غزة تنادي: الوحدة الوطنية قبل فوات الأوان
بي دي ان |
10 يونيو 2026 الساعة
04:32ص
الكاتب
في المنعطفات التاريخية الكبرى، لا تُقاس الأمم بعدد أفرادها ولا بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بقدرتها على توحيد صفوفها وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة. وما تعيشه غزة اليوم من حرب مدمرة وحصار وتجويع وتهجير وقتل غير مسبوق، يضع الفلسطينيين جميعًا أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الانقسام كان دائمًا أحد أخطر أبواب الضعف والهزيمة. وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الخالدة بقوله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
فالتنازع لا يورث إلا الفشل، ويؤدي إلى ضياع القوة وتبدد الجهود مهما كانت التضحيات عظيمة.
واليوم، بينما تتعرض غزة لواحدة من أقسى المآسي في تاريخها الحديث، لا يملك الفلسطينيون ترف الانشغال بالصراعات الداخلية أو التنافس على السلطة والمواقع، بل إن الواجب يقتضي أن تتوحد الطاقات والإرادات حول مشروع وطني جامع يحمي الأرض والإنسان والهوية.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم عندما تواجه أخطارًا وجودية ترتفع فوق خلافاتها. فعندما توحدت مصر والشام في عهد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي أمكن كسر المشروع الصليبي واستعادة القدس بعد عقود طويلة من الاحتلال. ولم يكن أعظم ما حققه صلاح الدين انتصاره العسكري فحسب، بل نجاحه في إنهاء حالة التمزق والتنازع التي سبقت ذلك الانتصار.
ويُروى أن بعض مستشاريه حذروه من الاستعانة بقوى إسلامية أخرى خشية أن تنافسه في الحكم، فكان همه الأكبر حماية الأمة والأرض لا المحافظة على الكرسي أو النفوذ. وهذه الروح هي التي صنعت رجال التاريخ وأحداثه الكبرى.
كما أن سقوط القدس بيد الصليبيين سنة 1099م لم يكن نتيجة تفوقهم العسكري وحده، بل جاء بعد سنوات طويلة من التشرذم والصراعات بين الإمارات والقوى الإسلامية آنذاك، حتى أصبح كل فريق منشغلًا بمصالحه الخاصة فيما كان الخطر يقترب من الجميع.
وليس التاريخ الإسلامي وحده من يقدم هذه الدروس؛ فالتجارب الحديثة تؤكد أن الشعوب التي نجحت في التحرر واستعادة حقوقها كانت قادرة أولًا على بناء جبهة وطنية موحدة، تتسع للاختلاف لكنها لا تسمح بأن يتحول الاختلاف إلى انقسام يهدد المصير المشترك.
إن الدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًا تمثل الإطار السياسي والقانوني الجامع للشعب الفلسطيني، والحفاظ على هذا الإطار وتطويره وتعزيز وحدته الوطنية ضرورة لا غنى عنها في هذه المرحلة الحساسة. فالعالم يتعامل مع المؤسسات الشرعية الموحدة، وكلما كان الصوت الفلسطيني واحدًا ازدادت القدرة على الدفاع عن الحقوق الوطنية وانتزاعها.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وهي دعوة ربانية خالدة تجعل الوحدة فريضة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
إن آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين في غزة لا يحتاجون إلى مزيد من الجدل حول السلطة بقدر حاجتهم إلى مشروع وطني موحد يضع إنقاذ الإنسان الفلسطيني وصون أرضه ومستقبله فوق كل اعتبار. فالوطن أكبر من الأحزاب، والقضية أوسع من التنظيمات، والتاريخ لا يرحم الذين يضيعون الفرص الكبرى بسبب الخلافات الصغيرة.
لقد قدمت غزة من الدماء والتضحيات ما يكفي لأن تكون جرس إنذار للجميع. ومن حق أهلها على كل القوى الفلسطينية أن تتعالى على الحسابات الضيقة وأن تفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة والوحدة والمسؤولية الوطنية.
إن المستقبل لا يُبنى بالانقسام، ولا تُسترد الحقوق بالتنازع، وإنما تصنعه إرادة موحدة تؤمن بأن فلسطين أكبر من الجميع، وأن إنقاذ الإنسان الفلسطيني اليوم هو الطريق إلى حماية الوطن غدًا.
وغزة، وهي تنزف وتصبر وتقاوم، لا تطلب من أبنائها إلا ما طلبه القرآن من المؤمنين منذ قرون: أن يتوحدوا، وأن يجعلوا مصلحة الأمة فوق كل مصلحة، حتى لا تضيع التضحيات وتذهب الريح.
• استاذ التاريخ ورئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين
بي دي ان |
10 يونيو 2026 الساعة 04:32ص
لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الانقسام كان دائمًا أحد أخطر أبواب الضعف والهزيمة. وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الخالدة بقوله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
فالتنازع لا يورث إلا الفشل، ويؤدي إلى ضياع القوة وتبدد الجهود مهما كانت التضحيات عظيمة.
واليوم، بينما تتعرض غزة لواحدة من أقسى المآسي في تاريخها الحديث، لا يملك الفلسطينيون ترف الانشغال بالصراعات الداخلية أو التنافس على السلطة والمواقع، بل إن الواجب يقتضي أن تتوحد الطاقات والإرادات حول مشروع وطني جامع يحمي الأرض والإنسان والهوية.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم عندما تواجه أخطارًا وجودية ترتفع فوق خلافاتها. فعندما توحدت مصر والشام في عهد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي أمكن كسر المشروع الصليبي واستعادة القدس بعد عقود طويلة من الاحتلال. ولم يكن أعظم ما حققه صلاح الدين انتصاره العسكري فحسب، بل نجاحه في إنهاء حالة التمزق والتنازع التي سبقت ذلك الانتصار.
ويُروى أن بعض مستشاريه حذروه من الاستعانة بقوى إسلامية أخرى خشية أن تنافسه في الحكم، فكان همه الأكبر حماية الأمة والأرض لا المحافظة على الكرسي أو النفوذ. وهذه الروح هي التي صنعت رجال التاريخ وأحداثه الكبرى.
كما أن سقوط القدس بيد الصليبيين سنة 1099م لم يكن نتيجة تفوقهم العسكري وحده، بل جاء بعد سنوات طويلة من التشرذم والصراعات بين الإمارات والقوى الإسلامية آنذاك، حتى أصبح كل فريق منشغلًا بمصالحه الخاصة فيما كان الخطر يقترب من الجميع.
وليس التاريخ الإسلامي وحده من يقدم هذه الدروس؛ فالتجارب الحديثة تؤكد أن الشعوب التي نجحت في التحرر واستعادة حقوقها كانت قادرة أولًا على بناء جبهة وطنية موحدة، تتسع للاختلاف لكنها لا تسمح بأن يتحول الاختلاف إلى انقسام يهدد المصير المشترك.
إن الدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًا تمثل الإطار السياسي والقانوني الجامع للشعب الفلسطيني، والحفاظ على هذا الإطار وتطويره وتعزيز وحدته الوطنية ضرورة لا غنى عنها في هذه المرحلة الحساسة. فالعالم يتعامل مع المؤسسات الشرعية الموحدة، وكلما كان الصوت الفلسطيني واحدًا ازدادت القدرة على الدفاع عن الحقوق الوطنية وانتزاعها.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وهي دعوة ربانية خالدة تجعل الوحدة فريضة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
إن آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين في غزة لا يحتاجون إلى مزيد من الجدل حول السلطة بقدر حاجتهم إلى مشروع وطني موحد يضع إنقاذ الإنسان الفلسطيني وصون أرضه ومستقبله فوق كل اعتبار. فالوطن أكبر من الأحزاب، والقضية أوسع من التنظيمات، والتاريخ لا يرحم الذين يضيعون الفرص الكبرى بسبب الخلافات الصغيرة.
لقد قدمت غزة من الدماء والتضحيات ما يكفي لأن تكون جرس إنذار للجميع. ومن حق أهلها على كل القوى الفلسطينية أن تتعالى على الحسابات الضيقة وأن تفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة والوحدة والمسؤولية الوطنية.
إن المستقبل لا يُبنى بالانقسام، ولا تُسترد الحقوق بالتنازع، وإنما تصنعه إرادة موحدة تؤمن بأن فلسطين أكبر من الجميع، وأن إنقاذ الإنسان الفلسطيني اليوم هو الطريق إلى حماية الوطن غدًا.
وغزة، وهي تنزف وتصبر وتقاوم، لا تطلب من أبنائها إلا ما طلبه القرآن من المؤمنين منذ قرون: أن يتوحدوا، وأن يجعلوا مصلحة الأمة فوق كل مصلحة، حتى لا تضيع التضحيات وتذهب الريح.
• استاذ التاريخ ورئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين