تقرير: أسواق الأضاحي في غزة.. شعائر تحت مقصلة الغلاء وأمنيات يسحقها الركام

بي دي ان |

25 مايو 2026 الساعة 01:45ص

صورة أرشيفية

لم يعد اقتراب موسم الأضاحي في قطاع غزة يحمل البهجة المعتادة؛ ففي ظل استمرار كابوس حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على القطاع وتداعياتها الكارثية، تحولت أسواق المواشي من مراكز تعج بالحياة والتكافل إلى مرآة حية تعكس عمق الانهيار الاقتصادي والمعيشي.

الارتفاع الجنوني في أسعار الخراف والمواشي هذا العام لم يعد مجرد طفرة موسمية عابرة، بل بات صرخة حادة توثق شلل الحركة التجارية، وتفكك القدرة الشرائية لمواطنين باتت لقمة عيشهم اليومية جهاداً مستمراً.

ومن داخل الحظائر والأسواق المؤقتة، هنا يبدو المشهد قاتماً وسريالياً: معروض شحيح وهزيل، يقابله ذهول وصدمة على وجوه المواطنين الذين يقلبون أبصارهم في أسعار لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل، لينتهي المطاف بهم إلى مغادرة المكان بجيوب فارغة وحسرة تملأ القلوب، بعد أن أصبحت "الأضحية" حُلماً بعيد المنال ورفاهية تفوق واقعهم المرير.

أرقام فلكية تسحق القدرة الشرائية..

يفيد تجار ومربو مواشي في القطاع بأن أسعار الخراف والماشية قفزت إلى مستويات قياسية لا تتناسب مطلقاً مع حالة الإفقار الممنهج التي يعيشها السكان.

وفي ظل انعدام السيولة النقدية، وتآكل الأجور، وغياب مصادر الدخل الثابت لغالبية أرباب الأسر، باتت الأضحية خارج الحسابات والخطط تماماً.

المواطن الغزي اليوم يوازن بين توفير الطحين ومياه الشرب لعائلته، وبين إحياء شعيرة دينية من شعائر الأضحى المبازك لترجح كفة البقاء على قيد الحياة في خطة الأولويات القسرية.

 لماذا انهار سوق الأضاحي؟

تتداخل عدة عوامل معقدة لتخنق هذا القطاع الحيوي، وتدفع بالأسعار نحو هذا الصعود الجنوني بسبب  الحصار الخانق وأزمة الأعلاف التي تتمثل بالارتفاع الحاد، وغير المنطقي، في أسعار الأعلاف والحبوب ومستلزمات التربية، الناتجة عن منع دخول الشاحنات والتحكم في المعابر.

كذلك استنزاف الثروة الحيوانية بما يشمل تدمير جزء كبير من المزارع والحظائر بفعل القصف المباشر، وتراجع أعداد المواشي المحلية بشكل حاد دون وجود بدائل وفقاً لما أكدته وزارة الزراعه.

بالإشارة إلى أن شلل سلاسل الإمداد والاستيراد والتوقف شبه الكامل لعمليات استيراد المواشي بانتظام، واقتصار المتاح على أعداد ضخمة من العقبات الأمنية واللوجستية التي ترفع التكلفة الإجمالية للرأس الواحد  

اضافة إلى أن فجوة الأسواق المتناقضة، معروض شحيح جداً يقابله طلب غريزي لإحياء الموسم، لكنه يصطدم بجدار عازل من ضعف القدرة الشرائية وانعدام الكاش.

أصواتٌ من قلب المعاناة..

يقول المواطن أبو محمد، نازح جنوب قطاع غزة، ومازال  الذهول يظهر على وجهه:" ذهبت اليوم لأحد الحظائر المتواجده بخانيونس، على أمل أن أجد أضحية صغيرة بالاشتراك مع إخوتي، لكن الصدمة ألجمتنا، السعر المطلوب لخروف واحد يعادل إيجار خيمة ومصاريف عائلتي لعدة أشهر، التفكير في الأضحية هذا العام لم يعد عبئاً بل بات ضرباً من الخيال"

ويضيف المواطن أيمن الشريف، وهو موظف حكومي:" الحرب لم تترك لنا مجالاً للفرح، كنا ننتظر العيد لنُدخل اللحم إلى بيوت أطفالنا الذين نسوا طعمه، لكن الأسعار الحالية تخبرنا بوضوح، العيد هذا العام بلا أضحية، الأولوية الآن هي لتوفير العلاج والحد الأدنى من الغذاء الأساسي."

أما التاجر أبو العبد الأسطل ، صاحب حظيرة مواشي:" الحركة  شبه معدومة، السوق كمايقال ميت. الناس تأتي، تسأل عن السعر، تضرب كفاً بكف ثم تمشي، نحن لسنا مستفيدين من هذا الغلاء، بل نحن الضحية الأولى، لأن تكلفة العلف والنقل وتأمين المواشي أصبحت خيالية، وإذا خفّضنا الأسعار سنواجه إفلاساً حتمياً، الجميع خاسر في هذه المعادلة."

مؤشر الانهيار الشامل..

إن أزمة أسعار الخراف في غزة لا يمكن قراءتها كحدث اقتصادي مجرد، بل هي امتداد للكارثة الإنسانية الشاملة، غياب الأضاحي يعني غياب مظاهر التكافل الاجتماعي التي كانت تسند العائلات الأشد فقراً في هذه الأيام الفضيلة، مما يعمق حالة الجوع وسوء التغذية التي تنهش في جسد القطاع، لقد حوّلت الحرب التقاليد الدينية والاجتماعية الراسخة إلى هموم تضاف إلى قائمة الأعباء الثقيلة التي يرزح تحتها المواطن.

ويبقى الارتفاع غير المسبوق في أسعار الأضاحي بقطاع غزة دليلاً دامغاً على عمق الهوة التي انزلق إليها الواقع المعيشي، إنه مشهد تختزل فيه "الخراف" قصة وطن تحاصره النيران والأسعار، وتتداخل فيه تداعيات الحرب وضغوط الاقتصاد لتسلب من السكان أبسط حقوقهم في ممارسة شعائرهم وصناعة فرحة مؤقتة بين ركام الدمار.