كرة اللهب المتدحرجة هل يقف الشرق الأوسط على أعتاب تحول تاريخي جديد؟ قراءة استشرافية في ضوء حركة التاريخ

بي دي ان |

25 يوليو 2026 الساعة 11:54م

الكاتب
ليس من وظيفة المؤرخ أن يقف على أطلال الأحداث بعد وقوعها ليعيد سردها، فهذه مهمة كاتب الوقائع والمؤرخ الوصفي. أما المؤرخ الباحث في حركة التاريخ، فإن مسؤوليته تتجاوز ذلك إلى محاولة قراءة الاتجاهات الكبرى، واستشراف المسارات المحتملة، والتنبيه إلى المخاطر قبل أن تتحول إلى حقائق لا يمكن تغييرها.

ولذلك فإن ما أطرحه هنا ليس نبوءة، ولا ادعاءً بمعرفة الغيب، وإنما هو قراءة تاريخية تستند إلى قاعدة عرفها المؤرخون منذ القدم، وهي أن الأحداث الكبرى لا تولد فجأة، وإنما تسبقها مقدمات، وتتشكل عبر تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، حتى تبلغ لحظة الانفجار.

واليوم، ونحن نتابع التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، لا تبدو المنطقة وكأنها تعيش أزمة عسكرية عابرة، بل تبدو وكأنها تقف أمام **منحنى تاريخي صاعد**، يشبه كرة من اللهب تتدحرج على منحدر شديد الانحدار، تكبر مع كل متر تقطعه، ويزداد اشتعالها مع كل أزمة جديدة تُضاف إليها.

إن أخطر ما يميز هذه المرحلة أن مسار الأحداث يسير في اتجاه واحد تقريبًا؛ اتجاه التصعيد.

فالولايات المتحدة لا تستطيع بسهولة أن تتراجع بصورة تُفسَّر على أنها هزيمة، لأن مكانتها العالمية، وهيبة الردع التي بنتها منذ نهاية الحرب الباردة، وشبكة مصالحها الواسعة في الخليج والشرق الأوسط، كلها تجعل أي تراجع غير محسوب مكلفًا على صورتها الدولية.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى الصراع مع إيران باعتباره قضية تتعلق بأمنها الاستراتيجي، وترى أن السماح لطهران بتطوير قدراتها العسكرية أو تعزيز نفوذها الإقليمي يمثل تحولًا قد يغيّر ميزان القوى الذي اعتادت العمل في ظله لعقود طويلة.

أما إيران، فهي بدورها تعتبر أن هذه المواجهة ليست مجرد خلاف سياسي مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل معركة تتعلق باستقلال قرارها، ومكانتها الإقليمية، وصورتها أمام حلفائها وخصومها على السواء. ولذلك فإنها هي الأخرى لا ترى في التراجع خيارًا يسيرًا.

وهنا تتشكل أخطر معادلات التاريخ؛ عندما تصبح كلفة التراجع في نظر كل طرف أعلى من كلفة الاستمرار في التصعيد.

لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في هذه الأطراف الثلاثة وحدها، بل في البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها.

فغزة ما زالت تعيش واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخها الحديث، والضفة الغربية تشهد تصاعدًا غير مسبوق في التوتر والعنف، والجبهة اللبنانية لم تصل إلى استقرار دائم، فيما يعيش الشرق الأوسط بأسره حالة من القلق والترقب، وسط شعور متزايد بأن النظام الإقليمي الذي عرفناه طوال العقود الماضية لم يعد قادرًا على احتواء الأزمات أو منع انتشارها.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتوسع الحرب؟

بل أصبح: إلى أي مدى يمكن للمنطقة أن تتحمل استمرار هذا المسار التصاعدي دون أن تصل إلى نقطة تحول كبرى؟

إن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنفجر فقط بسبب الصواريخ والطائرات، وإنما بسبب تراكم المظالم، وانسداد الأفق السياسي، وفقدان الثقة، وتراجع شرعية النظم، واتساع الفجوة بين الشعوب وصناع القرار.

ولعل ما شهدته المنطقة منذ اندلاع الحرب على غزة يمثل نموذجًا واضحًا لذلك؛ فقد أعادت هذه الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم الفجوة بين المزاج الشعبي العربي وبين السياسات الرسمية في عدد من دول المنطقة.

وهنا يبرز عامل قد يبدو اليوم هادئًا، لكنه قد يصبح في المستقبل أحد أهم عوامل التغيير، وهو **العامل الداخلي العربي. 

فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من الجبهات العسكرية، بل قد تبدأ من الداخل، عندما تتقاطع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع الشعور العام بفقدان العدالة أو الكرامة أو الأمل.

ولا يستطيع أحد أن يجزم إن كان هذا العامل سيتحول إلى قوة تغيير في المستقبل القريب أو البعيد، لكنه يبقى أحد المتغيرات التي ينبغي عدم إغفالها عند قراءة المشهد الإقليمي.

إنني لا أقول إن الشرق الأوسط مقبل حتمًا على حرب عالمية، كما لا أزعم أن دولة بعينها ستنهار أو أن نظامًا سياسيًا سيزول في تاريخ محدد.

لكنني أقول إن المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية، وإن استمرار السياسات الحالية، واستمرار الحرب، واستمرار غياب الحلول العادلة، قد يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن كل ما عرفناه منذ عقود.

وقد يكون التغيير المقبل عسكريًا، وقد يكون سياسيًا، وقد يكون اقتصاديًا، وربما يكون مزيجًا من ذلك كله.

والدرس الذي تعلمناه من التاريخ أن التحولات الكبرى لا يعلن أحد موعدها، لكنها عندما تقع يكتشف الجميع أن مقدماتها كانت واضحة، وأن المؤشرات كانت تتراكم أمام أعينهم، غير أنهم لم يحسنوا قراءتها.

إن المؤرخ لا يملك أن يمنع وقوع الأحداث، لكنه يملك أن يقرأ اتجاهها، وأن يدق ناقوس الخطر عندما يرى كرة اللهب تتدحرج نحو الوادي.

وإذا كان المستقبل سيحكم على صحة هذه القراءة أو خطئها، فإن مسؤوليتي كمؤرخ تقتضي أن أسجل ما أراه اليوم، لا بعد أن يصبح جزءًا من كتب التاريخ.

فربما يكون ما نشهده الآن مجرد أزمة عابرة تنتهي بتسوية سياسية، وربما يكون بداية مرحلة جديدة يعاد فيها رسم توازنات الشرق الأوسط، لكن المؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت، وأن ما بعد هذه الحرب لن يكون ـ على الأرجح ـ كما قبلها.

• أستاذ التاريخ بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين