عشرون عاماً على الصندوق المغلق
بي دي ان |
20 يوليو 2026 الساعة
02:32م
الكاتب
في 25 يناير/كانون الثاني 2006، وقف الفلسطيني في الطابور. حمل هويته، وغمس إصبعه بالحبر البنفسجي، ثم أدلى بصوته.
ومنذ ذلك اليوم... لم يصوّت مرة أخرى.
عشرون عاماً مضت. عقدان كاملان. جيل وُلد وكبر وتعلّم وتخرّج وتزوّج، وربما أصبح أباً لأطفال، دون أن يعرف معنى أن يقف أمام صندوق الاقتراع ليختار من يمثله أو يحاسبه.
لم يكن غياب الانتخابات مجرد تأجيل لاستحقاق سياسي، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى حالة عامة أثّرت في بنية النظام السياسي الفلسطيني وفي علاقة المواطن بمؤسساته.
فالمجلس التشريعي الذي حُدّدت ولايته القانونية بأربع سنوات، بلغ اليوم عامه العشرين، بينما بقيت آليات الرقابة والمساءلة أسيرة ظروف استثنائية تحوّلت إلى واقع دائم.
تخيّل شركة تعمل عشرين عاماً بلا مجلس إدارة منتخب. تخيّل مدرسة بلا إدارة تتجدد أو تُحاسب. تخيّل بيتاً بلا سقف يحمي توازنه. هكذا يبدو المشهد الفلسطيني اليوم: سلطة بلا رقابة برلمانية فاعلة، وقرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ومواطن يزداد شعوره بالابتعاد عن مركز التأثير في الشأن العام.
والنتيجة لم تقتصر على تعطّل المؤسسات، بل امتدت إلى الوعي الوطني نفسه. فقد نشأ جيل كامل بعيداً عن الممارسة الديمقراطية، يسمع عن الانتخابات أكثر مما يعيشها، ويقرأ عن التداول السلمي للسلطة أكثر مما يراه واقعاً. أكثر من مليون شاب وشابة بلغوا سن الاقتراع بعد عام 2006 دون أن تتاح لهم فرصة المشاركة في انتخابات عامة واحدة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً على مستوى الثقة والانتماء والمشاركة السياسية.
وعندما يغيب الأمل في التغيير، تتراجع الثقة. وعندما تتراجع الثقة، تتسع دائرة اللامبالاة والإحباط. بعض الشباب يبحث عن مستقبله بعيداً، وبعضهم ينسحب من الشأن العام، وبعضهم يكتفي بالصمت بعدما فقد الإيمان بجدوى صوته.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً للانقسام السياسي، لكن الصندوق ظل دائماً أحد أهم الوسائل الحضارية لمعالجة الخلافات وتجديد الشرعيات وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته. فالديمقراطية ليست مجرد وسيلة لاختيار الفائزين، بل هي آلية وطنية لتنظيم الاختلاف ومنع تحوله إلى انقسام دائم، وجسر يربط بين المواطن وصاحب القرار.
أما المبررات التي رافقت سنوات التأجيل الطويلة، فقد فقدت كثيراً من قدرتها على الإقناع. فالحصار، على قسوته، لم يُلغِ حق الناس في الاختيار. والانقسام، على تعقيداته، لا يمكن أن يكون سبباً دائماً لتعليق إرادة الشعب. ويبقى السؤال الذي يطرحه الفلسطيني البسيط: إذا لم يكن الشعب مصدر الشرعية، فمن أين تُستمد الشرعية؟
إن الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هي عقد ثقة متجدد بين المواطن ومؤسسات الحكم، وصمام أمان يحمي النظام السياسي من الجمود والتكلس. فالمؤسسات التي لا تتجدد تضعف، والقيادات التي لا تخضع للمساءلة تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل نبض الناس وتطلعاتهم.
الأوطان لا تُبنى بالتمديد، بل بالمشاركة. ولا تُصان بإقصاء إرادة الناس، بل بالاحتكام إليها. وكرامة المواطن تبدأ عندما يشعر أن صوته مسموع، وأن رأيه مؤثر، وأن مستقبله جزء من القرار الوطني لا مجرد متلقٍ له.
عشرون عاماً كانت كافية للتجربة والخطأ، وكافية لمراجعة الحسابات، وكافية أيضاً للانتظار.
لقد آن الأوان لفتح الصندوق، لا انتصاراً لفصيل على آخر، ولا هزيمة لطرف لصالح طرف، بل انتصاراً لفلسطين نفسها، ولحق شعبها في أن يختار ويشارك ويحاسب.
حتى لا نكتب بعد سنوات قليلة:
مرّ خمسة وعشرون عاماً... وما زلنا ننتظر.
بي دي ان |
20 يوليو 2026 الساعة 02:32م
ومنذ ذلك اليوم... لم يصوّت مرة أخرى.
عشرون عاماً مضت. عقدان كاملان. جيل وُلد وكبر وتعلّم وتخرّج وتزوّج، وربما أصبح أباً لأطفال، دون أن يعرف معنى أن يقف أمام صندوق الاقتراع ليختار من يمثله أو يحاسبه.
لم يكن غياب الانتخابات مجرد تأجيل لاستحقاق سياسي، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى حالة عامة أثّرت في بنية النظام السياسي الفلسطيني وفي علاقة المواطن بمؤسساته.
فالمجلس التشريعي الذي حُدّدت ولايته القانونية بأربع سنوات، بلغ اليوم عامه العشرين، بينما بقيت آليات الرقابة والمساءلة أسيرة ظروف استثنائية تحوّلت إلى واقع دائم.
تخيّل شركة تعمل عشرين عاماً بلا مجلس إدارة منتخب. تخيّل مدرسة بلا إدارة تتجدد أو تُحاسب. تخيّل بيتاً بلا سقف يحمي توازنه. هكذا يبدو المشهد الفلسطيني اليوم: سلطة بلا رقابة برلمانية فاعلة، وقرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ومواطن يزداد شعوره بالابتعاد عن مركز التأثير في الشأن العام.
والنتيجة لم تقتصر على تعطّل المؤسسات، بل امتدت إلى الوعي الوطني نفسه. فقد نشأ جيل كامل بعيداً عن الممارسة الديمقراطية، يسمع عن الانتخابات أكثر مما يعيشها، ويقرأ عن التداول السلمي للسلطة أكثر مما يراه واقعاً. أكثر من مليون شاب وشابة بلغوا سن الاقتراع بعد عام 2006 دون أن تتاح لهم فرصة المشاركة في انتخابات عامة واحدة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً على مستوى الثقة والانتماء والمشاركة السياسية.
وعندما يغيب الأمل في التغيير، تتراجع الثقة. وعندما تتراجع الثقة، تتسع دائرة اللامبالاة والإحباط. بعض الشباب يبحث عن مستقبله بعيداً، وبعضهم ينسحب من الشأن العام، وبعضهم يكتفي بالصمت بعدما فقد الإيمان بجدوى صوته.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً للانقسام السياسي، لكن الصندوق ظل دائماً أحد أهم الوسائل الحضارية لمعالجة الخلافات وتجديد الشرعيات وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته. فالديمقراطية ليست مجرد وسيلة لاختيار الفائزين، بل هي آلية وطنية لتنظيم الاختلاف ومنع تحوله إلى انقسام دائم، وجسر يربط بين المواطن وصاحب القرار.
أما المبررات التي رافقت سنوات التأجيل الطويلة، فقد فقدت كثيراً من قدرتها على الإقناع. فالحصار، على قسوته، لم يُلغِ حق الناس في الاختيار. والانقسام، على تعقيداته، لا يمكن أن يكون سبباً دائماً لتعليق إرادة الشعب. ويبقى السؤال الذي يطرحه الفلسطيني البسيط: إذا لم يكن الشعب مصدر الشرعية، فمن أين تُستمد الشرعية؟
إن الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هي عقد ثقة متجدد بين المواطن ومؤسسات الحكم، وصمام أمان يحمي النظام السياسي من الجمود والتكلس. فالمؤسسات التي لا تتجدد تضعف، والقيادات التي لا تخضع للمساءلة تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل نبض الناس وتطلعاتهم.
الأوطان لا تُبنى بالتمديد، بل بالمشاركة. ولا تُصان بإقصاء إرادة الناس، بل بالاحتكام إليها. وكرامة المواطن تبدأ عندما يشعر أن صوته مسموع، وأن رأيه مؤثر، وأن مستقبله جزء من القرار الوطني لا مجرد متلقٍ له.
عشرون عاماً كانت كافية للتجربة والخطأ، وكافية لمراجعة الحسابات، وكافية أيضاً للانتظار.
لقد آن الأوان لفتح الصندوق، لا انتصاراً لفصيل على آخر، ولا هزيمة لطرف لصالح طرف، بل انتصاراً لفلسطين نفسها، ولحق شعبها في أن يختار ويشارك ويحاسب.
حتى لا نكتب بعد سنوات قليلة:
مرّ خمسة وعشرون عاماً... وما زلنا ننتظر.