حماس بين الرهان على إيران ومناورات القاهرة … الدم الفلسطيني رهينة الإنتظار
بي دي ان |
08 يونيو 2026 الساعة
08:20م
الكاتب
ما زالت البقعة السوداء، ذات الندوب الكبيرة، تقف على جمر يغلي منه الدماغ وينفطر له القلب. غزة التي لم ترَ السكينة منذ "الانقلاب الأسود"، ما زالت حتى اللحظة تغرق في دمائها رغماً عنها.
وفيما ينشغل المواطنون بألف قضية وقضية، وكلها من تداعيات "الطوفان" الذي أغرقهم وأنهكهم؛ تحت وطأة العيش في خيام مهترئة يشتعل فيها حرٌ يستعيذ منه الحر نفسه، وتغزوها قوارض وحشرات تسببت في أمراض بلا علاج، وصولاً إلى غلاء الأسعار الفاحش وانعدام السلع الأساسية، والجوع والعطش، وغياب التعليم، وافتقاد أدنى مقومات الحياة.. رغم كل هذا الألم، تشخص عيون الغزيين تجاه "مصر العروبة"، حيث تجتمع الفصائل الفلسطينية—التي لم تحسن يوماً التعامل مع الأزمات الحياتية والسياسية—مع الوسطاء (المصريين والقطريين والأتراك)، على أمل الوصول إلى حل يشكل طوق النجاة لأولئك المتعبين في مراكز النزوح.
ورغم التعتيم الشديد المحيط بمجريات الأمور داخل أروقة المخابرات المصرية برئاسة الوزير حسن رشاد، إلا أن بعض المعلومات تتسرب لتكشف أن القضية الأهم على طاولة المفاوضات هي "ملف تسليم سلاح حركة حماس". ويبدو جلياً أن هناك تبايناً في الآراء داخل الحركة حول هذا الملف (أياً كانت الآلية)؛ فالطرف الرافض للتسليم ما زالت عيونه شاخصة نحو طهران ومعركتها الإقليمية، منتظراً نتائجها ليبني عليها قراره. هذا يعني أن هناك تياراً يناور ويحاول كسب الوقت، وهو ما برز عقب الاتصالات الأخيرة بين القيادي المحسوب على طهران، خليل الحية، وبعض القيادات الإيرانية.
إنها مناورة عبثية لن تجدي نفعاً، فكل لحظة تمر يدفع ثمنها الفلسطينيون في غزة من دمائهم وأرواحهم. وإيران التي خذلت المقاومة منذ اليوم الأول، لم تعد رصيفاً آمناً للرهان في هذا الوقت الحرج الذي يدفع فاتورته الغزيون وحدهم.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نجد أن حماس ناورت كثيراً وامتنعت عن تسليم الرهائن في محاولة لكسب الوقت، ودفع شعبنا حينها أثماناً باهظة من آلاف الشهداء والجرحى ومبتوري الأطراف، وتكديس آلاف الأيتام، لينتهي المطاف بتسليمهم دون مقابل يذكر! فلماذا تكرر حماس ذات التجربة وهي لا تملك اليوم أي ورقة ضغط حقيقية؟
منذ عيد الأضحى المبارك والاحتلال يتوسع في وحشيته وقصفه وتوسيع "الخط الأصفر"، وصولاً إلى إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الإنسانية حتى إشعار آخر، فعلى ماذا تراهن حماس اليوم؟
في هذا السياق، أذكر تماماً اليوم الذي عقدت فيه حركة حماس مؤتمراً للإعلان عن "وثيقة 2017" في فندق الكومودور بغزة، وهي الوثيقة التي اعترفت فيها بحدود العام 67 بعد سنوات من شعارات "من البحر إلى النهر". حينها وقفتُ وقلت لهم علناً: "لم أكن أتمنى هذا الإعلان منكم ولا من أي طرف آخر، فكان يجب أن يبقى من فصائلنا من يتمسك بفلسطين التاريخية". وبعد انتهاء اللقاء، تحدثتُ مع الدكتور أحمد يوسف (مستشار إسماعيل هنية آنذاك)، وسألته: "لماذا فعلتم ذلك؟"، فضحك وقال: "تركنا المطالبة بفلسطين التاريخية لحركة الجهاد الإسلامي!".
الشاهد من هذه الحكاية، هو أننا نتمنى دائماً أن تكون لدينا مقاومة صلبة، وفصائل قوية، شديدة على الأعداء رحماء على شعبها. وهذا ينطبق تماماً على معضلة السلاح الآن؛ فلو كان هذا السلاح في هذه الفترة ينفع ويحمي شعبنا، لاختصرنا الكثير من الحديث والضحايا. لكن الواقع يثبت أن السلاح بات عاجزاً عن الحماية، بل تحول إلى سبب للفوضى، والاقتتال الداخلي، وذريعة يتذرع بها الاحتلال لاستمرار حرب الإبادة بكل ويلاتها. ومن جهة أخرى، يبدو تمسك حماس بالسلاح إصراراً على البقاء في حكم غزة رغم كل ما جلبته من دمار وضرب للنسيج المجتمعي. بناءً عليه، يتوجب على الحركة الرضوخ فوراً لمصلحة الشعب التي هي أبقى من كل المصطلحات الفارغة؛ فما قيمة الأرض بلا شعب؟ وما بالنا إذا أصبحنا بلا أرض ولا شعب؟!
على حركة حماس أن تكف عن مراهناتها الفاشلة، وتتوقف عن ربط قضيتنا بأجندات خارجية. وعليها أن تعترف بخطاياها بحق هذا الشعب، وتسلم قطاع غزة. لقد كانت الأمور قبل سنوات أيسر بكثير حين كنا ندعوها لتسليم غزة للسلطة الفلسطينية فرفضت، وكانت مستعدة لتسليمها لأي طرف إلا السلطة، مما ساهم مباشرة في فصل غزة عن الوطن. واليوم، انخفض سقف التوقعات لنطالبها بتسليم غزة لـ "لجنة إدارية" يديرها من الأعلى المندوب السامي، دون أي ضمانات مؤكدة حول قدرة السلطة الفلسطينية على العودة بعد عامين من الإصلاح كما اشترطت "خطة ترامب".
لم نعد نملك رفاهية الوقت أو المناورة. على حماس أن تفكر—ولو لمرة واحدة—بحجم الدماء النازفة والأشلاء المتطايرة، خاصة وأن هناك طرحاً حقيقياً من الوسطاء لتسليم السلاح لجهة فلسطينية. فما زالت المناورة في القاهرة، وفي غزة الانتظار من دم وأرواح.
ومن جانب آخر وموازٍ، يبرز تساؤل حارق ومستحق: لماذا لا يمارس الوسطاء ضغوطاً حقيقية على الكيان الصهيوني لعدم التزامه ببنود وقف إطلاق النار؟ ولماذا يُترك يتوسع في "المنطقة الصفراء" ويمتنع عن إدخال المساعدات الإنسانية وفق ما تم الاتفاق عليه؟ بل كيف لا يتم مواجهة هذا الاحتلال بقتله ما يقارب ألف شهيد منذ بدء التهدئة؟!
إلى متى سيبقى هذا الكيان المجرم عابثاً دون حسيب أو رقيب، ودون أدنى مساءلة، حتى من قِبل الأطراف الدولية والإقليمية الضامنة للاتفاق؟!
بي دي ان |
08 يونيو 2026 الساعة 08:20م
وفيما ينشغل المواطنون بألف قضية وقضية، وكلها من تداعيات "الطوفان" الذي أغرقهم وأنهكهم؛ تحت وطأة العيش في خيام مهترئة يشتعل فيها حرٌ يستعيذ منه الحر نفسه، وتغزوها قوارض وحشرات تسببت في أمراض بلا علاج، وصولاً إلى غلاء الأسعار الفاحش وانعدام السلع الأساسية، والجوع والعطش، وغياب التعليم، وافتقاد أدنى مقومات الحياة.. رغم كل هذا الألم، تشخص عيون الغزيين تجاه "مصر العروبة"، حيث تجتمع الفصائل الفلسطينية—التي لم تحسن يوماً التعامل مع الأزمات الحياتية والسياسية—مع الوسطاء (المصريين والقطريين والأتراك)، على أمل الوصول إلى حل يشكل طوق النجاة لأولئك المتعبين في مراكز النزوح.
ورغم التعتيم الشديد المحيط بمجريات الأمور داخل أروقة المخابرات المصرية برئاسة الوزير حسن رشاد، إلا أن بعض المعلومات تتسرب لتكشف أن القضية الأهم على طاولة المفاوضات هي "ملف تسليم سلاح حركة حماس". ويبدو جلياً أن هناك تبايناً في الآراء داخل الحركة حول هذا الملف (أياً كانت الآلية)؛ فالطرف الرافض للتسليم ما زالت عيونه شاخصة نحو طهران ومعركتها الإقليمية، منتظراً نتائجها ليبني عليها قراره. هذا يعني أن هناك تياراً يناور ويحاول كسب الوقت، وهو ما برز عقب الاتصالات الأخيرة بين القيادي المحسوب على طهران، خليل الحية، وبعض القيادات الإيرانية.
إنها مناورة عبثية لن تجدي نفعاً، فكل لحظة تمر يدفع ثمنها الفلسطينيون في غزة من دمائهم وأرواحهم. وإيران التي خذلت المقاومة منذ اليوم الأول، لم تعد رصيفاً آمناً للرهان في هذا الوقت الحرج الذي يدفع فاتورته الغزيون وحدهم.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نجد أن حماس ناورت كثيراً وامتنعت عن تسليم الرهائن في محاولة لكسب الوقت، ودفع شعبنا حينها أثماناً باهظة من آلاف الشهداء والجرحى ومبتوري الأطراف، وتكديس آلاف الأيتام، لينتهي المطاف بتسليمهم دون مقابل يذكر! فلماذا تكرر حماس ذات التجربة وهي لا تملك اليوم أي ورقة ضغط حقيقية؟
منذ عيد الأضحى المبارك والاحتلال يتوسع في وحشيته وقصفه وتوسيع "الخط الأصفر"، وصولاً إلى إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الإنسانية حتى إشعار آخر، فعلى ماذا تراهن حماس اليوم؟
في هذا السياق، أذكر تماماً اليوم الذي عقدت فيه حركة حماس مؤتمراً للإعلان عن "وثيقة 2017" في فندق الكومودور بغزة، وهي الوثيقة التي اعترفت فيها بحدود العام 67 بعد سنوات من شعارات "من البحر إلى النهر". حينها وقفتُ وقلت لهم علناً: "لم أكن أتمنى هذا الإعلان منكم ولا من أي طرف آخر، فكان يجب أن يبقى من فصائلنا من يتمسك بفلسطين التاريخية". وبعد انتهاء اللقاء، تحدثتُ مع الدكتور أحمد يوسف (مستشار إسماعيل هنية آنذاك)، وسألته: "لماذا فعلتم ذلك؟"، فضحك وقال: "تركنا المطالبة بفلسطين التاريخية لحركة الجهاد الإسلامي!".
الشاهد من هذه الحكاية، هو أننا نتمنى دائماً أن تكون لدينا مقاومة صلبة، وفصائل قوية، شديدة على الأعداء رحماء على شعبها. وهذا ينطبق تماماً على معضلة السلاح الآن؛ فلو كان هذا السلاح في هذه الفترة ينفع ويحمي شعبنا، لاختصرنا الكثير من الحديث والضحايا. لكن الواقع يثبت أن السلاح بات عاجزاً عن الحماية، بل تحول إلى سبب للفوضى، والاقتتال الداخلي، وذريعة يتذرع بها الاحتلال لاستمرار حرب الإبادة بكل ويلاتها. ومن جهة أخرى، يبدو تمسك حماس بالسلاح إصراراً على البقاء في حكم غزة رغم كل ما جلبته من دمار وضرب للنسيج المجتمعي. بناءً عليه، يتوجب على الحركة الرضوخ فوراً لمصلحة الشعب التي هي أبقى من كل المصطلحات الفارغة؛ فما قيمة الأرض بلا شعب؟ وما بالنا إذا أصبحنا بلا أرض ولا شعب؟!
على حركة حماس أن تكف عن مراهناتها الفاشلة، وتتوقف عن ربط قضيتنا بأجندات خارجية. وعليها أن تعترف بخطاياها بحق هذا الشعب، وتسلم قطاع غزة. لقد كانت الأمور قبل سنوات أيسر بكثير حين كنا ندعوها لتسليم غزة للسلطة الفلسطينية فرفضت، وكانت مستعدة لتسليمها لأي طرف إلا السلطة، مما ساهم مباشرة في فصل غزة عن الوطن. واليوم، انخفض سقف التوقعات لنطالبها بتسليم غزة لـ "لجنة إدارية" يديرها من الأعلى المندوب السامي، دون أي ضمانات مؤكدة حول قدرة السلطة الفلسطينية على العودة بعد عامين من الإصلاح كما اشترطت "خطة ترامب".
لم نعد نملك رفاهية الوقت أو المناورة. على حماس أن تفكر—ولو لمرة واحدة—بحجم الدماء النازفة والأشلاء المتطايرة، خاصة وأن هناك طرحاً حقيقياً من الوسطاء لتسليم السلاح لجهة فلسطينية. فما زالت المناورة في القاهرة، وفي غزة الانتظار من دم وأرواح.
ومن جانب آخر وموازٍ، يبرز تساؤل حارق ومستحق: لماذا لا يمارس الوسطاء ضغوطاً حقيقية على الكيان الصهيوني لعدم التزامه ببنود وقف إطلاق النار؟ ولماذا يُترك يتوسع في "المنطقة الصفراء" ويمتنع عن إدخال المساعدات الإنسانية وفق ما تم الاتفاق عليه؟ بل كيف لا يتم مواجهة هذا الاحتلال بقتله ما يقارب ألف شهيد منذ بدء التهدئة؟!
إلى متى سيبقى هذا الكيان المجرم عابثاً دون حسيب أو رقيب، ودون أدنى مساءلة، حتى من قِبل الأطراف الدولية والإقليمية الضامنة للاتفاق؟!