كلمة حق في حراك 26 يونيو ومعارضيه ...
بي دي ان |
24 يونيو 2026 الساعة
08:05ص
الكاتب
إن المجتمع حين تطحنه الحرب والجوع والخوف، لا يعود يفكر بعقل واحد، بل بعقول متصارعة، كلٌّ منها يزعم أنه العقل الوحيد.
إننا في غزة اليوم لا نعيش أزمة سياسية فحسب، بل نعيش أزمة اجتماعية ونفسية عميقة. فنحن خرجنا من حرب إبادة لا تشبه الحروب العادية؛ لقد فقدنا البيت، والابن، والأب، والطمأنينة، والمعنى. وحين نصل إلى هذه الدرجة من الإنهاك، تبدأ الأسئلة التي كانت مؤجلة بالخروج من تحت الركام: مَن أوصلنا إلى هنا؟ مَن يحكمنا؟ مَن يتكلم باسمنا؟ وهل الصمت صبر أم قهر؟ وهل الاعتراض وعي أم خيانة؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بالشعارات. فأنا شخصيا شديد النفور من منطق الوعظ، ذلك المنطق الذي يطلب من الناس أن يكونوا ملائكة وهم يعيشون في ظروف الشياطين. إن من السهل على الواعظ أو السياسي أو صاحب المنبر أن يقول للناس: اصبروا، اثبتوا، لا تعترضوا، لا ترفعوا صوتكم. لكن علم الواقع لا يسأل الناس ماذا يجب أن يقولوا، بل يسأل: لماذا صاروا يقولون ما يقولون؟
في غزة اليوم يوجد فريق يدعو إلى حراك سياسي وثورة في وجه حكم حماس، ويرى أن الناس تعبت من الحروب، ومن الفقر، ومن الخوف، ومن غياب الأفق. وهذا الفريق يرى أن استمرار الحكم كما هو يعني استمرار الدائرة نفسها: حرب، دمار، وعود، حصار، ثم حرب أخرى. وفي المقابل، هناك فريق آخر يرى أن هذا الحراك في هذا التوقيت طعنة في الظهر، وأنه يستغل الجرح المفتوح، وأنه قد يخدم العدو أو يفتح باب الفوضى فوق فوضى الحرب.
ولو نظرنا إلى الفريقين بعين نظرية الواقع ، لما اكتفينا بتصديق أحدهما وتكذيب الآخر. فكل فريق لا يتكلم من فراغ، بل من موقع اجتماعي ونفسي مختلف. الذي خرج من غزة إلى مصر أو تركيا أو بلجيكا يرى المشهد من مسافة تسمح له بالكلام، وربما تمنحه شيئًا من الأمان. والذي بقي داخل غزة تحت الخيمة والركام والقصف والجوع يرى الكلام من الخارج كلامًا سهلًا، وقد يراه ترفًا أو مزايدة. هنا يظهر ما يسمى بالتناشز الاجتماعي: أي أن اختلاف الموقع يخلق اختلافًا في الرؤية، ثم يتحول الاختلاف إلى اتهام أخلاقي.
فالمشكلة ليست فقط أن الناس منقسمون، بل أن كل طرف يظن أن تجربته الخاصة هي الحقيقة كلها. الخارج يقول: نحن نرى الصورة بوضوح . والداخل يقول: أنتم لا تشعرون بما نشعر . والمؤيد للحراك يقول: السكوت عبودية . والمعارض له يقول: الصوت الآن خيانة . وهكذا يتحول الألم الواحد إلى لغتين متعاديتين.
والأخطر من الانقسام نفسه هو التخوين. فحين يعجز المجتمع عن إنتاج حوار سياسي حر، ينتج بدلًا منه قاموسًا من الشتائم: خائن، عميل، جبان، منافق، تاجر دم، بائع وطن. وهذه الكلمات لا تُطلق عادة لأنها دقيقة، بل لأنها سهلة ومريحة. التخوين يريح صاحبه؛ لأنه يعفيه من التفكير في حجة خصمه. فإذا قلت عن خصمك إنه خائن، لم تعد مضطرًا أن تسمع وجعه أو تفهم خوفه.
نظرية الواقع ترى أن الإنسان لا يتحرك دائمًا بالعقل الخالص، بل كثيرًا ما يصنع العقلُ الحججَ بعد أن تكون العاطفة والعصبية قد اتخذت القرار. وهذا بالضبط ما نراه في مواقع التواصل: كل طرف يجمع الأدلة التي تؤيد موقفه، ويغضّ النظر عن الأدلة التي تقلقه. المؤيد للحراك لا يريد أن يرى مخاوف الناس من الفوضى والانتقام. والمعارض للحراك لا يريد أن يرى أن الناس وصلت إلى حد لم تعد تحتمل فيه الصمت. وكل طرف يتوهم أنه يتكلم باسم الشعب كله، بينما الشعب نفسه ممزق بين الخوف والغضب والجوع والانتظار.
إننا في غزة لا نحتاج إلى تقديس سلطة، ولا إلى تقديس حراك، ولا إلى تقديس صمت. فغزة أكبر من أن تُختصر في حماس، وأكبر من أن تُختصر في معارضي حماس، وأكبر من أن تُختصر في منشور على فيسبوك. المجتمع المنكوب لا يجوز أن يُطلب منه أن يختار بين كرامته الوطنية وكرامته اليومية. فمن حقه أن يرفض الاحتلال والعدوان، ومن حقه في الوقت نفسه أن يسأل عن الحكم، والفساد، والسلاح، والقرار، والمستقبل. وليس في السؤال خيانة، كما أن ليس في الخوف من الفوضى عمالة.
ولو أردنا أن نستعمل لغة الواقع ، لقلنا إن غزة تعيش ازدواجًا قاسيًا بين قيمتين: قيمة المقاومة والصمود من جهة، وقيمة الحياة الكريمة والحق في المحاسبة من جهة أخرى. وحين لا توجد مؤسسات حرة تستوعب هذا الازدواج، يتحول إلى انفجار اجتماعي. فالناس لا تستطيع أن تعيش طويلًا على البطولة وحدها، كما لا تستطيع أن تعيش بلا كرامة وطنية. الإنسان يحتاج الخبز والمعنى معًا؛ وإذا سُلب أحدهما اختلّ توازنه.
إن من الخطأ أن نقول للناس: لا تتكلموا حتى تنتهي المعركة. فقد طال زمن المعركة حتى صار عمرًا كاملًا. ومن الخطأ أيضًا أن نقول لهم: اخرجوا بلا حساب للمخاطر والنتائج. فالسياسة في مجتمع جريح ليست لعبة حماسية، بل مسؤولية ثقيلة. وكل صوت يدعو الناس إلى الشارع يجب أن يعرف أن أجساد الناس ليست مادة للبطولة الافتراضية، وأن من يعيش في الخارج ليس كمن يقف في الداخل أمام سلطة وسلاح وجوع وخيمة وعائلة مهددة.
هنا تظهر الفئة الصامتة، وهي في الحقيقة ليست دائمًا بلا رأي. الصامتون في المجتمعات المقهورة كثيرًا ما يكونون أكثر الناس رأيًا، لكنهم أقلهم قدرة على التصريح. قد يصمت الإنسان لأنه خائف، أو لأنه تعب، أو لأنه لا يثق بأحد، أو لأنه يرى الطرفين يتصارعان على اسمه دون أن يسمعاه. الصمت في غزة ليس دليل رضا بالضرورة، كما أنه ليس دليل رفض بالضرورة. إنه أحيانًا صراخ بلا صوت.
أما الفئة المحايدة، فهي ليست بالضرورة جبانة كما يظن المتحمسون. قد يكون الحياد محاولة أخيرة لحماية المجتمع من الانقسام الكامل. لكن الحياد يصبح عجزًا إذا اكتفى بمراقبة الشتائم دون أن يدافع عن حق الناس في الكلام وحقهم في الأمان معًا. المطلوب ليس حيادًا باردًا، بل عقل واقعي يقول للطرفين: اختلفوا، لكن لا تذبحوا بعضكم معنويًا؛ طالبوا، لكن لا تستسهلوا دم الناس؛ خافوا على القضية، لكن لا تجعلوا القضية سجنًا لأصحابها.
إن مأزقنا اليوم أن كل طرف يحمل نصف حقيقة ويظنها الحقيقة كلها. نعم، من حق الناس أن تحاسب السلطة التي حكمتها سنوات طويلة، وأن تسأل عن القرار والنتيجة والمستقبل. ونعم، من حق الناس أن تخاف من أن يتحول الغضب الشعبي إلى فوضى أو إلى أداة في يد أطراف لا تريد الخير لغزة. لكن النصفين لا يصنعان وطنًا إذا بقيا يتقاتلان. الوطن يحتاج إلى شجاعة السؤال وشجاعة الحذر في الوقت نفسه.
لذلك، فإن الدرس الوطني الأهم هنا هو أن لا نأخذ الشعارات على ظاهرها. فالشعار قد يكون لباسًا نبيلًا لمصلحة ضيقة، وقد يكون أيضًا تعبيرًا صادقًا عن وجع مكتوم. لا يكفي أن يقال ثورة حتى تكون ثورة، ولا يكفي أن يقال خيانة حتى يكون الناس خونة. المعيار الحقيقي هو: هل يحمي هذا الفعل كرامة الناس وحياتهم؟ هل يفتح بابًا لمؤسسات عادلة؟ هل يمنع احتكار القرار؟ هل يحافظ على وحدة المجتمع؟ هل يقلل من الألم أم يزيده؟
نحن في غزة لا ينقصنا مزيد من الأعداء؛ يكفينا ما فينا من موت وحصار وخراب. وما نحتاجه الآن هو أن يعترف أبناؤنا أن الاختلاف بينهم ليس عارًا. العار هو تحويل الاختلاف إلى تخوين. والعار هو أن يظل الإنسان يطلب من أخيه الصمت باسم الوطن، أو يطلب منه المخاطرة بلا حساب باسم الحرية.
أقسم لكم من خلال تجربتي الخاصه أقول : إن المجتمع لا ينهض بالوعظ ولا بالتخوين، بل بفهم علله. وعلة غزة اليوم ليست في فريق واحد فقط، بل في بنية كاملة: احتلال خارجي، حصار طويل، حكم داخلي مغلق، انقسام فلسطيني مزمن، فقر، حرب، إعلام منفلت، ومجتمع منهك يبحث عن معنى وسط الخراب.
ومن هنا، فإن الطريق الأصح ليس أن ينتصر فريق على فريق، بل أن ينتصر حق الناس في الحياة والكرامة والمحاسبة والحرية والأمان معًا. فمن يريد الحراك عليه أن يحترم خوف الناس في الداخل. ومن يرفض الحراك عليه أن يحترم وجع الناس وحقهم في الكلام. ومن يخوّن الطرفين لا يبني وطنًا، بل يبني مقبرة جديدة للثقة.
إننا في غزة بعد هذه الحرب لا نحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يسمع أكثر. ولا نحتاج إلى من يحتكر الوطنية، بل إلى من يحرر الوطنية من الاحتكار. فالوطن ليس ملك السلطة، ولا ملك حماس ، ولا ملك المعارضين، ولا ملك الصامتين، بل هو ملكنا جميعاً نحن الذين دفعنا ثمنه من لحمنا وبيوتنا وأبنائنا.
أما بالنسبة للحقيقة ، فلا تسكن في جيب حزب، ولا في منشور ناشط، ولا في غضب جمهور. الحقيقة ابنة الواقع، والواقع في غزة يقول إن الناس موجوعون، منقسمون، خائفون، وغاضبون. ومن لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيظل يعظ الناس من فوق الركام، بينما هم يبحثون تحته عن حياة.
بي دي ان |
24 يونيو 2026 الساعة 08:05ص
إننا في غزة اليوم لا نعيش أزمة سياسية فحسب، بل نعيش أزمة اجتماعية ونفسية عميقة. فنحن خرجنا من حرب إبادة لا تشبه الحروب العادية؛ لقد فقدنا البيت، والابن، والأب، والطمأنينة، والمعنى. وحين نصل إلى هذه الدرجة من الإنهاك، تبدأ الأسئلة التي كانت مؤجلة بالخروج من تحت الركام: مَن أوصلنا إلى هنا؟ مَن يحكمنا؟ مَن يتكلم باسمنا؟ وهل الصمت صبر أم قهر؟ وهل الاعتراض وعي أم خيانة؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بالشعارات. فأنا شخصيا شديد النفور من منطق الوعظ، ذلك المنطق الذي يطلب من الناس أن يكونوا ملائكة وهم يعيشون في ظروف الشياطين. إن من السهل على الواعظ أو السياسي أو صاحب المنبر أن يقول للناس: اصبروا، اثبتوا، لا تعترضوا، لا ترفعوا صوتكم. لكن علم الواقع لا يسأل الناس ماذا يجب أن يقولوا، بل يسأل: لماذا صاروا يقولون ما يقولون؟
في غزة اليوم يوجد فريق يدعو إلى حراك سياسي وثورة في وجه حكم حماس، ويرى أن الناس تعبت من الحروب، ومن الفقر، ومن الخوف، ومن غياب الأفق. وهذا الفريق يرى أن استمرار الحكم كما هو يعني استمرار الدائرة نفسها: حرب، دمار، وعود، حصار، ثم حرب أخرى. وفي المقابل، هناك فريق آخر يرى أن هذا الحراك في هذا التوقيت طعنة في الظهر، وأنه يستغل الجرح المفتوح، وأنه قد يخدم العدو أو يفتح باب الفوضى فوق فوضى الحرب.
ولو نظرنا إلى الفريقين بعين نظرية الواقع ، لما اكتفينا بتصديق أحدهما وتكذيب الآخر. فكل فريق لا يتكلم من فراغ، بل من موقع اجتماعي ونفسي مختلف. الذي خرج من غزة إلى مصر أو تركيا أو بلجيكا يرى المشهد من مسافة تسمح له بالكلام، وربما تمنحه شيئًا من الأمان. والذي بقي داخل غزة تحت الخيمة والركام والقصف والجوع يرى الكلام من الخارج كلامًا سهلًا، وقد يراه ترفًا أو مزايدة. هنا يظهر ما يسمى بالتناشز الاجتماعي: أي أن اختلاف الموقع يخلق اختلافًا في الرؤية، ثم يتحول الاختلاف إلى اتهام أخلاقي.
فالمشكلة ليست فقط أن الناس منقسمون، بل أن كل طرف يظن أن تجربته الخاصة هي الحقيقة كلها. الخارج يقول: نحن نرى الصورة بوضوح . والداخل يقول: أنتم لا تشعرون بما نشعر . والمؤيد للحراك يقول: السكوت عبودية . والمعارض له يقول: الصوت الآن خيانة . وهكذا يتحول الألم الواحد إلى لغتين متعاديتين.
والأخطر من الانقسام نفسه هو التخوين. فحين يعجز المجتمع عن إنتاج حوار سياسي حر، ينتج بدلًا منه قاموسًا من الشتائم: خائن، عميل، جبان، منافق، تاجر دم، بائع وطن. وهذه الكلمات لا تُطلق عادة لأنها دقيقة، بل لأنها سهلة ومريحة. التخوين يريح صاحبه؛ لأنه يعفيه من التفكير في حجة خصمه. فإذا قلت عن خصمك إنه خائن، لم تعد مضطرًا أن تسمع وجعه أو تفهم خوفه.
نظرية الواقع ترى أن الإنسان لا يتحرك دائمًا بالعقل الخالص، بل كثيرًا ما يصنع العقلُ الحججَ بعد أن تكون العاطفة والعصبية قد اتخذت القرار. وهذا بالضبط ما نراه في مواقع التواصل: كل طرف يجمع الأدلة التي تؤيد موقفه، ويغضّ النظر عن الأدلة التي تقلقه. المؤيد للحراك لا يريد أن يرى مخاوف الناس من الفوضى والانتقام. والمعارض للحراك لا يريد أن يرى أن الناس وصلت إلى حد لم تعد تحتمل فيه الصمت. وكل طرف يتوهم أنه يتكلم باسم الشعب كله، بينما الشعب نفسه ممزق بين الخوف والغضب والجوع والانتظار.
إننا في غزة لا نحتاج إلى تقديس سلطة، ولا إلى تقديس حراك، ولا إلى تقديس صمت. فغزة أكبر من أن تُختصر في حماس، وأكبر من أن تُختصر في معارضي حماس، وأكبر من أن تُختصر في منشور على فيسبوك. المجتمع المنكوب لا يجوز أن يُطلب منه أن يختار بين كرامته الوطنية وكرامته اليومية. فمن حقه أن يرفض الاحتلال والعدوان، ومن حقه في الوقت نفسه أن يسأل عن الحكم، والفساد، والسلاح، والقرار، والمستقبل. وليس في السؤال خيانة، كما أن ليس في الخوف من الفوضى عمالة.
ولو أردنا أن نستعمل لغة الواقع ، لقلنا إن غزة تعيش ازدواجًا قاسيًا بين قيمتين: قيمة المقاومة والصمود من جهة، وقيمة الحياة الكريمة والحق في المحاسبة من جهة أخرى. وحين لا توجد مؤسسات حرة تستوعب هذا الازدواج، يتحول إلى انفجار اجتماعي. فالناس لا تستطيع أن تعيش طويلًا على البطولة وحدها، كما لا تستطيع أن تعيش بلا كرامة وطنية. الإنسان يحتاج الخبز والمعنى معًا؛ وإذا سُلب أحدهما اختلّ توازنه.
إن من الخطأ أن نقول للناس: لا تتكلموا حتى تنتهي المعركة. فقد طال زمن المعركة حتى صار عمرًا كاملًا. ومن الخطأ أيضًا أن نقول لهم: اخرجوا بلا حساب للمخاطر والنتائج. فالسياسة في مجتمع جريح ليست لعبة حماسية، بل مسؤولية ثقيلة. وكل صوت يدعو الناس إلى الشارع يجب أن يعرف أن أجساد الناس ليست مادة للبطولة الافتراضية، وأن من يعيش في الخارج ليس كمن يقف في الداخل أمام سلطة وسلاح وجوع وخيمة وعائلة مهددة.
هنا تظهر الفئة الصامتة، وهي في الحقيقة ليست دائمًا بلا رأي. الصامتون في المجتمعات المقهورة كثيرًا ما يكونون أكثر الناس رأيًا، لكنهم أقلهم قدرة على التصريح. قد يصمت الإنسان لأنه خائف، أو لأنه تعب، أو لأنه لا يثق بأحد، أو لأنه يرى الطرفين يتصارعان على اسمه دون أن يسمعاه. الصمت في غزة ليس دليل رضا بالضرورة، كما أنه ليس دليل رفض بالضرورة. إنه أحيانًا صراخ بلا صوت.
أما الفئة المحايدة، فهي ليست بالضرورة جبانة كما يظن المتحمسون. قد يكون الحياد محاولة أخيرة لحماية المجتمع من الانقسام الكامل. لكن الحياد يصبح عجزًا إذا اكتفى بمراقبة الشتائم دون أن يدافع عن حق الناس في الكلام وحقهم في الأمان معًا. المطلوب ليس حيادًا باردًا، بل عقل واقعي يقول للطرفين: اختلفوا، لكن لا تذبحوا بعضكم معنويًا؛ طالبوا، لكن لا تستسهلوا دم الناس؛ خافوا على القضية، لكن لا تجعلوا القضية سجنًا لأصحابها.
إن مأزقنا اليوم أن كل طرف يحمل نصف حقيقة ويظنها الحقيقة كلها. نعم، من حق الناس أن تحاسب السلطة التي حكمتها سنوات طويلة، وأن تسأل عن القرار والنتيجة والمستقبل. ونعم، من حق الناس أن تخاف من أن يتحول الغضب الشعبي إلى فوضى أو إلى أداة في يد أطراف لا تريد الخير لغزة. لكن النصفين لا يصنعان وطنًا إذا بقيا يتقاتلان. الوطن يحتاج إلى شجاعة السؤال وشجاعة الحذر في الوقت نفسه.
لذلك، فإن الدرس الوطني الأهم هنا هو أن لا نأخذ الشعارات على ظاهرها. فالشعار قد يكون لباسًا نبيلًا لمصلحة ضيقة، وقد يكون أيضًا تعبيرًا صادقًا عن وجع مكتوم. لا يكفي أن يقال ثورة حتى تكون ثورة، ولا يكفي أن يقال خيانة حتى يكون الناس خونة. المعيار الحقيقي هو: هل يحمي هذا الفعل كرامة الناس وحياتهم؟ هل يفتح بابًا لمؤسسات عادلة؟ هل يمنع احتكار القرار؟ هل يحافظ على وحدة المجتمع؟ هل يقلل من الألم أم يزيده؟
نحن في غزة لا ينقصنا مزيد من الأعداء؛ يكفينا ما فينا من موت وحصار وخراب. وما نحتاجه الآن هو أن يعترف أبناؤنا أن الاختلاف بينهم ليس عارًا. العار هو تحويل الاختلاف إلى تخوين. والعار هو أن يظل الإنسان يطلب من أخيه الصمت باسم الوطن، أو يطلب منه المخاطرة بلا حساب باسم الحرية.
أقسم لكم من خلال تجربتي الخاصه أقول : إن المجتمع لا ينهض بالوعظ ولا بالتخوين، بل بفهم علله. وعلة غزة اليوم ليست في فريق واحد فقط، بل في بنية كاملة: احتلال خارجي، حصار طويل، حكم داخلي مغلق، انقسام فلسطيني مزمن، فقر، حرب، إعلام منفلت، ومجتمع منهك يبحث عن معنى وسط الخراب.
ومن هنا، فإن الطريق الأصح ليس أن ينتصر فريق على فريق، بل أن ينتصر حق الناس في الحياة والكرامة والمحاسبة والحرية والأمان معًا. فمن يريد الحراك عليه أن يحترم خوف الناس في الداخل. ومن يرفض الحراك عليه أن يحترم وجع الناس وحقهم في الكلام. ومن يخوّن الطرفين لا يبني وطنًا، بل يبني مقبرة جديدة للثقة.
إننا في غزة بعد هذه الحرب لا نحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يسمع أكثر. ولا نحتاج إلى من يحتكر الوطنية، بل إلى من يحرر الوطنية من الاحتكار. فالوطن ليس ملك السلطة، ولا ملك حماس ، ولا ملك المعارضين، ولا ملك الصامتين، بل هو ملكنا جميعاً نحن الذين دفعنا ثمنه من لحمنا وبيوتنا وأبنائنا.
أما بالنسبة للحقيقة ، فلا تسكن في جيب حزب، ولا في منشور ناشط، ولا في غضب جمهور. الحقيقة ابنة الواقع، والواقع في غزة يقول إن الناس موجوعون، منقسمون، خائفون، وغاضبون. ومن لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيظل يعظ الناس من فوق الركام، بينما هم يبحثون تحته عن حياة.