السلطة تغيّر الدماغ.. ماذا يحدث نفسيا عندما يصبح الإنسان فوق المساءلة؟
بي دي ان |
05 فبراير 2026 الساعة
05:52م
الكاتب
ليست أخطر تحولات السلطة تلك التي نراها في القرارات، بل تلك التي تحدث بصمت داخل الدماغ. فالإنسان لا يشعر باللحظة التي يبدأ فيها التغيّر، ولا يدرك غالبًا أن القوة التي بين يديه لا تعيد تشكيل العالم فقط… بل تعيد تشكيله هو أيضًا.
منذ سنوات، يحاول علماء النفس فهم سؤال قديم بقدر التاريخ: هل تفسد السلطة أصحابها، أم أنها تكشف ما كان مخفيًا فيهم؟ الجواب الذي تميل إليه الأبحاث اليوم أكثر إزعاجًا مما نتخيل السلطة لا تفعل هذا أو ذاك فقط، بل تعيد برمجة طريقة تفكير الإنسان.
حين يمتلك الفرد قدرة استثنائية على التأثير، يبدأ دماغه تدريجيًا في التعامل مع الواقع بطريقة مختلفة. تتراجع حساسيته للرفض، لأنه نادر الحدوث. ويضعف انتباهه لمشاعر الآخرين، لأن موقعه المرتفع يقلل احتكاكه الحقيقي بهم. ومع الوقت، قد يتسلل إليه شعور غير واعٍ بأن القواعد وُجدت لتنظيم حياة الآخرين، لا حياته.
بعض الدراسات النفسية لاحظت أن أصحاب النفوذ يميلون دون قصد دائمًا إلى مقاطعة الآخرين أكثر، والاستماع أقل، واتخاذ قرارات أسرع بثقة أعلى، حتى عندما لا تكون المعلومات كافية. ليست المسألة غرورًا بالضرورة، بل نتيجة بيئة تعزز الإحساس بالصواب.
السلطة، بهذا المعنى، تشبه الارتفاع الشاهق. كلما صعد الإنسان أعلى، صغرَت التفاصيل في عينيه. المشكلة أن هذه “التفاصيل” غالبًا ما تكون بشرًا.
لكن التحول الأخطر لا يحدث في السلوك الظاهر، بل في الإحساس الداخلي بالاستثناء. فمع تكرار النجاة من العواقب، يتشكل ما يسميه بعض الباحثين وهم الحصانة ، اعتقاد صامت بأن الخطأ ممكن… لكن العقاب مستبعد. لا يتخذ هذا الوهم شكل فكرة واضحة، بل شعورًا خفيًا بالاطمئنان المفرط.
ومن هنا يبدأ الانزلاق الحقيقي. ليس عبر قرارات صادمة فجأة، بل عبر خطوات صغيرة لا يوقفها أحد. فكل تجاوز يمر بلا مساءلة يعيد رسم حدود الممكن، حتى تصبح أفعال كان صاحبها يستنكرها يومًا جزءًا من واقعه الجديد.
المفارقة أن القمة مكان شديد العزلة. يحيط بصاحب السلطة كثيرون، لكن قليلين يجرؤون على معارضته بصدق. ومع تلاشي الأصوات التي تقول لا ، يفقد الإنسان مرآته النفسية تلك التي نكتشف عبرها متى نبتعد عن ذواتنا.
لهذا السبب، لا يرى كثير ممن أساءوا استخدام سلطتهم أنفسهم كأشخاص فاسدين. في روايتهم الداخلية، هم فقط يفعلون ما اعتادوا أن يُسمح لهم بفعله. فالدماغ بارع في التكيف، حتى مع أكثر التحولات خطورة.
ومع ذلك، سيكون من المريح لكنه خاطئ أن نختزل المشكلة في شخصيات سيئة . فالتاريخ يكرر درسًا واضحًا: الخلل لا يكمن في الأفراد وحدهم، بل في البيئات التي ترفع المساءلة عنهم. حين تغيب الحدود، لا يحتاج الإنسان إلى نية شريرة كي يبتعد؛ يكفي ألا يجد من يوقفه.
لهذا، فإن المجتمعات لا تُختبر أخلاقيًا عندما يخطئ الضعفاء، بل عندما يقترب الأقوياء من الخط الأحمر. هناك فقط يظهر إن كان النظام قادرًا على التذكير بأن القوة امتياز مشروط، لا حصانة دائمة.
ربما لهذا يخيفنا هذا الموضوع أكثر مما نعترف. لأنه لا يتحدث عن “هم” فقط، بل عن قابلية بشرية عامة: معظم الناس يعتقدون أنهم سيبقون كما هم لو امتلكوا سلطة هائلة… لكن علم النفس يقترح غير ذلك بهدوء.
فالسلطة لا تطلب الإذن كي تغيّر صاحبها. إنها تفعل ذلك تدريجيًا، وبهدوء يكفي كي يبدو التحول طبيعيًا.
السؤال الذي يجب أن يقلقنا ليس لماذا يتغير بعض من يصلون إلى القمة، بل كيف نبني أنظمة تضمن ألا يصبح أي إنسان مهما علا بعيدًا عن التذكير بحدوده.
لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يمتلك شخص قوة كبيرة.
بل عندما يعيش طويلًا دون أن يذكّره أحد بأن لهذه القوة ثمنًا ومسؤولية.
وفي النهاية، قد لا تكون العدالة هي ما يمنع الانحراف دائمًا، بل إمكانية وقوعها. فحين يعرف الإنسان أن لا أحد فوق المساءلة، تبقى بوصلته أقرب إلى الاتزان ..حتى على ارتفاع شاهق.
بي دي ان |
05 فبراير 2026 الساعة 05:52م
منذ سنوات، يحاول علماء النفس فهم سؤال قديم بقدر التاريخ: هل تفسد السلطة أصحابها، أم أنها تكشف ما كان مخفيًا فيهم؟ الجواب الذي تميل إليه الأبحاث اليوم أكثر إزعاجًا مما نتخيل السلطة لا تفعل هذا أو ذاك فقط، بل تعيد برمجة طريقة تفكير الإنسان.
حين يمتلك الفرد قدرة استثنائية على التأثير، يبدأ دماغه تدريجيًا في التعامل مع الواقع بطريقة مختلفة. تتراجع حساسيته للرفض، لأنه نادر الحدوث. ويضعف انتباهه لمشاعر الآخرين، لأن موقعه المرتفع يقلل احتكاكه الحقيقي بهم. ومع الوقت، قد يتسلل إليه شعور غير واعٍ بأن القواعد وُجدت لتنظيم حياة الآخرين، لا حياته.
بعض الدراسات النفسية لاحظت أن أصحاب النفوذ يميلون دون قصد دائمًا إلى مقاطعة الآخرين أكثر، والاستماع أقل، واتخاذ قرارات أسرع بثقة أعلى، حتى عندما لا تكون المعلومات كافية. ليست المسألة غرورًا بالضرورة، بل نتيجة بيئة تعزز الإحساس بالصواب.
السلطة، بهذا المعنى، تشبه الارتفاع الشاهق. كلما صعد الإنسان أعلى، صغرَت التفاصيل في عينيه. المشكلة أن هذه “التفاصيل” غالبًا ما تكون بشرًا.
لكن التحول الأخطر لا يحدث في السلوك الظاهر، بل في الإحساس الداخلي بالاستثناء. فمع تكرار النجاة من العواقب، يتشكل ما يسميه بعض الباحثين وهم الحصانة ، اعتقاد صامت بأن الخطأ ممكن… لكن العقاب مستبعد. لا يتخذ هذا الوهم شكل فكرة واضحة، بل شعورًا خفيًا بالاطمئنان المفرط.
ومن هنا يبدأ الانزلاق الحقيقي. ليس عبر قرارات صادمة فجأة، بل عبر خطوات صغيرة لا يوقفها أحد. فكل تجاوز يمر بلا مساءلة يعيد رسم حدود الممكن، حتى تصبح أفعال كان صاحبها يستنكرها يومًا جزءًا من واقعه الجديد.
المفارقة أن القمة مكان شديد العزلة. يحيط بصاحب السلطة كثيرون، لكن قليلين يجرؤون على معارضته بصدق. ومع تلاشي الأصوات التي تقول لا ، يفقد الإنسان مرآته النفسية تلك التي نكتشف عبرها متى نبتعد عن ذواتنا.
لهذا السبب، لا يرى كثير ممن أساءوا استخدام سلطتهم أنفسهم كأشخاص فاسدين. في روايتهم الداخلية، هم فقط يفعلون ما اعتادوا أن يُسمح لهم بفعله. فالدماغ بارع في التكيف، حتى مع أكثر التحولات خطورة.
ومع ذلك، سيكون من المريح لكنه خاطئ أن نختزل المشكلة في شخصيات سيئة . فالتاريخ يكرر درسًا واضحًا: الخلل لا يكمن في الأفراد وحدهم، بل في البيئات التي ترفع المساءلة عنهم. حين تغيب الحدود، لا يحتاج الإنسان إلى نية شريرة كي يبتعد؛ يكفي ألا يجد من يوقفه.
لهذا، فإن المجتمعات لا تُختبر أخلاقيًا عندما يخطئ الضعفاء، بل عندما يقترب الأقوياء من الخط الأحمر. هناك فقط يظهر إن كان النظام قادرًا على التذكير بأن القوة امتياز مشروط، لا حصانة دائمة.
ربما لهذا يخيفنا هذا الموضوع أكثر مما نعترف. لأنه لا يتحدث عن “هم” فقط، بل عن قابلية بشرية عامة: معظم الناس يعتقدون أنهم سيبقون كما هم لو امتلكوا سلطة هائلة… لكن علم النفس يقترح غير ذلك بهدوء.
فالسلطة لا تطلب الإذن كي تغيّر صاحبها. إنها تفعل ذلك تدريجيًا، وبهدوء يكفي كي يبدو التحول طبيعيًا.
السؤال الذي يجب أن يقلقنا ليس لماذا يتغير بعض من يصلون إلى القمة، بل كيف نبني أنظمة تضمن ألا يصبح أي إنسان مهما علا بعيدًا عن التذكير بحدوده.
لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يمتلك شخص قوة كبيرة.
بل عندما يعيش طويلًا دون أن يذكّره أحد بأن لهذه القوة ثمنًا ومسؤولية.
وفي النهاية، قد لا تكون العدالة هي ما يمنع الانحراف دائمًا، بل إمكانية وقوعها. فحين يعرف الإنسان أن لا أحد فوق المساءلة، تبقى بوصلته أقرب إلى الاتزان ..حتى على ارتفاع شاهق.