات تدعو إلى عسكرة الضفة الغربية باعتبارها ساحة الصراع الرئيسة. ولا جدال في أن المقاومة حق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاستعمار، إلا أن إدارة هذا الحق تظل مسألة سياسية واستراتيجية تخضع لحسابات المصلحة الوطنية العليا وميزان القوى والنتائج المتوقعة. فالسياسة ليست إدارة للنوايا، بل إدارة للنتائج. لقد دفعت غزة ثمناً إنسانياً وعمرانياً هائلاً، وما زال مئات الآلاف من أبنائها يعيشون بين الركام والخيام، بينما يستمر المشروع الاستيطاني في التوسع داخل الضفة الغربية بوتيرة متسارعة. ومن ثم، فإن تحويل الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل اختلال موازين القوى الراهنة، قد يفضي إلى توسيع نطاق الكارثة الإنسانية، ويمنح الحكومة الإسرائيلية ذرائع إضافية لتكثيف عملياتها العسكرية وتسريع سياسات الضم والتهجير وفرض الوقائع على الأرض، بما قد يقود إلى إعادة إنتاج مشهد الدمار الذي شهدته غزة في قلب الضفة الغربية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي عاجل للمطالبة بتوفير حماية دولية للسكان المدنيين الفلسطينيين، والعمل داخل مجلس الأمن لاستصدار تدابير ملزمة تكفل وقف اعتداءات المستوطنين وسياسات الضم والاستيطان، وصولاً إلى تفعيل الأدوات التي يتيحها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة متى توافرت الإرادة السياسية الدولية لذلك. غير أن الحماية الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن إعادة بناء البيت الفلسطيني من الداخل. فالمرحلة الراهنة تفرض إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة، تبدأ باستعادة الوحدة الوطنية، ولو في حدها الأدنى، وإعادة بناء المؤسسات على قاعدة الشرعية والمشاركة، وصوغ استراتيجية وطنية شاملة توظف أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية بمختلف أنواعها، والمقاومة الشعبية اللاعنفية، والمقاطعة، والملاحقة القضائية الدولية، بما يؤدي إلى رفع الكلفة السياسية والقانونية والأخلاقية للاحتلال، ويعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي باعتبارها قضية تحرر وطني، لا مجرد أزمة إنسانية.
إن الخطر الحقيقي لم يعد يتمثل في إقامة مستوطنة جديدة أو تهجير قرية إضافية فحسب، وإنما في التحول التدريجي الذي قد ينتهي إلى تقويض الأسس المادية والسياسية للمشروع الوطني الفلسطيني برمته. وعندما تبلغ الصراعات لحظات التحول التاريخي، يصبح الانقسام الداخلي أكثر خطورة من كثير من التهديدات الخارجية، لأن الاحتلال يعرف تماماً ما الذي يريد الوصول إليه، بينما لا يزال الفلسطينيون مختلفين على الطريق المؤدي إلى حماية مشروعهم الوطني. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد كل ما جرى ويجري، ليس: كم من الأرض سيخسر الفلسطينيون غداً؟ بل: هل ما زال الفلسطينيون يمتلكون الإرادة والوقت لإعادة بناء مشروعهم الوطني قبل أن تتحول الوقائع التي يفرضها الاحتلال إلى حقائق سياسية وجغرافية لا يمكن تغييرها؟
سامحونا؛؛؛