أزمة الاستدامة الاستراتيجية الإسرائيلية ما لم يُنظر إليه بجدية : قراءة في عمق الأزمة المُهمَلة
بي دي ان |
05 يونيو 2026 الساعة
02:55ص
الكاتب
حين تُخفق الدولة في قراءة نفسها
في علم الاستراتيجيا، ثمة فارق جوهري بين القوة العسكرية والاستدامة الاستراتيجية؛ فالأولى قدرة على الضربة، والثانية قدرة على الصمود الممنهج عبر الزمن، إسرائيل اليوم تمتلك الأولى بشكل لا يُنكر، لكنها تتآكل بصمت في الثانية ، وهذا هو الجوهر الذي يغيب عن قراءة معظم صانعي القرار في تل أبيب والقراءات الغربية المتعاطفة معها على حدٍّ سواء.
"أزمة الاستدامة الاستراتيجية" ليست عنواناً جذاباً يتداوله السوشيال ميديا، لكنها تظهر بشكل شظايا متفرقة: تغريدة جندي احتياط منهك، ومنشور لمهندس برمجيات يُعلن هجرته إلى برلين، وتحقيق اقتصادي عن عجز الميزانية، ووثيقة مسرّبة من أروقة الجيش عن تراجع الاستجابة للتجنيد، فحين تُجمّع هذه الشظايا، تظهر صورة دولة لا تملك خارطة طريق واضحة للنظر في استدامتها بعيد المدى.
فخ الحرب اللانهائية ، غياب استراتيجية الخروج.
الأزمة الأعمق ليست الحرب، بل غياب تعريف واضح لما بعد الحرب، هذا الغياب بالذات هو ما أطلق عليه المحللون الإسرائيليون أنفسهم وصف "الفخ الاستراتيجي".
يعتبر اللواء احتياط يتسحاق بريك أن التركيز شبه الكامل على قطاع غزة خلال العامين الماضيين مثّل إخفاقاً استراتيجياً، إذ جرى استنزاف القدرات في ساحات ثانوية بينما تصاعدت التهديدات بعيدة المدى، مشدداً على ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى نقاش استراتيجي يحدد نقاط الحسم الحقيقية للعقد المقبل.
المفارقة المؤلمة التي يكشفها الخطاب الرقمي العبري هي أن الجيش والقيادة السياسية ينظرأن إلى المشهد من زاويتين متعارضتين تماماً : دروس هجمات 7 أكتوبر أعادت تشكيل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي لتُنتج تسامحاً أقل بكثير مع المخاطر وموقفاً يُفضّل التدخل الاستباقي، في حين أن الحوافز الانتخابية لنتنياهو قد تدفع نحو مزيد من التصعيد مع اقتراب انتخابات 2026.
هذا التعارض بين المنطق الأمني والمنطق السياسي الانتخابي هو في حد ذاته عامل تآكل استراتيجي بالغ الخطورة: الحروب التي تُدار بحسابات انتخابية لا تنتهي بانتصارات استراتيجية.
الاستنزاف البشري العسكري، الجرح النازف في صمت رسمي
هذا هو ربما أكثر محاور الأزمة إخفاءً ومراقبةً في الوقت ذاته من خلال السوشيال ميديا التي تكسر التعتيم الرسمي شيئاً فشيئاً.
أولًا: أزمة الاستجابة للتجنيد
كشفت تقارير موقع "واي نت" الإسرائيلي وصحيفة "هآرتس" أن عدد جنود الاحتياط الذين يستجيبون للاستدعاء انخفض إلى 60% في بعض الوحدات، وأن هذا الانخفاض، وإن لم يمنع شن هجوم بري كبير في البداية، فإنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى الإرهاق إذا تحولت الحملة العسكرية إلى حرب عصابات من دون أهداف استراتيجية واضحة.
وتتصاعد بيانات تكشف أزمة نقص جنود في الجيش الإسرائيلي بصورة متسارعة، وسط تحذيرات أطلقتها قيادات عسكرية بارزة من خطر "تفكك" المنظومة، في ظل غياب أي معالجات حقيقية للنزيف البشري المستمر.
ثانيًا: الكارثة النفسية الصامتة
تُتهم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالتعمد في عدم نشر أرقام المصابين نفسياً لأنها مرتفعة جداً وتخشى من تأثيرها السلبي على معنويات الإسرائيليين، وكشفت هآرتس أنه جرى تحويل آلاف الجنود النظاميين خلال الحرب إلى مهام دعم أو مواقع خلفية بسبب ضائقة نفسية أو إرهاق شديد.
الأرقام التي تسرّبت عبر السوشيال ميديا والصحفيين الاستقصائيين تبدو صادمة: سجّل عام 2026 وحده ما لا يقل عن 10 حالات انتحار في صفوف الجنود في الخدمة الفعلية، منها 6 حالات في شهر واحد، مما يكشف تسارعاً مقلقاً في الظاهرة، يطال جنود الاحتياط بصورة خاصة.
ووفق بيانات وزارة الدفاع، واستقبل جناح إعادة التأهيل منذ بداية الحرب ما يزيد على 10 آلاف جريح من جنود الاحتياط، بمعدل ألف جريح شهرياً، يعاني ثلثهم تقريباً من ردود فعل نفسية حادة.
ما يجعل هذا المحور استراتيجياً بامتياز هو أن الأزمة النفسية للجنود لا تُقاس فقط بالإعاقات الفردية، بل بتآكل "ثقافة الاستعداد للقتال" على المدى البعيد، وهو رصيد وطني لا يعوّضه أي إنفاق عسكري مهما بلغ.
النزيف الاقتصادي التراكمي ، فاتورة الحرب بلا سقف
أولا: حجم التكلفة ومعضلة الأرقام المتضاربة
تباينت التقديرات الرسمية تبايناً كبيراً في تكلفة الحرب؛ إذ قدّرها وزير المالية بنحو 89 مليار دولار، في حين تحدّث المحاسب العام عن 41.7 مليار دولار حتى نهاية 2024، متوقعاً الوصول إلى 59.6 مليار دولار بنهاية 2025، فيما يُشير البنك المركزي إلى أن استمرار الحرب بعد 2026 سيؤدي إلى تفاقم الضرر الاقتصادي وإبطاء وتيرة الانتعاش.
هذا التباين بحد ذاته أزمة حوكمة مالية: حين يتفاوت التقدير الرسمي بين مسؤولَين رئيسيَّين بنسبة تجاوزت 100%، فإن صانعي القرار يعملون في ظلام إحصائي.
وتتجه إسرائيل إلى زيادة نسبة العجز المالي إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بفعل حرب غزة والهجوم على إيران في يونيو 2025.
ثانيا: تآكل القاعدة الاقتصادية الصلبة
بدأت ملامح الأزمة تظهر بوضوح في قطاع التكنولوجيا الفائقة — المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي ، إذ اندفعت مئات الشركات الناشئة والرساميل الكبرى للبحث عن ملاذات آمنة في الخارج بسبب حالة عدم اليقين السياسي والأمني.
وعلى صعيد غير مسبوق، انخفض عدد العاملين في البحث والتطوير في إسرائيل بنسبة 1.1% عام 2025 للمرة الأولى، وسط مخاوف جدية من تحوّل هذا التراجع إلى هجرة كفاءات ممنهجة.
المفارقة التي ترصدها السوشيال ميديا الاقتصادية الإسرائيلية هي مأساوية في واقعها؛ بعض الشركات الإسرائيلية باتت تبحث عن طرق ملتوية لإتمام صفقاتها، كتحويل شركات ناشئة إسرائيلية إلى كيانات أوروبية وهمية على الورق، بينما يبقى التطوير والعقول في إسرائيل فعلياً، هذا النهج يكشف حجم العزلة التجارية ويعكس هشاشة الثقة بالنظام.
العزلة الدولية كمتغير استراتيجي هيكلي
تصدّع سردية "الضحية"
تشهد علاقات إسرائيل بأوروبا تحولاً نحو مقاطعة بنيوية تشمل الدفاع والسردية التاريخية؛ وتعيش إسرائيل حالة من القلق الفعلي تجاه تحول الوعي الأوروبي وانهيار "سردية الضحية" التي طالما استثمرت فيها، مما قد يؤدي إلى مقاطعة شاملة من القواعد الشعبية والأكاديمية.
شهدت إسرائيل خلافات دبلوماسية مع دول أوروبية كبرى كتركيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، مع تصاعد دعوات تعليق أو إلغاء اتفاقية الشراكة معها، ومطالب بفرض عقوبات ووقف تصدير الأسلحة إليها.
أولا: العزلة الأكاديمية والتقنية
من الاتجاهات البالغة الخطورة تزايد عدد الجامعات الأوروبية التي تفرض مقاطعة أكاديمية كاملة على المؤسسات الإسرائيلية، واستبعاد الباحثين الإسرائيليين صراحةً أو ضمنياً من برامج البحث الأوروبية — ولا سيما برنامج "هورايزون أوروبا" ، حيث تُقاطع نحو 20 شراكة إسرائيلية ممولة في إطاره، معظمها في إسبانيا وبلجيكا وإيطاليا.
ما يغفله كثيرون هو أن القوة الاستراتيجية الإسرائيلية تاريخياً لم تُبنَ فقط على القدرة العسكرية، بل على ثانيا: الاندماج في المنظومة التكنولوجية الغربية : من سيليكون فالي إلى مختبرات أوروبا البحثية. أي تصدّع في هذا الاندماج يمس الركيزة الأعمق لقوة الدولة.
ما لم يُنظر إليه بجدية ، الأبعاد المُهمَلة استراتيجياً
1- أزمة الشرعية الوظيفية للدولة
ثمة سؤال جوهري يتصاعد في الخطاب الرقمي الإسرائيلي ولا تواجهه أي وثيقة رسمية: ماذا تعني الدولة للمواطن حين تطلب منه التضحية مقابل ما يُعامَل به؟ الجنود الاحتياطيون الذين يخوضون دوراتهم الثالثة والرابعة يعودون إلى منازل لا تصلها خدمات كافية، ومجتمع منقسم عليهم، وحكومة يُحاكم رئيسها أمام القضاء. هذا التآكل في معادلة "الدولة والمواطن" هو الأعمق والأقل قابلية للقياس.
2- فخ التقنية كبديل للاستراتيجية
اعتمدت إسرائيل بشكل متصاعد على التفوق التقني — الذكاء الاصطناعي العسكري، والضربات الدقيقة، وأنظمة الاعتراض — بوصفه بديلاً وظيفياً عن الاستراتيجية السياسية. لكن التقنية تحل المشكلة العسكرية التكتيكية لا المعضلة السياسية الاستراتيجية؛ فلا يوجد خوارزمية لـ"ما بعد الحرب".
3- ديناميات الديموغرافيا كضغط بنيوي
في ظل هجرة صافية سالبة تستمر منذ 2023، يُتوقع أن يصل معدل نمو السكان في إسرائيل عام 2025 إلى أقل من 1%، أي نصف المعدل الذي كان سائداً بين 1996 و2022. هذه الهشاشة الديموغرافية لا تُناقَش كثيراً في السياق الاستراتيجي على الرغم من كونها المتغير الأبطأ والأعمق تأثيراً.
4- انكسار الإجماع الأمني الداخلي
ربما الأخطر على المدى البعيد: لأول مرة في تاريخ إسرائيل باتت المقاومة للخدمة العسكرية تكتسب قبولاً اجتماعياً نسبياً، ولأول مرة في إسرائيل، بدأ رفض القتال يمكن أن يكون داخل الإجماع ، هذه الجملة التي وردت في هآرتس تعكس تحولاً ثقافياً عميقاً ليس له سابقة في الوجدان الجمعي الإسرائيلي.
السوشيال ميديا كمرصد لأزمة الاستدامة
المنصات الرقمية لا تنقل الأزمة فحسب، بل تُنتج مؤشرات استراتيجية يتجاهلها الإعلام الرسمي:
مؤشر "الإرهاق التعبوي": كلما أُعلن عن استدعاء جديد لجنود الاحتياط، تملأ المنصات الإسرائيلية موجة من التعليقات التي تعكس تضاؤل الحماس وتصاعد الاستياء ، وهو مقياس غير رسمي لكنه بالغ الدلالة.
مؤشر "هجرة الخطاب": تتحوّل النقاشات تدريجياً من "كيف ننتصر؟" إلى "ماذا نفعل بعد الحرب؟" ثم إلى "هل يمكن الاستمرار هكذا؟" ، وهذا التحول في أُطر النقاش يسبق عادةً التحولات السياسية الكبرى.
مؤشر "التناقض الرواياتي": المنصات الإسرائيلية تعيش في حالة حرب سردية دائمة، إذ تتناقض الرواية الرسمية مع الشهادات الفردية يومياً ، وهذا الاختلاف التراكمي يُضعف الثقة الاجتماعية بالمؤسسة العسكرية والسياسية معاً.
متى تُصبح الأزمة موضوع نقاش جدي؟
لسبب الحقيقي لعدم النظر إلى أزمة الاستدامة الاستراتيجية بجدية كافية يتمثل في ثلاثة عوامل نفسية-سياسية متشابكة:
أولاً : الطارئية الدائمة: التهديدات الأمنية الفورية تطغى دائماً على التفكير في الاستدامة البعيدة، وهو ما يُسميه الباحثون الاستراتيجيون "فخ الأفق القصير".
ثانياً : الهوية الأسطورية: المجتمع الإسرائيلي بنى قدراً كبيراً من هويته على رواية "الصمود ضد المستحيل"، وهذه الرواية تجعل الاعتراف بمشكلة الاستدامة يبدو كنوع من الاستسلام الهوياتي.
ثالثاً : الشراكة الخارجية كشبكة أمان: الاتكاء على الدعم الأمريكي والغربي يُخفّف من حجم الضغط الداخلي لإجراء مراجعة استراتيجية جذرية.
غير أن هذه العوامل الثلاثة تآكلت بصورة ملموسة بين 2023 و2026: التهديدات باتت ذات أبعاد متشابكة لا تحسمها الأفق القصير، والرواية الأسطورية تصطدم بأرقام الهجرة والصدمات النفسية، والشراكة الخارجية تواجه تحولات المزاج الأوروبي والتنافس الأمريكي مع حلفاء خليجيين متناميين.
بي دي ان |
05 يونيو 2026 الساعة 02:55ص
في علم الاستراتيجيا، ثمة فارق جوهري بين القوة العسكرية والاستدامة الاستراتيجية؛ فالأولى قدرة على الضربة، والثانية قدرة على الصمود الممنهج عبر الزمن، إسرائيل اليوم تمتلك الأولى بشكل لا يُنكر، لكنها تتآكل بصمت في الثانية ، وهذا هو الجوهر الذي يغيب عن قراءة معظم صانعي القرار في تل أبيب والقراءات الغربية المتعاطفة معها على حدٍّ سواء.
"أزمة الاستدامة الاستراتيجية" ليست عنواناً جذاباً يتداوله السوشيال ميديا، لكنها تظهر بشكل شظايا متفرقة: تغريدة جندي احتياط منهك، ومنشور لمهندس برمجيات يُعلن هجرته إلى برلين، وتحقيق اقتصادي عن عجز الميزانية، ووثيقة مسرّبة من أروقة الجيش عن تراجع الاستجابة للتجنيد، فحين تُجمّع هذه الشظايا، تظهر صورة دولة لا تملك خارطة طريق واضحة للنظر في استدامتها بعيد المدى.
فخ الحرب اللانهائية ، غياب استراتيجية الخروج.
الأزمة الأعمق ليست الحرب، بل غياب تعريف واضح لما بعد الحرب، هذا الغياب بالذات هو ما أطلق عليه المحللون الإسرائيليون أنفسهم وصف "الفخ الاستراتيجي".
يعتبر اللواء احتياط يتسحاق بريك أن التركيز شبه الكامل على قطاع غزة خلال العامين الماضيين مثّل إخفاقاً استراتيجياً، إذ جرى استنزاف القدرات في ساحات ثانوية بينما تصاعدت التهديدات بعيدة المدى، مشدداً على ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى نقاش استراتيجي يحدد نقاط الحسم الحقيقية للعقد المقبل.
المفارقة المؤلمة التي يكشفها الخطاب الرقمي العبري هي أن الجيش والقيادة السياسية ينظرأن إلى المشهد من زاويتين متعارضتين تماماً : دروس هجمات 7 أكتوبر أعادت تشكيل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي لتُنتج تسامحاً أقل بكثير مع المخاطر وموقفاً يُفضّل التدخل الاستباقي، في حين أن الحوافز الانتخابية لنتنياهو قد تدفع نحو مزيد من التصعيد مع اقتراب انتخابات 2026.
هذا التعارض بين المنطق الأمني والمنطق السياسي الانتخابي هو في حد ذاته عامل تآكل استراتيجي بالغ الخطورة: الحروب التي تُدار بحسابات انتخابية لا تنتهي بانتصارات استراتيجية.
الاستنزاف البشري العسكري، الجرح النازف في صمت رسمي
هذا هو ربما أكثر محاور الأزمة إخفاءً ومراقبةً في الوقت ذاته من خلال السوشيال ميديا التي تكسر التعتيم الرسمي شيئاً فشيئاً.
أولًا: أزمة الاستجابة للتجنيد
كشفت تقارير موقع "واي نت" الإسرائيلي وصحيفة "هآرتس" أن عدد جنود الاحتياط الذين يستجيبون للاستدعاء انخفض إلى 60% في بعض الوحدات، وأن هذا الانخفاض، وإن لم يمنع شن هجوم بري كبير في البداية، فإنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى الإرهاق إذا تحولت الحملة العسكرية إلى حرب عصابات من دون أهداف استراتيجية واضحة.
وتتصاعد بيانات تكشف أزمة نقص جنود في الجيش الإسرائيلي بصورة متسارعة، وسط تحذيرات أطلقتها قيادات عسكرية بارزة من خطر "تفكك" المنظومة، في ظل غياب أي معالجات حقيقية للنزيف البشري المستمر.
ثانيًا: الكارثة النفسية الصامتة
تُتهم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالتعمد في عدم نشر أرقام المصابين نفسياً لأنها مرتفعة جداً وتخشى من تأثيرها السلبي على معنويات الإسرائيليين، وكشفت هآرتس أنه جرى تحويل آلاف الجنود النظاميين خلال الحرب إلى مهام دعم أو مواقع خلفية بسبب ضائقة نفسية أو إرهاق شديد.
الأرقام التي تسرّبت عبر السوشيال ميديا والصحفيين الاستقصائيين تبدو صادمة: سجّل عام 2026 وحده ما لا يقل عن 10 حالات انتحار في صفوف الجنود في الخدمة الفعلية، منها 6 حالات في شهر واحد، مما يكشف تسارعاً مقلقاً في الظاهرة، يطال جنود الاحتياط بصورة خاصة.
ووفق بيانات وزارة الدفاع، واستقبل جناح إعادة التأهيل منذ بداية الحرب ما يزيد على 10 آلاف جريح من جنود الاحتياط، بمعدل ألف جريح شهرياً، يعاني ثلثهم تقريباً من ردود فعل نفسية حادة.
ما يجعل هذا المحور استراتيجياً بامتياز هو أن الأزمة النفسية للجنود لا تُقاس فقط بالإعاقات الفردية، بل بتآكل "ثقافة الاستعداد للقتال" على المدى البعيد، وهو رصيد وطني لا يعوّضه أي إنفاق عسكري مهما بلغ.
النزيف الاقتصادي التراكمي ، فاتورة الحرب بلا سقف
أولا: حجم التكلفة ومعضلة الأرقام المتضاربة
تباينت التقديرات الرسمية تبايناً كبيراً في تكلفة الحرب؛ إذ قدّرها وزير المالية بنحو 89 مليار دولار، في حين تحدّث المحاسب العام عن 41.7 مليار دولار حتى نهاية 2024، متوقعاً الوصول إلى 59.6 مليار دولار بنهاية 2025، فيما يُشير البنك المركزي إلى أن استمرار الحرب بعد 2026 سيؤدي إلى تفاقم الضرر الاقتصادي وإبطاء وتيرة الانتعاش.
هذا التباين بحد ذاته أزمة حوكمة مالية: حين يتفاوت التقدير الرسمي بين مسؤولَين رئيسيَّين بنسبة تجاوزت 100%، فإن صانعي القرار يعملون في ظلام إحصائي.
وتتجه إسرائيل إلى زيادة نسبة العجز المالي إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بفعل حرب غزة والهجوم على إيران في يونيو 2025.
ثانيا: تآكل القاعدة الاقتصادية الصلبة
بدأت ملامح الأزمة تظهر بوضوح في قطاع التكنولوجيا الفائقة — المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي ، إذ اندفعت مئات الشركات الناشئة والرساميل الكبرى للبحث عن ملاذات آمنة في الخارج بسبب حالة عدم اليقين السياسي والأمني.
وعلى صعيد غير مسبوق، انخفض عدد العاملين في البحث والتطوير في إسرائيل بنسبة 1.1% عام 2025 للمرة الأولى، وسط مخاوف جدية من تحوّل هذا التراجع إلى هجرة كفاءات ممنهجة.
المفارقة التي ترصدها السوشيال ميديا الاقتصادية الإسرائيلية هي مأساوية في واقعها؛ بعض الشركات الإسرائيلية باتت تبحث عن طرق ملتوية لإتمام صفقاتها، كتحويل شركات ناشئة إسرائيلية إلى كيانات أوروبية وهمية على الورق، بينما يبقى التطوير والعقول في إسرائيل فعلياً، هذا النهج يكشف حجم العزلة التجارية ويعكس هشاشة الثقة بالنظام.
العزلة الدولية كمتغير استراتيجي هيكلي
تصدّع سردية "الضحية"
تشهد علاقات إسرائيل بأوروبا تحولاً نحو مقاطعة بنيوية تشمل الدفاع والسردية التاريخية؛ وتعيش إسرائيل حالة من القلق الفعلي تجاه تحول الوعي الأوروبي وانهيار "سردية الضحية" التي طالما استثمرت فيها، مما قد يؤدي إلى مقاطعة شاملة من القواعد الشعبية والأكاديمية.
شهدت إسرائيل خلافات دبلوماسية مع دول أوروبية كبرى كتركيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، مع تصاعد دعوات تعليق أو إلغاء اتفاقية الشراكة معها، ومطالب بفرض عقوبات ووقف تصدير الأسلحة إليها.
أولا: العزلة الأكاديمية والتقنية
من الاتجاهات البالغة الخطورة تزايد عدد الجامعات الأوروبية التي تفرض مقاطعة أكاديمية كاملة على المؤسسات الإسرائيلية، واستبعاد الباحثين الإسرائيليين صراحةً أو ضمنياً من برامج البحث الأوروبية — ولا سيما برنامج "هورايزون أوروبا" ، حيث تُقاطع نحو 20 شراكة إسرائيلية ممولة في إطاره، معظمها في إسبانيا وبلجيكا وإيطاليا.
ما يغفله كثيرون هو أن القوة الاستراتيجية الإسرائيلية تاريخياً لم تُبنَ فقط على القدرة العسكرية، بل على ثانيا: الاندماج في المنظومة التكنولوجية الغربية : من سيليكون فالي إلى مختبرات أوروبا البحثية. أي تصدّع في هذا الاندماج يمس الركيزة الأعمق لقوة الدولة.
ما لم يُنظر إليه بجدية ، الأبعاد المُهمَلة استراتيجياً
1- أزمة الشرعية الوظيفية للدولة
ثمة سؤال جوهري يتصاعد في الخطاب الرقمي الإسرائيلي ولا تواجهه أي وثيقة رسمية: ماذا تعني الدولة للمواطن حين تطلب منه التضحية مقابل ما يُعامَل به؟ الجنود الاحتياطيون الذين يخوضون دوراتهم الثالثة والرابعة يعودون إلى منازل لا تصلها خدمات كافية، ومجتمع منقسم عليهم، وحكومة يُحاكم رئيسها أمام القضاء. هذا التآكل في معادلة "الدولة والمواطن" هو الأعمق والأقل قابلية للقياس.
2- فخ التقنية كبديل للاستراتيجية
اعتمدت إسرائيل بشكل متصاعد على التفوق التقني — الذكاء الاصطناعي العسكري، والضربات الدقيقة، وأنظمة الاعتراض — بوصفه بديلاً وظيفياً عن الاستراتيجية السياسية. لكن التقنية تحل المشكلة العسكرية التكتيكية لا المعضلة السياسية الاستراتيجية؛ فلا يوجد خوارزمية لـ"ما بعد الحرب".
3- ديناميات الديموغرافيا كضغط بنيوي
في ظل هجرة صافية سالبة تستمر منذ 2023، يُتوقع أن يصل معدل نمو السكان في إسرائيل عام 2025 إلى أقل من 1%، أي نصف المعدل الذي كان سائداً بين 1996 و2022. هذه الهشاشة الديموغرافية لا تُناقَش كثيراً في السياق الاستراتيجي على الرغم من كونها المتغير الأبطأ والأعمق تأثيراً.
4- انكسار الإجماع الأمني الداخلي
ربما الأخطر على المدى البعيد: لأول مرة في تاريخ إسرائيل باتت المقاومة للخدمة العسكرية تكتسب قبولاً اجتماعياً نسبياً، ولأول مرة في إسرائيل، بدأ رفض القتال يمكن أن يكون داخل الإجماع ، هذه الجملة التي وردت في هآرتس تعكس تحولاً ثقافياً عميقاً ليس له سابقة في الوجدان الجمعي الإسرائيلي.
السوشيال ميديا كمرصد لأزمة الاستدامة
المنصات الرقمية لا تنقل الأزمة فحسب، بل تُنتج مؤشرات استراتيجية يتجاهلها الإعلام الرسمي:
مؤشر "الإرهاق التعبوي": كلما أُعلن عن استدعاء جديد لجنود الاحتياط، تملأ المنصات الإسرائيلية موجة من التعليقات التي تعكس تضاؤل الحماس وتصاعد الاستياء ، وهو مقياس غير رسمي لكنه بالغ الدلالة.
مؤشر "هجرة الخطاب": تتحوّل النقاشات تدريجياً من "كيف ننتصر؟" إلى "ماذا نفعل بعد الحرب؟" ثم إلى "هل يمكن الاستمرار هكذا؟" ، وهذا التحول في أُطر النقاش يسبق عادةً التحولات السياسية الكبرى.
مؤشر "التناقض الرواياتي": المنصات الإسرائيلية تعيش في حالة حرب سردية دائمة، إذ تتناقض الرواية الرسمية مع الشهادات الفردية يومياً ، وهذا الاختلاف التراكمي يُضعف الثقة الاجتماعية بالمؤسسة العسكرية والسياسية معاً.
متى تُصبح الأزمة موضوع نقاش جدي؟
لسبب الحقيقي لعدم النظر إلى أزمة الاستدامة الاستراتيجية بجدية كافية يتمثل في ثلاثة عوامل نفسية-سياسية متشابكة:
أولاً : الطارئية الدائمة: التهديدات الأمنية الفورية تطغى دائماً على التفكير في الاستدامة البعيدة، وهو ما يُسميه الباحثون الاستراتيجيون "فخ الأفق القصير".
ثانياً : الهوية الأسطورية: المجتمع الإسرائيلي بنى قدراً كبيراً من هويته على رواية "الصمود ضد المستحيل"، وهذه الرواية تجعل الاعتراف بمشكلة الاستدامة يبدو كنوع من الاستسلام الهوياتي.
ثالثاً : الشراكة الخارجية كشبكة أمان: الاتكاء على الدعم الأمريكي والغربي يُخفّف من حجم الضغط الداخلي لإجراء مراجعة استراتيجية جذرية.
غير أن هذه العوامل الثلاثة تآكلت بصورة ملموسة بين 2023 و2026: التهديدات باتت ذات أبعاد متشابكة لا تحسمها الأفق القصير، والرواية الأسطورية تصطدم بأرقام الهجرة والصدمات النفسية، والشراكة الخارجية تواجه تحولات المزاج الأوروبي والتنافس الأمريكي مع حلفاء خليجيين متناميين.