الممكن السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع

بي دي ان |

26 يوليو 2026 الساعة 02:05م

الكاتب
الإسلام السياسي والتأطير الديني للصراع
لجأت الحركات الأيديولوجية المنضوية تحت مظلة الإسلام السياسي، بشقيها السني والشيعي إلى توظيف قاعدة «الحلال والحرام» في إدارة العلاقة مع إسرائيل، بوصفها أداة مركزية في التعبئة السياسية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. وتحت شعارات مثل "الأرض وقف إسلامي" و"الجهاد فرض عين" و"الشيطان الأكبر"، جرى تحويل صراع سياسي-وطني معقّد يتعلق بالاحتلال والحدود والحقوق التاريخية، إلى إطار ديني مطلق، يُقدَّم فيه الخلاف السياسي باعتباره امتدادًا لصراع عقدي، ويُعاد فيه تعريف الخصومة السياسية بوصفها خيانة دينية قبل أنْ تكون خلافًا في الرؤية أو الاستراتيجية.

إنّ هذا النمط من التأطير لا يمكن اختزاله بوصفه خطأ في التقدير السياسي، بل يمثل تحولًا بنيويًا في إدراك السياسة ذاتها. فالقضية الفلسطينية، بوصفها قضية تحرر وطني، تستمد مشروعيتها من القوانين الدولية وحق الشعوب في تقرير المصير، دون الحاجة إلى تحويلها إلى نزاع ديني مطلق. غير أنّ إدخال منطق "الحلال والحرام" على صراع سياسي مفتوح ينقل القضية من مجال الممكنات السياسية إلى مجال اليقينيات العقدية، حيث يصبح التفاوض خيانة، والتسوية تنازلًا عن أصل العقيدة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى أدْيَنة الصراع بوصفها أحد أشكال الأدلنة السياسية؛ أي العملية التي يجري فيها تحويل المجال السياسي من فضاء مفتوح لإدارة المصالح والتوازنات والتسويات الممكنة، إلى فضاء تحكمه منظومات يقينية مغلقة تُقدَّم بوصفها حقائق نهائية غير قابلة للمراجعة. وبهذا المعنى، لا تقتصر الأدلنة على المجال الديني وحده، بل تشمل مختلف أشكال تحويل الأفكار والهويات والرؤى السياسية إلى مسلمات تتجاوز النقد وتقاوم التكيّف مع الواقع.

 تحويل السياسة إلى مطلق ديني

يمكن النظر إلى الثنائية الفقهية (الحلال والحرام) في إدارة الصراع السياسي بوصفها إشكالية منهجية لسببين:
أولًا: إنّ مقاومة الاحتلال فعل سياسي وقانوني لا يحتاج إلى تبرير ديني، إذ يستند إلى منظومة القانون الدولي والمعايير الإنسانية والشرعية الوطنية. وإعادة تأطيره ضمن خطاب ديني مطلق يحد من قدرته على التفاعل مع النظام الدولي، ويحوّله من قضية سياسية قابلة للتسوية إلى مواجهة عقدية مغلقة.
ثانيًا: إنّ التجربة التاريخية الإسلامية لم تكن قائمة على رفض مطلق للتسويات، بل اتسمت بقدر من البراغماتية التي ميّزت بين الثابت العقدي والمتغير السياسي. إلا أنّ القراءة الأيديولوجية للتأريخ أعادت إنتاج هذه التجارب بوصفها نماذج جامدة منفصلة عن سياقاتها.

إشكالية القراءة الأيديولوجية للتأريخ

تظهر مفارقة لافتة حين يُستدعى صلاح الدين الأيوبي في أدبيات بعض الجماعات بوصفه نموذجًا مطلقًا للبطولة ورفض التسويات، بينما تشير الوقائع التاريخية إلى نمط أكثر تعقيدًا في إدارة الصراع. فالطريق إلى معركة حطين (1187) لم يكن مسارًا عسكريًا بحتًا، بل سبقته عملية سياسية واستراتيجية طويلة تمثلت في توحيد الجبهات الإسلامية، وبناء التحالفات، وإدارة موازين القوى، إلى جانب جولات من القتال المحدود والضغط التدريجي على الخصوم. ولم تكن حطين نقطة بداية الصراع، بل ثمرة مسار تراكمي جمع بين القوة العسكرية والحركة السياسية.
وقد أفضى هذا المسار إلى انتصار حطين واستعادة القدس، 
إلا أنّ إدارة الصراع لم تتوقف عند لحظة النصر. 

فالتطورات العسكرية اللاحقة، وفي مقدمتها معركة أرسوف (1191)، وما أعقبها من تغير في موازين القوى، انتهت إلى صلح الرملة (1192)، الذي نص على ترتيبات سياسية شملت بقاء القدس تحت السيادة الإسلامية، والسماح للحجاج المسيحيين بزيارتها، مع بقاء أجزاء من الساحل تحت سيطرة الصليبيين.
غير أنّ ذلك لا يعني تخليًا عن الثوابت، بل يعكس سياسة واقعية محكومة بها؛ فلم يتخلَّ صلاح الدين عن السيادة على القدس أو عن هدف استعادتها، وإنما أدرك حدود الممكن في لحظته التاريخية، وتعامل مع موازين القوى بما يخدم المصلحة الاستراتيجية للدولة.

ولا تقتصر هذه المقاربة على تجربة صلاح الدين؛ فقد أوقف الخليفة عمر بن عبد العزيز، بعد توليه الخلافة سنة 99هـ، الحملة الإسلامية المستمرة على القسطنطينية، التي كانت قد استنزفت الدولة لسنوات دون تحقيق أهدافها. ولم يُنظر إلى قراره بوصفه تراجعًا عن مبدأ الجهاد أو تفريطًا في الثوابت، بل باعتباره تقديرًا سياسيًا لموازين القوى وكلفة الحرب وجدواها، بما يحفظ مصالح الدولة ويحقق مقاصدها.

ويكشف هذان النموذجان أنّ إدارة الصراع في التأريخ الإسلامي لم تكن قائمة على منطق الحرب الدائمة أو رفض التسويات من حيث المبدأ، بل على الموازنة بين الثوابت والواقع، وبين الأهداف والإمكانات. ومن ثم، فإنّ إسقاط قراءات أيديولوجية معاصرة على تلك الوقائع لا يؤدي إلا إلى تشويه التجربة التاريخية وتوظيفها لخدمة سرديات لاحقة، بدل فهمها في سياقها السياسي والاستراتيجي.

التفاوض كأداة تكتيكية وإشكالية الاستقرار

تُظهر الكثير من التجارب الحديثة لبعض الحركات المنضوية تحت مظلة الإسلام السياسي أنّ التفاوض غالبًا ما يُستخدم بوصفه أداة تكتيكية لإدارة المرحلة، لا إطارًا استراتيجيًا لحل الصراع. فهو يُستثمر لإعادة التموضع أو تحسين موازين القوة، أكثر مما يُستخدم لإنهاء النزاع.
وفي المقابل، نجح المشروع الإسرائيلي في توظيف الزمن سياسيًا واستراتيجيًا، من خلال تحويله إلى أداة لتثبيت الوقائع على الأرض، سواء عبر الاستيطان أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. بينما بقي الفاعل الفلسطيني، في حالات كثيرة، محصورًا بين خطاب التحرير الشامل دون أدواته، أو مفاوضات بلا نتائج حاسمة.
وهكذا تتشكل حالة "الاستقرار المستحيل"، حيث لا يحقق أي طرف حسمًا نهائيًا، لكنّ الجميع يواصل إنتاج شروط استمرار الصراع.

 استثمار الزمن بين الأطراف
تتجلى إحدى أبرز المفارقات في تفاوت استثمار الزمن بين الأطراف؛ إذ استخدم المشروع الإسرائيلي الزمن بوصفه أداة تراكمية لإنتاج الوقائع، بينما وظفته بعض حركات الإسلام السياسي أساسًا في إعادة إنتاج الخطاب والتعبئة، دون تحويله دائمًا إلى مشروع سياسي مكتمل.
هذا التفاوت البنيوي هو أحد العوامل التي ساهمت في إعادة تشكيل ميزان الصراع، دون أنْ يعني ذلك تبرير السياسات القائمة، بل تفسير آليات اشتغالها.


مآلات الاستراتيجية الدينية: كلفة بشرية وسياسية ممتدة

تُظهر التطورات الممتدة بين عامي 2023 و2026 أنْ تصاعد منطق أدْيَنة الصراع، في سياق الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، إلى جانب النزعة الوجودية الغالبة في الخطاب الإسرائيلي، أسهم في إنتاج دوائر عنف عالية الكلفة.
في غزة، أدت المواجهات إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتآكل شروط الحياة، مما فتح الطريق أمام أنسنة القضية الفلسطينية، وخروجها عن مسارها السياسي. وفي لبنان، أدى انخراط حزب الله في المواجهة إلى خسائر بشرية ونزوح وتآكل الاستقرار الداخلي. وفي إيران، أسهمت استراتيجية "محور المقاومة" في استنزاف سياسي واقتصادي وأمني متزايد.
وفي المقابل، لم تكن إسرائيل خارج منطق الأدلنة، 
 إذ تعمل ضمن بيئة دولية تمنحها مظلة دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي واسعة، ما يعزز قدرتها على تحويل أخطاء الأطراف الأخرى إلى مكاسب استراتيجية، ويُسهم في تعميق العزلة الدولية وتزايد الكلفة السياسية للصراع دون الوصول إلى تسوية مستقرة.

فكما أنّ تحويل الصراع إلى مواجهة دينية مطلقة لدى بعض التيارات الإسلامية أسهم في إغلاق مساحات المناورة السياسية، فإن حضور تيارات قومية ودينية متطرفة داخل إسرائيل، التي تنظر إلى الصراع من منظور تاريخي-عقائدي يتجاوز الحسابات السياسية، أسهم بدوره في إضعاف فرص التسويات، وإعادة إنتاج منطق الصراع الوجودي على حساب الحلول السياسية الواقعية."

تشير هذه المعطيات إلى أنّ التصعيد الأيديولوجي–الديني، سواء في خطاب بعض الحركات الإسلامية أو في الخطابات الوجودية الغالبة داخل إسرائيل، مقابل الردود العسكرية المكثفة، لا ينتج حسمًا تاريخيًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا، ويحوّل الصراع من مسار سياسي قابل للإدارة إلى دائرة استنزاف مفتوحة."

ديناميات التقاطع الموضوعي بين الأطراف
يتقاطع تصاعد الخطاب الديني في بعض حركات الإسلام السياسي مع صعود تيارات إسرائيلية أكثر تطرفًا، تميل بدورها إلى تأطير الصراع بوصفه مواجهة وجودية.
كلما ازداد منطق اليقين المطلق لدى طرف، تعزز الخطاب المماثل لدى الطرف الآخر، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج متبادل لشرعية التطرف، وإضعاف إمكانيات الحلول السياسية.
وقد ساهم ذلك تعثر المشروع الوطني الفلسطيني، بفعل الانقسام الداخلي والعوامل البنيوية والخارجية، الأمر الذي فتح المجال أمام صعود الخطاب الديني بوصفه بديلًا، مما عمّق حلقة الاستنزاف السياسي.

  نحو أخْلَقة السياسة لا أدلنتها

في ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ الإشكالية المركزية لا تتمثل في حضور الدِّين في المجال العام أو في توظيف القيم الدينية والأخلاقية في سياق الصراع السياسي، بل في التحول الذي يطرأ حين يُعاد تشكيل الدِّين في صورة أيديولوجيا سياسية مغلقة تدّعي احتكار الحقيقة النهائية، وتعيد تشكيل فهم الدِّين بما يخدم مشروع السلطة، وتُخضع المجال السياسي لمنطق اليقينيات المطلقة، وتختزل السياسة في ثنائيات مفاهيمية حادة، بدلًا من منطق المراجعة وإدارة التعقيد.

ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تعريف بنية الصراع السياسي، بحيث يُعاد تأطير الخلافات بوصفها خلافات عقدية، بما يترتب عليه تضييق إمكانات التسوية، وإعادة إنتاج ثنائية حادة بين "الشرعية" و"الخيانة"، وهو ما يحدّ من قدرة الفاعلين السياسيين على التعامل مع التعدد وتباين المصالح ضمن إطار تفاوضي مرن.

وعليه، فإنّ تجاوز هذه الإشكالية لا يستلزم استبعاد المرجعيات القيمية أو الأخلاقية من المجال العام، بقدر ما يتطلب أخْلَقة السياسة بدل أدلنتها؛ أي جعل القيم الدينية مصدر إلهام أخلاقي للعدالة، وليس سقفًا جامدًا يُعطل الواقعي والممكن. كما يتطلب التمييز التحليلي بين الثابت والمتغير، وبين المجال العقدي ومجال الاجتهاد السياسي.

في هذا السياق، تُفهم السياسة بوصفها مجالًا لإدارة الممكن، تُقوَّم فيه البدائل وفق اعتبارات الكلفة والجدوى والاستدامة، لا وفق إطلاقات معيارية نهائية، حيث تُقاس الخيارات بقدرتها على تحقيق المصالح العامة وتقليل الكلفة الإنسانية. كما تشير التجربة التاريخية والمقارنة إلى أنّ الفاعلية السياسية في البيئات المركبة ترتبط بدرجة عالية بقدرة النظم والحركات على التكيف والتفاوض وإعادة إنتاج التوازنات، أكثر من ارتباطها بالخطابات اليقينية، والتصورات الأيديولوجية ذات الطابع التعبوي، العاجزة عن إنتاج حلول قابلة للحياة.

أمّا على المستوى الوطني الفلسطيني، فإنّ أي مقاربة جادة لهذا الصراع لا يمكن أنْ تكتفي بإعادة إنتاج الخطابات أو إدارة التوازنات السياسية، بل ينبغي أنْ تستعيد الإنسان الفلسطيني بوصفه جوهر القضية؛ صاحب الحق في الحياة والأمن والكرامة، قبل أنْ يكون مادة للشعارات أو رهينة للمشاريع الفصائلية والحسابات الجيوسياسية.

كما لا يمكن تصور مخرج حقيقي من الأزمة من دون استعادة منظمة التحرير كإطار تمثيلي وطني موحّد، يُنهي الانقسام ويُعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية الجامعة، ويُخرج القضية من عباءة الفصائلية إلى أفق الدولة، مهما بلغت الكلفة السياسية لذلك. فالاستمرار في غياب المركزية الوطنية لا يعني سوى إطالة أمد الأزمة وخدمة المشروع الاستعماري، بصرف النظر عن القصدية، والإبقاء على الفلسطينيين في حالة الاستقرار المستحيل، وفي دائرة استنزافٍ مفتوح يدفعون ثمنها مضاعفًا: استيطانًا يتسع، ومقاومةً تُفرَّغ من مضمونها، وسلامًا يتبدد.