تقرير: بين رائحة الكعك ووجع الفقد… أم تصنع فرحة العيد على روح شهدائها

بي دي ان |

26 مايو 2026 الساعة 08:14م

في زاوية خيمةٍ صغيرة بدير البلح، تجلس الحاجة أم محمد الكسيح، تُقلّب عجين الكعك بيديها المتعبتين، بينما تسبق دموعها كلماتها كلما ذُكر اسم ابنها محمد أو ابنتها الكبرى وأحفادها الذين غيّبتهم الحرب.

أم محمد، البالغة من العمر 65 عاماً، من مدينة بيت لاهيا نازحة في دير البلح، بعد أن فقدت جزءًا كبيرًا من عائلتها، لتجد نفسها تواجه عيدًا جديدًا بلا الوجوه التي كانت تصنع معنى العيد الحقيقي بالنسبة لها.

في الأعوام الماضية، كان بيت أم محمد يمتلئ بالحياة قبل العيد بأيام، أصوات الأحفاد، وضحكات الأطفال، وحركة بناتها داخل المطبخ، فيما كانت هي تتنقل بينهم وهي تُحضّر كعك العيد بحب وفرح كبيرين.

كانت تعتبر تلك اللحظات أجمل ما في العيد، حين يجتمع أفراد العائلة حولها، يساعدونها في تجهيز الكعك، ويتسابق الأطفال لتذوق أول قطعة خارجة من الفرن.

أما اليوم، فقد تحوّلت تلك الذكريات إلى وجعٍ دائم يسكن قلبها، بعدما أصبحت تُحضّر الكعك وحدها، وسط صمت الخيمة وغياب من كانوا يمنحون المكان دفئه.

وتقول أم محمد بصوتٍ متعب تختلط فيه الحسرة بالحنين:
“ابني محمد الكبير كان راجل البيت… كان سندي إلي ولإخواته، يحمل همّنا كلنا، وما كان يتركنا نحتاج أي حد”.

وتتابع وهي تنظر إلى عجين الكعك أمامها:“محمد ما كان بس ابني… كان روحي وعمري وسندي، وكل الناس كانت تحبه، وما في بكل غزة مثلو شخصين".

تحاول الأم التماسك، لكن الحديث عن ابنها وأحفادها يُسقط كل قوتها، فتغيب كلماتها للحظات خلف دموعٍ لم تجف منذ عام. تقول: “أنا فقدت قلبي كله… مش بس ابني، فقدت قطعة مني، فقدت فرحة البيت، وصوت الضحكة، وحياة كاملة راحت”.

وتضيف بحرقة: “صار سنة على غيابهم، ولسا حاسة إنه الباب رح ينفتح ويدخلوا عليّ… لحد هالوقت مش قادرة أصدق إنهم راحوا”.

ورغم مرارة النزوح وصعوبة الحياة داخل الخيام، ما زالت أم محمد تحاول الحفاظ على عادة صناعة كعك العيد، كأنها تتمسك بما تبقى لها من ذكريات عائلتها.

تُشعل النار، وتُحضّر الطحين والتمر، وتبدأ بالعجن كما كانت تفعل كل عام، لكن هذه المرة بقلبٍ مثقل بالفقد، وبأمنيات مستحيلة أن يعود من رحلوا ولو للحظة واحدة.
وتقول الأم بصوتٍ مكسور: “العيد زمان كان فرحة… اليوم صار وجع كبير، كل زاوية فيه بتذكرني فيهم، حتى ريحة الكعك صارت تبكيني”.

وتتابع:“كنت أعمل الكعك عشان نفرح ونوزع على الجيران والأقارب، هالمرة بعمله عن روحهم… لحتى كل الناس تدعيلهم بالرحمة”.

أم محمد ليست وحدها في هذا الألم، فالكثير من الأمهات في غزة يستقبلن العيد هذا العام بقلوب مثقلة بالفقد والحنين، بعدما غيّبت الحرب أبناءً وأحفادًا وعائلاتٍ كاملة.

ورغم كل شيء، تُصرّ الأمهات على التمسك ببعض تفاصيل الحياة، في محاولة لمواجهة هذا الخراب الكبير، ولو برائحة كعك تخرج من بين الخيام وتحمل معها حكايات من رحلوا.

وفي نهاية حديثها، تنظر أم محمد إلى الكعك المُرتب أمامها وتقول بصوتٍ خافت:“نفسي العيد يرجع مثل أول… نفسي أشوف أولادي وأحفادي قاعدين حواليّ، حتى لو للحظة واحدة… بس الحمد لله، الله يرحمهم ويجمعني فيهم بالجنة”.