العراق في قلب العاصفة: حين يصبح الصراع الأمريكي الإيراني كارثة عراقية
بي دي ان |
02 يوليو 2026 الساعة
05:31م
الكاتب
العراق لا يختار، بل يدفع الثمن. وكلما اشتدت الأزمة بين واشنطن وطهران، يتحول هذا البلد المثقل بالأزمات إلى أرض لحرب بالوكالة وساحة لصراع استراتيجي يفرغ خزينته ويفتت وحدته ويهجّر أبناءه، في كل مرة يتصاعد التوتر بين القوتين العظمتين، يستيقظ العراقي على مأساة جديدة، لا لأنه طلبها أو سعى إليها، بل لأن جغرافيته وموقعه وتاريخه قضوا عليه بهذا المصير.
الموقع الملعون: لماذا العراق على خط النار دائماً؟
العراق يقع في نقطة التقاطع الجغرافي والجيوسياسي بين النفوذين الأمريكي والإيراني، وهذا ليس مجرد تعبير أكاديمي بل واقع قاسٍ ملموس، الحدود الشرقية العراقية مع إيران تمتد لحوالي ألف وأربعمائة وثمانية وخمسين كيلومتراً، وهذا لا يعني فقط أن إيران قريبة من العراق، بل أن أي نشاط عسكري إيراني قريب جداً من الأراضي العراقية ويؤثر مباشرة على الأمن الحدودي والداخلي.
على الأراضي العراقية نفسها، توجد قوات عسكرية أمريكية يقدر عددها بحوالي ألفين وخمسمائة إلى ثلاثة آلاف جندي موزعين في معسكرات متعددة، وهذا الوجود العسكري الأمريكي المباشر يجعل العراق نقطة استهداف محتملة للرد الإيراني في حالة أي تصعيد حقيقي، هذا ليس افتراضياً نظري بل حدث بالفعل في يناير من سنة عشرين بعد الألف، عندما استهدفت إيران قاعدة عين الأسد بقذائف باليستية في رد مباشر على اغتيال قاسم سليماني، الهجوم لم يكن تحذيراً خاوياً بل كان حقيقياً، أسفر عن إصابة عدة جنود أمريكيين وتسبب في أضرار مادية كبيرة جعلت البنية التحتية للقاعدة تهتز.
الميليشيات: الجيش الظاهر والحكومة الاسمية
لكن المشكلة تتجاوز وجود الجنود الأمريكيين ، هناك قوة أخرى على الأرض العراقية، قوة مختلفة تماماً، تنظر إلى نفسها كجزء من النظام الدفاعي الإيراني الممتد، الفصائل المسلحة الموالية لإيران، تلك التي تحمل أسماء مثل حزب الله، وحركة النجباء ، وكتائب الإمام علي، والحشد الشعبي بفروعه المختلفة، تملك قوة نارية حقيقية وقدرات تنظيمية صلبة، يقدر عددها بحوالي مائة وخمسين ألف مقاتل بشكل إجمالي، وهذه ليست أرقام هامشية بل قوة عسكرية فعلية لا يمكن تجاهلها.
عندما يتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، هذه الفصائل ترى في الوضع فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها المحلي، تزداد العمليات ضد المصالح الأمريكية والعراقية على السواء، الهجمات على القوافل اللوجستية الأمريكية تتكرر، والهجمات على المنشآت الحساسة تتواتر، والمحاولات لإضعاف سيطرة الحكومة المركزية تصبح أكثر صراحة وجرأة، في المقابل، الولايات المتحدة تشن عمليات انتقامية قاسية: غارات جوية على مواقع الميليشيات، عمليات اغتيال موجهة باستخدام الطائرات بدون طيار، هذا يخلق دورة من العنف قد تستمر أسابيع أو شهوراً متتالية، وتؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات لا تُحصى.
الانقسام السياسي: حين تصبح الحكومة عاجزة
التصعيد الخارجي لا يجلب السلاح والدماء فقط، يجلب معه انقسامات داخلية حادة تمزق نسيج الدولة. الفصائل الشيعية الموالية لإيران، وخاصة تلك التي لها تمثيل برلماني قوي مثل حزب الفتح الذي حصل على حوالي سبعة عشر مقعداً برلمانياً في آخر انتخابات، تستخدم الضغط الخارجي كذريعة مباشرة لتعزيز موقعها ونفوذها السياسي. هذا الاستخدام المتعمد للأزمة الخارجية يشجع التيارات السياسية الأخرى على التحشد في المقابل، التيارات السنية والقوى العلمانية والكتل الكردية، حتى الشيعة المستقلون مثل التيار الصدري، ترى نفسها مهددة من هذا التمدد الشيعي الموالي لإيران، فتتجمهر في المقابل لموازنة القوى.
تحدث انقسامات حادة في مجلس النواب العراقي، الحكومة المركزية تصبح ضعيفة وغير قادرة على فرض سلطتها أو حتى على البقاء. الحكومة العراقية تملك حوالي ثمانين إلى مائة ألف جندي نخبة في فرقة حماية بغداد والقوات الخاصة، لكن الحشد الشعبي، الذي يتبع الدولة فنياً لكنه مستقل فعلياً، يملك قوة عسكرية أكبر وقدرة على الحركة السريعة والتنسيق. الشرطة العراقية ضعيفة وتفتقر التدريب والتجهيزات، والجيش العراقي، رغم التحسنات التي حدثت بعد هزيمة داعش في سنة سبعة عشر بعد الألف، لا يزال يعاني من مشاكل تدريب وانضباط وإمدادات لوجستية.
عندما تحدث موجة عنف وتصعيد، الحكومة المركزية تثبت أنها عاجزة تماماً عن فرض الأمن، المناطق السنية تشعر بأن الحكومة الشيعية لا تحميها من الهجمات، فتتجه نحو الفصائل السنية المسلحة أو تشهد عودة خطيرة لنشاط داعش. المناطق الشيعية تصبح حقل معركة بين الفصائل المختلفة على السيطرة والنفوذ المحلي، المناطق الكردية تستقل أكثر وأكثر عن المركز.
الكارثة الاقتصادية: من الملايين إلى الفراغ
لكن الدماء والسياسة ليست كل القصة، هناك كارثة اقتصادية تتطور بموازاة الكارثة الأمنية والسياسية، الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العراق انخفضت بشكل مرعب من حوالي أربعة مليارات وثمانمائة مليون دولار سنوياً في سنة اثني عشر بعد الألف إلى حوالي مليار إلى ملياري دولار فقط حالياً، أي تصعيد جديد يزيد من حالة عدم اليقين ويبعد المستثمرين بعيداً عن العراق.
الشركات الأجنبية التي تعمل في القطاع الخاص العراقي، سواء كانت فنادق أو بنوك أو شركات تجارية، تصرف الموظفين بسرعة وتقلل عملياتها بشكل حاد. هذا يؤدي مباشرة إلى ارتفاع معدلات البطالة، العراق يعاني أصلاً من معدل بطالة حوالي اثني عشر إلى خمسة عشر بالمائة، لكن أي تصعيد حقيقي يرفعه إلى ثمانية عشر إلى عشرين بالمائة على الأقل، خاصة بين الشباب العراقي الذي يمثل نسبة كبيرة من السكان.
السياحة الداخلية والخارجية تتأثر بشكل مباشر وحاد، العراق كان يشهد نهوضاً سياحياً محدوداً لكن حقيقياً قبل سنوات، الزيارات الدينية للمدن المقدسة مثل النجف وكربلاء تأتي بمليارات الدولارات سنوياً، وأي تصعيد وحالة عدم أمان تقلل هذه الزيارات بشكل حاد. في سنة تسعة عشر بعد الألف، شهدت كربلاء وحدها حوالي ثلاثين مليون زائر، لكن في فترات التصعيد والأزمات تنخفض الأرقام بشكل كارثي إلى خمسة عشر أو عشرين مليون زائر فقط.
الموازنة المصابة بالشلل: موقوفة على النفط والرواتب
من الناحية المالية، الموازنة الحكومية العراقية معتمدة بنسبة تسعين بالمائة على إيرادات النفط والغاز، أي تصعيد يؤثر على أسعار النفط بطريقة معقدة، إذا تم استهداف المنشآت النفطية وقلت الإمدادات، قد ترتفع الأسعار قصيراً، لكن إذا خاف المستثمرون من حرب قادمة وتوقعوا انخفاض الطلب، فإن الأسعار تنهار طويلاً. هذا يؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والعسكريين.
في العراق، حوالي ستين بالمائة من الموازنة العامة تذهب لرواتب الموظفين والعسكريين، نحن نتحدث عن خمسة ملايين موظف وعسكري يعتمدون على هذه الرواتب للعيش، أي تأخير في دفع الرواتب يسبب ضغوطاً اجتماعية هائلة، العسكريون يهددون بالعصيان، الموظفون ينظمون إضرابات، الشارع ينفجر بالاحتجاجات، التصعيد الخارجي يصبح بسرعة أزمة داخلية تفجر الشارع نفسه.
الهجرة: رحيل العقول والمستقبل
على المستوى الاجتماعي، التصعيد يزيد من موجات الهجرة بشكل مباشر، العراقيون، خاصة الشباب المتعلم والطبقة المتوسطة التي تملك الموارد والإمكانيات، يفرون من الوضع، إحصائيات الهجرة العراقية تظهر أن حوالي خمسة إلى ستة ملايين عراقي يعيشون خارج العراق في دول مثل الأردن وسوريا ولبنان وتركيا وأوروبا وأمريكا، هذا يمثل حوالي خمسة عشر بالمائة من السكان الكليين للعراق، أي تصعيد جديد يزيد من هذا الرقم بشكل مقلق.
هذا الرحيل المستمر والمتكرر معناه خروج رأس المال البشري من البلد، الكفاءات الطبية تذهب، المهندسون ينتقلون، المعلمون يهاجرون، رجال الأعمال يسحبون أموالهم، المؤسسات تضعف والبنية التحتية للدولة تتهرأ في كل أزمة، يخسر العراق جزءاً من أفضل ما لديه.
العنف والفوضى: دورة لا تنتهي
على المستوى الأمني المباشر، يحدث نمط متكرر يجب فهمه جيداً، عندما يتصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، المليشيات الموالية لإيران تشعر بأن الوقت مناسب والظروف مواتية للضغط على الحكومة العراقية والقوات الأمريكية، تحدث موجة من الهجمات الموجهة، قذائف هاون على القوات الأمريكية، عبوات ناسفة على الطرق الرئيسية، قنابل يدوية ضد الحكومات المحلية، في المقابل، الولايات المتحدة تشن عمليات انتقامية قاسية، غارات جوية على مواقع الميليشيات، عمليات اغتيال موجهة باستخدام الطائرات بدون طيار، هذا يحدث دورة من العنف قد تستمر أسابيع أو أشهر، وتؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات لا تُحصى،
في هذه الفوضى، الحكومة المركزية تثبت ضعفها الكامل، الفصائل الموالية لإيران تتحداها بشكل مباشر. جيش الحكومة ضعيف، شرطتها أضعف، عندما تحدث موجة عنف، الحكومة غير قادرة على فرض الأمن على الإطلاق، المناطق السنية تشعر بالإهمال فتتجه نحو الفصائل السنية المسلحة أو تشهد عودة خطيرة لنشاط داعش، المناطق الشيعية تصبح حقل معركة بين الفصائل المختلفة على السيطرة والنفوذ، المناطق الكردية تستقل أكثر وتزيد من مسافتها عن المركز الذي لا يستطيع حمايتها أو حتى حماية نفسه.
البعد النفسي: الخوف يغيّر كل شيء
هناك بعد نفسي واجتماعي عميق في كل هذا، عندما تحدث عمليات عنف وتصعيد على هذا المستوى، الناس العاديون يشعرون بعدم أمان حقيقي يغيّر سلوكهم، يقل الاستهلاك بشكل حاد، تقل الحركة في الشارع، المدارس قد تغلق أبوابها، الجامعات قد توقف الدراسة، في سنة عشرين بعد الألف، عندما حدثت أحداث ما بعد اغتيال سليماني والرد الإيراني، رأينا اضطرابات مدنية في بغداد والبصرة والنجف، الأمر استقطع موارد أمنية هائلة للتعامل مع الاحتجاجات والفوضى، هذا يسحب موارد حقيقية من التنمية والخدمات الأساسية، الدولة التي لا تستطيع توفير الأمن الأساسي بالتأكيد لا تستطيع توفير الخدمات والتنمية.
وتاسيسا على ما تقدم ... ارتات الولايات المتحدة الأمريكية راعية التغير السياسي في العراق ان تاتي برئيس وزراء شاب لتملي عليه ماتريد من توصيات ومنها على وجه التحديد إخراج النفوذ الإيراني تدريجيا من الساحة العراقية.
بي دي ان |
02 يوليو 2026 الساعة 05:31م
الموقع الملعون: لماذا العراق على خط النار دائماً؟
العراق يقع في نقطة التقاطع الجغرافي والجيوسياسي بين النفوذين الأمريكي والإيراني، وهذا ليس مجرد تعبير أكاديمي بل واقع قاسٍ ملموس، الحدود الشرقية العراقية مع إيران تمتد لحوالي ألف وأربعمائة وثمانية وخمسين كيلومتراً، وهذا لا يعني فقط أن إيران قريبة من العراق، بل أن أي نشاط عسكري إيراني قريب جداً من الأراضي العراقية ويؤثر مباشرة على الأمن الحدودي والداخلي.
على الأراضي العراقية نفسها، توجد قوات عسكرية أمريكية يقدر عددها بحوالي ألفين وخمسمائة إلى ثلاثة آلاف جندي موزعين في معسكرات متعددة، وهذا الوجود العسكري الأمريكي المباشر يجعل العراق نقطة استهداف محتملة للرد الإيراني في حالة أي تصعيد حقيقي، هذا ليس افتراضياً نظري بل حدث بالفعل في يناير من سنة عشرين بعد الألف، عندما استهدفت إيران قاعدة عين الأسد بقذائف باليستية في رد مباشر على اغتيال قاسم سليماني، الهجوم لم يكن تحذيراً خاوياً بل كان حقيقياً، أسفر عن إصابة عدة جنود أمريكيين وتسبب في أضرار مادية كبيرة جعلت البنية التحتية للقاعدة تهتز.
الميليشيات: الجيش الظاهر والحكومة الاسمية
لكن المشكلة تتجاوز وجود الجنود الأمريكيين ، هناك قوة أخرى على الأرض العراقية، قوة مختلفة تماماً، تنظر إلى نفسها كجزء من النظام الدفاعي الإيراني الممتد، الفصائل المسلحة الموالية لإيران، تلك التي تحمل أسماء مثل حزب الله، وحركة النجباء ، وكتائب الإمام علي، والحشد الشعبي بفروعه المختلفة، تملك قوة نارية حقيقية وقدرات تنظيمية صلبة، يقدر عددها بحوالي مائة وخمسين ألف مقاتل بشكل إجمالي، وهذه ليست أرقام هامشية بل قوة عسكرية فعلية لا يمكن تجاهلها.
عندما يتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، هذه الفصائل ترى في الوضع فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها المحلي، تزداد العمليات ضد المصالح الأمريكية والعراقية على السواء، الهجمات على القوافل اللوجستية الأمريكية تتكرر، والهجمات على المنشآت الحساسة تتواتر، والمحاولات لإضعاف سيطرة الحكومة المركزية تصبح أكثر صراحة وجرأة، في المقابل، الولايات المتحدة تشن عمليات انتقامية قاسية: غارات جوية على مواقع الميليشيات، عمليات اغتيال موجهة باستخدام الطائرات بدون طيار، هذا يخلق دورة من العنف قد تستمر أسابيع أو شهوراً متتالية، وتؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات لا تُحصى.
الانقسام السياسي: حين تصبح الحكومة عاجزة
التصعيد الخارجي لا يجلب السلاح والدماء فقط، يجلب معه انقسامات داخلية حادة تمزق نسيج الدولة. الفصائل الشيعية الموالية لإيران، وخاصة تلك التي لها تمثيل برلماني قوي مثل حزب الفتح الذي حصل على حوالي سبعة عشر مقعداً برلمانياً في آخر انتخابات، تستخدم الضغط الخارجي كذريعة مباشرة لتعزيز موقعها ونفوذها السياسي. هذا الاستخدام المتعمد للأزمة الخارجية يشجع التيارات السياسية الأخرى على التحشد في المقابل، التيارات السنية والقوى العلمانية والكتل الكردية، حتى الشيعة المستقلون مثل التيار الصدري، ترى نفسها مهددة من هذا التمدد الشيعي الموالي لإيران، فتتجمهر في المقابل لموازنة القوى.
تحدث انقسامات حادة في مجلس النواب العراقي، الحكومة المركزية تصبح ضعيفة وغير قادرة على فرض سلطتها أو حتى على البقاء. الحكومة العراقية تملك حوالي ثمانين إلى مائة ألف جندي نخبة في فرقة حماية بغداد والقوات الخاصة، لكن الحشد الشعبي، الذي يتبع الدولة فنياً لكنه مستقل فعلياً، يملك قوة عسكرية أكبر وقدرة على الحركة السريعة والتنسيق. الشرطة العراقية ضعيفة وتفتقر التدريب والتجهيزات، والجيش العراقي، رغم التحسنات التي حدثت بعد هزيمة داعش في سنة سبعة عشر بعد الألف، لا يزال يعاني من مشاكل تدريب وانضباط وإمدادات لوجستية.
عندما تحدث موجة عنف وتصعيد، الحكومة المركزية تثبت أنها عاجزة تماماً عن فرض الأمن، المناطق السنية تشعر بأن الحكومة الشيعية لا تحميها من الهجمات، فتتجه نحو الفصائل السنية المسلحة أو تشهد عودة خطيرة لنشاط داعش. المناطق الشيعية تصبح حقل معركة بين الفصائل المختلفة على السيطرة والنفوذ المحلي، المناطق الكردية تستقل أكثر وأكثر عن المركز.
الكارثة الاقتصادية: من الملايين إلى الفراغ
لكن الدماء والسياسة ليست كل القصة، هناك كارثة اقتصادية تتطور بموازاة الكارثة الأمنية والسياسية، الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العراق انخفضت بشكل مرعب من حوالي أربعة مليارات وثمانمائة مليون دولار سنوياً في سنة اثني عشر بعد الألف إلى حوالي مليار إلى ملياري دولار فقط حالياً، أي تصعيد جديد يزيد من حالة عدم اليقين ويبعد المستثمرين بعيداً عن العراق.
الشركات الأجنبية التي تعمل في القطاع الخاص العراقي، سواء كانت فنادق أو بنوك أو شركات تجارية، تصرف الموظفين بسرعة وتقلل عملياتها بشكل حاد. هذا يؤدي مباشرة إلى ارتفاع معدلات البطالة، العراق يعاني أصلاً من معدل بطالة حوالي اثني عشر إلى خمسة عشر بالمائة، لكن أي تصعيد حقيقي يرفعه إلى ثمانية عشر إلى عشرين بالمائة على الأقل، خاصة بين الشباب العراقي الذي يمثل نسبة كبيرة من السكان.
السياحة الداخلية والخارجية تتأثر بشكل مباشر وحاد، العراق كان يشهد نهوضاً سياحياً محدوداً لكن حقيقياً قبل سنوات، الزيارات الدينية للمدن المقدسة مثل النجف وكربلاء تأتي بمليارات الدولارات سنوياً، وأي تصعيد وحالة عدم أمان تقلل هذه الزيارات بشكل حاد. في سنة تسعة عشر بعد الألف، شهدت كربلاء وحدها حوالي ثلاثين مليون زائر، لكن في فترات التصعيد والأزمات تنخفض الأرقام بشكل كارثي إلى خمسة عشر أو عشرين مليون زائر فقط.
الموازنة المصابة بالشلل: موقوفة على النفط والرواتب
من الناحية المالية، الموازنة الحكومية العراقية معتمدة بنسبة تسعين بالمائة على إيرادات النفط والغاز، أي تصعيد يؤثر على أسعار النفط بطريقة معقدة، إذا تم استهداف المنشآت النفطية وقلت الإمدادات، قد ترتفع الأسعار قصيراً، لكن إذا خاف المستثمرون من حرب قادمة وتوقعوا انخفاض الطلب، فإن الأسعار تنهار طويلاً. هذا يؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والعسكريين.
في العراق، حوالي ستين بالمائة من الموازنة العامة تذهب لرواتب الموظفين والعسكريين، نحن نتحدث عن خمسة ملايين موظف وعسكري يعتمدون على هذه الرواتب للعيش، أي تأخير في دفع الرواتب يسبب ضغوطاً اجتماعية هائلة، العسكريون يهددون بالعصيان، الموظفون ينظمون إضرابات، الشارع ينفجر بالاحتجاجات، التصعيد الخارجي يصبح بسرعة أزمة داخلية تفجر الشارع نفسه.
الهجرة: رحيل العقول والمستقبل
على المستوى الاجتماعي، التصعيد يزيد من موجات الهجرة بشكل مباشر، العراقيون، خاصة الشباب المتعلم والطبقة المتوسطة التي تملك الموارد والإمكانيات، يفرون من الوضع، إحصائيات الهجرة العراقية تظهر أن حوالي خمسة إلى ستة ملايين عراقي يعيشون خارج العراق في دول مثل الأردن وسوريا ولبنان وتركيا وأوروبا وأمريكا، هذا يمثل حوالي خمسة عشر بالمائة من السكان الكليين للعراق، أي تصعيد جديد يزيد من هذا الرقم بشكل مقلق.
هذا الرحيل المستمر والمتكرر معناه خروج رأس المال البشري من البلد، الكفاءات الطبية تذهب، المهندسون ينتقلون، المعلمون يهاجرون، رجال الأعمال يسحبون أموالهم، المؤسسات تضعف والبنية التحتية للدولة تتهرأ في كل أزمة، يخسر العراق جزءاً من أفضل ما لديه.
العنف والفوضى: دورة لا تنتهي
على المستوى الأمني المباشر، يحدث نمط متكرر يجب فهمه جيداً، عندما يتصاعد التوتر الأمريكي الإيراني، المليشيات الموالية لإيران تشعر بأن الوقت مناسب والظروف مواتية للضغط على الحكومة العراقية والقوات الأمريكية، تحدث موجة من الهجمات الموجهة، قذائف هاون على القوات الأمريكية، عبوات ناسفة على الطرق الرئيسية، قنابل يدوية ضد الحكومات المحلية، في المقابل، الولايات المتحدة تشن عمليات انتقامية قاسية، غارات جوية على مواقع الميليشيات، عمليات اغتيال موجهة باستخدام الطائرات بدون طيار، هذا يحدث دورة من العنف قد تستمر أسابيع أو أشهر، وتؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات لا تُحصى،
في هذه الفوضى، الحكومة المركزية تثبت ضعفها الكامل، الفصائل الموالية لإيران تتحداها بشكل مباشر. جيش الحكومة ضعيف، شرطتها أضعف، عندما تحدث موجة عنف، الحكومة غير قادرة على فرض الأمن على الإطلاق، المناطق السنية تشعر بالإهمال فتتجه نحو الفصائل السنية المسلحة أو تشهد عودة خطيرة لنشاط داعش، المناطق الشيعية تصبح حقل معركة بين الفصائل المختلفة على السيطرة والنفوذ، المناطق الكردية تستقل أكثر وتزيد من مسافتها عن المركز الذي لا يستطيع حمايتها أو حتى حماية نفسه.
البعد النفسي: الخوف يغيّر كل شيء
هناك بعد نفسي واجتماعي عميق في كل هذا، عندما تحدث عمليات عنف وتصعيد على هذا المستوى، الناس العاديون يشعرون بعدم أمان حقيقي يغيّر سلوكهم، يقل الاستهلاك بشكل حاد، تقل الحركة في الشارع، المدارس قد تغلق أبوابها، الجامعات قد توقف الدراسة، في سنة عشرين بعد الألف، عندما حدثت أحداث ما بعد اغتيال سليماني والرد الإيراني، رأينا اضطرابات مدنية في بغداد والبصرة والنجف، الأمر استقطع موارد أمنية هائلة للتعامل مع الاحتجاجات والفوضى، هذا يسحب موارد حقيقية من التنمية والخدمات الأساسية، الدولة التي لا تستطيع توفير الأمن الأساسي بالتأكيد لا تستطيع توفير الخدمات والتنمية.
وتاسيسا على ما تقدم ... ارتات الولايات المتحدة الأمريكية راعية التغير السياسي في العراق ان تاتي برئيس وزراء شاب لتملي عليه ماتريد من توصيات ومنها على وجه التحديد إخراج النفوذ الإيراني تدريجيا من الساحة العراقية.