في ذكرى استشهاد والدها الأولى... خلود الفليت تهديه نجاحها بـ98.9 وتتمسك بحلم أن تصبح طبيبة

بي دي ان |

28 يوليو 2026 الساعة 02:19م

الطالبة خلود خالد الفليت، تحصد معدل 98.9 في الثانوية العامة وتهدي نجاحها لروح والدها الشهيد
لم يكن يوم إعلان نتائج الثانوية العامة بالنسبة للطالبة خلود خالد الفليت يومًا يشبه بقية الطلبة. ففي الوقت الذي تحتفل فيه العائلات -خارج غزة- مجتمعةً بنجاح أبنائها، كانت هي تعيش ذكرى مضى عليها عام كامل، لكنها لم تغادر قلبها؛ الذكرى الأولى لاستشهاد والدها إثر قصفٍ إسرائيليٍ غادر. 

وصلت رسالة التوجيهي إلى هاتفها، تحمل معدل 98.9%. احتضنت خلود والدتها وبكت طويلًا، ليس لأن المعدل فاق توقعاتها، بل لأن الشخص الذي انتظرت أن يكون أول المهنئين لم يكن حاضرًا.

تقول خلود: "كنت أتمنى لو أن إعلان النتائج كان بوقوف والدي إلى جانبي، وأنه لم يصادف ذكرى استشهاده، ومع أن جميع أقاربي حاولوا مشاركتي الفرحة، لكن لا أحد يستطيع أن يعوضني غياب أبي". 

ابنة مدينة دير البلح، التي فقدت منزلها ووالدها خلال الحرب، لم تكن تخوض امتحان الثانوية العامة وحده، بل كانت تخوض امتحانًا آخر مع الخوف والنزوح والفقد، في محاولة لإنقاذ حلمٍ قديم رسمه لها والدها منذ طفولتها؛ أن تصبح طبيبة.

من حياةٍ هانئةٍ آمنة.. إلى حربٍ غيّرت كل شيء

قبل الحرب، تصف خلود حياتها بأنها كانت "طبيعية ومليئة بالأمان"، لكن تلك الحياة تغيرت عقب اندلاع الحرب؛ لم يعد الخوف مرتبطًا بالقصف  وحده، بل بكل تفاصيل الحياة اليومية، من انتشار لحالة الفوضى في غزة إثر غياب القانون، انقطاع الكهرباء والمياه وعدم توفر الإنترنت، ثم قصف المنزل وإحراقه، وأخيرًا استشهاد والدها.
وتستعيد الطالبة بعضًا من أكثر المشاهد قسوة التي ما تزال تلاحقها حتى اليوم، فتقول إن أول أيام النزوح لا تغادر ذاكرتها، حينما شاهدت الدبابة الاسرائيلية تتقدم نحو منطقة سكناهم، ثم لحظة قصف الطابق الذي يعلو منزلهم، و يوم تلقيهم اتصالًا من الضابط الاسرائيلي الذي يأمرهم بإخلاء المنزل قبل أن يتم قصفه.
لكنها تؤكد أن المشهد الأصعب لم يكن أيًا من ذلك. قائلةً:" أصعب لحظة في حياتي عندما رأيت والدي داخل الكفن". 

دراسة على ضوء الهاتف... وإصرارٌ على تحقيق الحلم

بعد النزوح، لم تعد الدراسة تشبه ما كانت عليه في السابق. لا وجود للكهرباء، ما اضطر الطالبة خلود إلى مواصلة الدراسة لساعاتٍ طويلة على ضوء كشاف الهاتف المحمول، قبل أن تتمكن العائلة لاحقًا من الحصول على الكهرباء مقابل تكاليف مرتفعة الثمن. ولانقطاع الإنترنت أيضاً، لم تتمكن الطالبة من متابعة دروسها إلكترونياً، واكتفت بحضور الدروس الوجاهية في المراكز الخصوصية والتي تتطلب مشياً على الأقدام مسافاتٍ طويلة لغياب المواصلات.
 
لم يكن للطالبة خلود مكانٌ ثابتٌ للمذاكرة. أحيانًا فوق سطح المنزل، وأحيانًا داخل الغرفة الوحيدة في البيت الذي نزحت إليه عائلتها بعد تدمير منزلهم. 
وتقول إن ضيق المكان كان يعيد إليها في كل مرة صورة منزلها الذي فقدته، فتشعر بأن قدرتها على الدراسة تتلاشى، قبل أن تستعيد عزيمتها بتذكر وعد قطعته لوالدها:  "كلما ضعفت همتي، كنت أتذكر حلم أبي بأن يراني طبيبة، فأعود للدراسة مجددا". 

وتضيف خلود الفليت بأن الفضل الكبير يعود لوالدتها بعد استشهاد والدها، التي تحملت وحدها مسؤولية الأسرة، وكانت السند والداعم الوحيد لها في دراستها، فلم تكفَّ عن تحفيزها وتشجيعها ودفعها للاستمرار في دراستها، لتحصد المعدل العالي الذي كانت تحلم به منذ الصغر. 

"رفعت راسك يا بابا" 

رغم الحياة الصعبة والمعيقات الجمّة التي واجهتها الطالبة خلود، تقول أنها لم تشعر بالمفاجأة عند ظهور النتيجة، إذ كانت واثقةً بأنها ستحقق معدلًا مرتفعًا، إلا أن فرحتها لم تكتمل لغياب والدها، الذي كانت تود أن تحتضنه وتقول له: "رفعت راسك يا بابا... حققت حلمك، ورح أدرس طب، وأصير دكتورة قد الدنيا".  

ولتعويض جزء من هذا الغياب، صممت في يوم إعلان النتائج صحيفة تذكارية تحمل صورة والدها، والتقطت بها صور تخرجها، وكأنها أرادت أن يكون حاضرًا معها في اللحظة التي تمنيناها طويلًا.

حلم الطب... بين الطموح والصعاب

لا يزال حلم دراسة الطب هو الوجهة التي تتمسك بها خلود، رغبةً منها في تحقيق حلم والدها وطموحها الذي كان يرافقها منذ الطفولة. إلا أن خيار دراسة الطب في غزة  ليس بالخيار السهل، فهي تتمنى الحصول على منحة دراسية خارج القطاع، لكن إغلاق المعابر يجعل السفر احتمالًا بعيدًا، فيما تصطدم الدراسة داخل القطاع بارتفاع الرسوم الجامعية، وغياب التعليم الوجاهي لتضرر مباني الجامعات، فضلًا عن أزمة المواصلات التي باتت تشكل عبئًا يوميًا على الطلبة.

ورغم تلك المعيقات، تؤكد أنها لن تتخلى عن حلمها وتقول: "سأتمسك بدراسة الطب أكثر، لأخدم وطني، وأحقق حلم والدي". 

وفي ختام حديثها، توجه خلود رسالةً إلى أبيها الشهيد؛ الذي غاب جسدًا وبقي حاضرًا في كل خطوة قطعتها نحو التميز:  "رفعت رأسك عاليًا يا أبي، أمام أهل الأرض وأهل السماء. حققت (99 إلا عُشر)، وسأصبح الطبيبة التي كنت تحلم أن تراني عليها".