الأم ليست مصنعًا… والشهيد ليس رقمًا

بي دي ان |

08 يوليو 2026 الساعة 09:36م

الكاتب
أنا لا أكتب هنا لأهاجم مصطفى البرغوثي، ولا لأمحو تاريخه أو مواقفه بسبب عبارة أثارت غضب الناس. وأعرف أن الرجل، كما يقول المدافعون عنه، ربما أراد أن يقول إن الاحتلال، رغم قتله آلاف الأطفال، لم يستطع قتل الحياة في غزة، وأن المواليد الجدد دليل على أن هذا الشعب لا يُمحى ولا ينقرض.
هذا المعنى يمكن فهمه سياسيًا. لكنني، كأب لشهيد، لا أستطيع أن أسمع العبارة بالطريقة الباردة التي يسمعها السياسيون في المؤتمرات. أنا لا أسمع الرقم كرقم. حين يقال إن الاحتلال قتل آلاف الأطفال، لا يمر الرقم أمامي كإحصاء، بل يمر وجه ابني محمود، وصوته، وضحكته، وملامحه، وكل ما بقي منه في القلب والذاكرة.
الذي فقد ابنًا لا يتعامل مع الأرقام كما يتعامل معها الباحث أو المتحدث أو المحلل. الرقم عندنا ليس رقمًا. الرقم اسم. والاسم بيت. والبيت عمر كامل. لذلك حين تُقال عبارة توحي، ولو من غير قصد، أن ما وُلد في غزة أكثر مما قُتل فيها، فإنها لا تصل إلينا كرسالة صمود، بل كطعنة لغوية قاسية، كأن الطفل الذي رحل يمكن أن يعوضه طفل آخر، وكأن الفقد مجرد نقص في عدد السكان.
لا. الطفل لا يُعوَّض بطفل. والابن لا يملأ مكانه أحد. وشهيدي، بالنسبة لي، ليس واحدًا من آلاف، بل عالم كامل انطفأ. له مكان في البيت لا يملؤه أحد، واسم حين يُذكر يتغير الهواء من حولنا، وغياب لا تشرحه أي معادلة ديمغرافية مهما كانت نيتها وطنية.
نعم، أن تلد امرأة في غزة تحت القصف والجوع والخيمة هو فعل حياة عظيم. نعم، كل طفل يولد في هذا الجحيم هو شهادة على أن الحياة لم تُهزم تمامًا. لكن الأم التي تلد ليست معملًا للصمود، وليست ماكينة إنتاج وطني، وليست مطالبة بأن تعوض برحمها ما أخذته آلة القتل. الأم إنسان قبل أن تكون رمزًا، وجسدها المتعب ليس ساحة جديدة نثبت بها للعالم أننا ما زلنا قادرين على البقاء.
وهنا جوهر الوجع. نحن لا نعترض على القول إن غزة باقية. غزة باقية فعلًا، وستبقى رغم كل شيء. لكننا نعترض على اللغة حين تقترب من جراحنا بلا رحمة. هناك فرق بين أن تقول: رغم الإبادة ما زالت الحياة تولد في غزة، وبين أن تقول ما يوحي بأن من وُلدوا يعوضون من قُتلوا. الأولى عبارة تحفظ كرامة الحياة والموت معًا، أما الثانية فتؤذي أهل الفقد حتى لو لم تقصد ذلك.
أنا أقول هذا بإنصاف. ليس مطلوبًا تحويل البرغوثي إلى عدو، ولا الانجرار إلى حملات تشويه وتخوين. فقد يكون الرجل أراد الدفاع عن شعبه أمام العالم. لكن حسن النية لا يمنع الألم. والنية الطيبة لا تلغي أثر العبارة حين تقع على قلب أم شهيد أو أب شهيد. من حق المدافعين عنه أن يشرحوا السياق، لكن من حقنا أيضًا أن نقول إن العبارة جرحتنا.
غزة تعبت من أن تكون استعارة في خطابات الآخرين. مرة تُختصر في الصمود، ومرة في الأرقام، ومرة في الخصوبة، ومرة في المعجزة. لكن غزة ليست استعارة. غزة بشر. أمهات فقدن، وآباء انكسروا، وأطفال رحلوا، وأطفال وُلدوا في عالم لا يشبه الطفولة. لا أحد منهم يلغي الآخر، ولا أحد يعوض الآخر.
حين نتحدث عن غزة، علينا أن نتذكر أن الكلمات ليست حيادية. قد تكون الجملة قوية في مؤتمر، لكنها قد تكون موجعة في خيمة. قد تبدو مفيدة في مواجهة الرواية الإسرائيلية، لكنها قد تدوس على قلب أم لا تزال تحفظ رائحة طفلها. وفي زمن الإبادة، لا يكفي أن تكون اللغة وطنية؛ يجب أن تكون رحيمة.
لا أريد من أحد أن يثبت لي أن غزة ما زالت قادرة على الإنجاب. بل أنا أريد أن أثبت أن غزة ما زالت تتمسك بحقها بالحياة.  أريد أن يتذكر العالم، ويتذكر السياسيون، أن الحياة الجديدة لا تمحو الحياة التي قُتلت. الطفل الذي يولد معجزة، نعم، لكن الطفل الذي استُشهد كان معجزة أيضًا، وكان يمشي على الأرض، وكان لأمه وأبيه دنيا كاملة.
لذلك، ليس الخلاف الحقيقي حول شخص البرغوثي وحده. الخلاف حول لغة كاملة اعتادت أن تتحدث عن وجعنا من فوق. لغة ترى فينا رمزًا قبل أن ترانا بشرًا، وتطلب منا أن نظل دليلًا على الصمود حتى ونحن ندفن أبناءنا.
غزة ليست معادلة بين من قُتلوا ومن وُلدوا. ليست ميزانًا نضع في كفته الشهداء وفي الأخرى المواليد. غزة أم فقدت، وأم أنجبت، وأب يبتلع غيابه كل يوم، وطفل رحل، وطفل جاء إلى دنيا مكسورة. وكل هؤلاء يقولون الحقيقة نفسها: الفلسطيني يريد أن يعيش، لا أن يُقتل ثم يُستخدم بقاؤه لإثبات أنه لم يُهزم.