الأونروا ليست مجرد "كرت مؤن"... إنها شريان الحياة في غزة
بي دي ان |
02 يوليو 2026 الساعة
06:33م
الكاتب
حين يُطرح الحديث عن إلغاء "كرت المؤن" أو إنهاء عمل الأونروا في قطاع غزة، يتبادر إلى الأذهان كيس طحين أو علبة حليب، وكأن القضية تتعلق بمساعدة غذائية يمكن استبدالها أو الاستغناء عنها. لكن الحقيقة أعمق وأقسى من ذلك بكثير. فالأونروا في غزة ليست مؤسسة لتوزيع المساعدات فحسب، بل هي شريان حياة يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين. وإذا انقطع هذا الشريان، فلن تتوقف المساعدات فقط، بل سينزف المجتمع بأكمله.
منذ تأسيسها، لم تكن الأونروا مجرد وكالة إغاثة، بل أصبحت جزءًا من البنية الإنسانية والاجتماعية لقطاع غزة. فهي تدير 183 مدرسة يرتادها نحو 300 ألف طالب وطالبة، لتمنح جيلاً كاملاً فرصة التعلم رغم الحصار والحروب والدمار. وفي ظل تعطل كثير من المؤسسات التعليمية، بقيت مدارسها مساحة للأمل، ومتنفسًا للأطفال الذين كبروا على أصوات القصف أكثر مما كبروا على أجراس المدارس. وإنهاء دورها لا يعني إغلاق مبانٍ تعليمية فحسب، بل إطفاء نافذة المستقبل أمام آلاف الطلبة.
ويمتد دورها إلى القطاع الصحي، حيث تشغّل 22 مركزًا صحيًا تقدم أكثر من مليون ونصف المليون زيارة طبية سنويًا، تشمل علاج الأمراض المزمنة، وتطعيم الأطفال، ورعاية الحوامل، وخدمات الصحة النفسية. وفي واقعٍ انهكته الحرب، أصبحت هذه الخدمات ضرورة للحياة، لا رفاهية يمكن تعويضها.
كما تشكل الأونروا مصدر رزق لآلاف الأسر، إذ يعمل فيها نحو 12 ألف موظف من أبناء اللاجئين الفلسطينيين، حملوا مسؤولياتهم الإنسانية في أصعب الظروف، وواصلوا أداء واجبهم تحت القصف، ودفع كثير منهم حياتهم ثمنًا لذلك. واليوم، ومع الأزمة المالية، تتعرض الوكالة لضغوط أجبرتها على إنهاء عقود مئات الموظفين وتقليص رواتب آخرين، وهو ما يعني اتساع دائرة الفقر والمعاناة في مجتمع يرزح أصلًا تحت أعباء الحرب.
ولا يقتصر دور الأونروا على التعليم والصحة والوظائف، بل يمتد إلى خدمات المياه والصرف الصحي وجمع النفايات داخل المخيمات، وهي خدمات تبدو بسيطة، لكنها تمثل خط الدفاع الأول عن الصحة العامة والكرامة الإنسانية.
فحين تتوقف هذه الخدمات، لا تتراكم النفايات فقط، بل تتراكم الأمراض والأزمات فوق مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الحصار والعدوان.
ورغم كل ما تقدمه من خدمات، تبقى الأونروا أكثر من مؤسسة إنسانية؛ فهي شاهد سياسي وقانوني على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين ما زالت قائمة، وأن المجتمع الدولي لم يفِ بعد بمسؤولياته تجاه حل عادل ودائم. ولذلك فإن إنهاء دورها قبل إنهاء قضية اللاجئين لا يعني إغلاق وكالة إغاثة، بل يمثل محاولة لطي صفحة سياسية وإنسانية لم تُكتب نهايتها بعد.
قد يبدو كرت المؤن للبعض مجرد بطاقة للحصول على الغذاء، لكنه في الحقيقة ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة متكاملة تحفظ الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالأونروا ليست كيس طحين، ولا علبة حليب، ولا وظيفة، ولا مدرسة، ولا مركزًا صحيًا فقط؛ إنها الشريان الذي ما زال يمد غزة بأسباب الصمود.
فالقرار الذي يُتخذ على طاولة السياسة قد يتحول في غزة إلى مدرسة تُغلق، ومريض يفقد دواءه، وموظف يخسر مصدر رزقه، وطفل يُحرم من حقه في التعلم. وفي غزة، لم تعد الخيمة مأوى مؤقتًا، بل أصبحت وطنًا مؤجلًا، تنتظر معه العدالة أن تستيقظ من صمتها.
بي دي ان |
02 يوليو 2026 الساعة 06:33م
منذ تأسيسها، لم تكن الأونروا مجرد وكالة إغاثة، بل أصبحت جزءًا من البنية الإنسانية والاجتماعية لقطاع غزة. فهي تدير 183 مدرسة يرتادها نحو 300 ألف طالب وطالبة، لتمنح جيلاً كاملاً فرصة التعلم رغم الحصار والحروب والدمار. وفي ظل تعطل كثير من المؤسسات التعليمية، بقيت مدارسها مساحة للأمل، ومتنفسًا للأطفال الذين كبروا على أصوات القصف أكثر مما كبروا على أجراس المدارس. وإنهاء دورها لا يعني إغلاق مبانٍ تعليمية فحسب، بل إطفاء نافذة المستقبل أمام آلاف الطلبة.
ويمتد دورها إلى القطاع الصحي، حيث تشغّل 22 مركزًا صحيًا تقدم أكثر من مليون ونصف المليون زيارة طبية سنويًا، تشمل علاج الأمراض المزمنة، وتطعيم الأطفال، ورعاية الحوامل، وخدمات الصحة النفسية. وفي واقعٍ انهكته الحرب، أصبحت هذه الخدمات ضرورة للحياة، لا رفاهية يمكن تعويضها.
كما تشكل الأونروا مصدر رزق لآلاف الأسر، إذ يعمل فيها نحو 12 ألف موظف من أبناء اللاجئين الفلسطينيين، حملوا مسؤولياتهم الإنسانية في أصعب الظروف، وواصلوا أداء واجبهم تحت القصف، ودفع كثير منهم حياتهم ثمنًا لذلك. واليوم، ومع الأزمة المالية، تتعرض الوكالة لضغوط أجبرتها على إنهاء عقود مئات الموظفين وتقليص رواتب آخرين، وهو ما يعني اتساع دائرة الفقر والمعاناة في مجتمع يرزح أصلًا تحت أعباء الحرب.
ولا يقتصر دور الأونروا على التعليم والصحة والوظائف، بل يمتد إلى خدمات المياه والصرف الصحي وجمع النفايات داخل المخيمات، وهي خدمات تبدو بسيطة، لكنها تمثل خط الدفاع الأول عن الصحة العامة والكرامة الإنسانية.
فحين تتوقف هذه الخدمات، لا تتراكم النفايات فقط، بل تتراكم الأمراض والأزمات فوق مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الحصار والعدوان.
ورغم كل ما تقدمه من خدمات، تبقى الأونروا أكثر من مؤسسة إنسانية؛ فهي شاهد سياسي وقانوني على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين ما زالت قائمة، وأن المجتمع الدولي لم يفِ بعد بمسؤولياته تجاه حل عادل ودائم. ولذلك فإن إنهاء دورها قبل إنهاء قضية اللاجئين لا يعني إغلاق وكالة إغاثة، بل يمثل محاولة لطي صفحة سياسية وإنسانية لم تُكتب نهايتها بعد.
قد يبدو كرت المؤن للبعض مجرد بطاقة للحصول على الغذاء، لكنه في الحقيقة ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة متكاملة تحفظ الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالأونروا ليست كيس طحين، ولا علبة حليب، ولا وظيفة، ولا مدرسة، ولا مركزًا صحيًا فقط؛ إنها الشريان الذي ما زال يمد غزة بأسباب الصمود.
فالقرار الذي يُتخذ على طاولة السياسة قد يتحول في غزة إلى مدرسة تُغلق، ومريض يفقد دواءه، وموظف يخسر مصدر رزقه، وطفل يُحرم من حقه في التعلم. وفي غزة، لم تعد الخيمة مأوى مؤقتًا، بل أصبحت وطنًا مؤجلًا، تنتظر معه العدالة أن تستيقظ من صمتها.