المناضلة د. مهى أبو خليل… امرأة حملت تاريخها في وجدانها بصمتٍ نبيل… وقهرت الموت بالشهادة

بي دي ان |

21 ابريل 2026 الساعة 08:23م

الكاتبة
لم يكن ذلك قصفاً عابراً، ولا خطأً في التوقيت. قبل ثلاث دقائق فقط من وقف إطلاق النار، سقطت خمسة مبانٍ دفعة واحدة في صور، كأنّ العدو أراد أن يوقّع على النهاية بدمٍ إضافي. في تلك اللحظة، لم تُستهدف حجارة… بل سِيَر. ومن بين الركام، كانت مهى أبو خليل.

امرأة لم تغادر الجنوب في ثماني حروب، ولم تُساوم، ولم تتراجع، ولم تقبل يوماً أن يخرجها الخوف من بيتها. اختارت البقاء حيث يجب أن يكون الإنسان… فكانت الشهادة.

مهى أبو خليل ليست ضحية توقيت، بل شاهدة على حقيقة هذا الصراع: أن من يتمسك بأرضه حتى اللحظة الأخيرة، يُستهدف حتى اللحظة الأخيرة.

هنا تبدأ الحكاية… ولا تنتهي.
مهى أبو خليل امرأةٌ بحجم وطن. قهرت الموت بالشهادة، فالإنسان عندما يختار موقفه، أو يقدّم نفسه في سبيل قضية أو كرامة، يصبح موته فعلاً انتصارياً لا هزيمة. وكأنّ الموت العادي يُفرض على الإنسان، أما الموت الذي يُختار بكرامة فهو تحويل للموت إلى معنى، لا إلى نهاية. الشهيدة د. مهى أبو خليل، هي ذروة هذا الانتصار، الشهيدة التي انتصرت على الموت.

البدايات: نضال وفكرة

قلّةٌ فقط يعرفون الدكتورة مهى أبو خليل في صورتها الأولى، حين كانت تسير على حافة زمنٍ مشحون. في تلك البدايات، ارتبط اسمها بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث انخرطت في العمل الثوري في سبعينيات القرن الماضي، زمنٍ كانت فيه السماء نفسها ساحة مواجهة، وحين تحوّلت الطائرات إلى رسائل سياسية عابرة للقارات. هناك، كانت من بين أولئك الذين خاضوا تجربة خطف الطائرات، ومنها طائرة تابعة لشركة “العال”، في سياق عمليات هدفت إلى لفت انتباه العالم إلى القضية الفلسطينية.

في تلك المرحلة أيضاً، كانت قريبة من مؤسس الجبهة الدكتور جورج حبش وزوجته، وما زالت صورة مهى مع “الحكيم” توثق تلك الحقبة. عاصرت المناضل وديع حداد الذي كان يعتبرها قيادية من الطراز الأول ، وأهلاً للثقة، فكانت تتسم بروح القيادة في العمليات النضالية بكل حزم وقوة. لم تهب شيئاً طيلة حياتها، دفعَت ثمن مواقفها غالياً، سُجنت في اليونان عند خطفها لطائرة العال هي والرفيقة سهام السعدي من ليبيا، وتمّ الإفراج عنهما ضمن صفقة تبادل مشرفة. لم تهب السجن في اليونان.

بين براغ وصور: نضالٌ لا يستري

غير أنّ سيرة مهى لم تتجمّد عند العمل النضالي، بل فتحت باباً آخر للنضال عبر العمل الاجتماعي والأكاديمي. درَّست مادة الإعلام بجامعات براغ، وهناك عاشت مرحلة متصلة بالدبلوماسية حيث كان زوجها سفيراً للعراق في براغ. ورزقت بابنتها أروى التي تشبهها في الرجاحة والحكمة والبصيرة.

عندما عادت إلى بيئتها، في الجنوب، لتلتقي بمؤسسات الإمام الصدر إلى جانب السيدة رباب الصدر، كرّست نفسها للعمل الاجتماعي. مديرة العلاقات العامة، وجّهت المعلمات، واحتضنت الفقراء، وكانت حاضرة في وجع الناس، خصوصاً أمهات الشهداء، اللواتي لم تترك مناسبة إلا ووقفت إلى جانبهن فيها. هنا، لم تكن مهى “ناشطة”، بل كانت امتداداً حيّاً لفكرة المقاومة بمعناها الإنساني.

مهى أبو خليل… مناضلة بعقلٍ دقيق، وقلبٍ لا يلين إلا للإنسانية، تقود بثبات، وتنجح بإرادة لا تعرف التراجع، وعنادهـا كان دائماً وفاءً لما تؤمن به.

عشرة العمر والأخوّة

أما على الصعيد الشخصي، فقد كانت صديقتي الوفية التي عرفتها في مناسبات اجتماعية عديدة، وحالفني الحظ أن نجتمع في جامعة القديس يوسف (USJ) خلال دراسة الماستر. هناك توطدت علاقتي بها وأصبحنا صديقتين مقرّبتين لدرجة الأخوة، واستمرّت علاقتنا تزداد بعد أن أصبح بيتي بيتها وأهلي وأصدقائي محبّيها. قضينا سنوات سوياً في الجامعة والمنتديات والمؤتمرات، وكنت أعتز بصداقتها الشفافة. كانت تروي لي محطات نضالية يعجز عنها الرجال، وكنت أفاجأ كلّ مرة بأخبار جديدة لدرجة أنني أقول إنها “تاريخ بحدّ ذاته”. كانت تملك علم الفراسة والدقة، وهوايتها مساعدة الفقراء، وبقيت بكلمتها الحرة تسبق اسمها، لم تركع ولم تتراجع عن مبادئها رغم الأثمان التي دفعتها من ترف الحياة.

عناد الصمود حتى الرمق الأخير

واجهت مهى 8 حروب إسرائيلية ولم تترك الجنوب.كانت تصمد في صور تحت القصف والدمار تتحدّى جبروت العدو، وتعطي أماناً للمدافعين عن الأرض. كنتُ أترجّاها أيام الحرب لتترك صور وتأتي لبيروت، وكانت ترفض بقوة قائلة: “أزورك عندما تنتهي الحرب”.

كانت تراسِلُنا كلّ يوم عند شروق الشمس لتقول لنا “صباح الصمود”، وكان آخرُ صباحاتِها صُبحَ الخميس، وآخرُ ظهورٍ لها ليلَ الخميس الساعة 11:32م.

الشهادة: الموعد المختار

كانت تقول لي دائماً: “سأقترب من الثمانين بعد سنتين، كلّ ما أتمنى أن أموت شهيدة وليس على فراش المرض”. لقد نالت ما تمنّت. اليوم ستستريح العزيزة الدكتورة مهى أبو خليل من تعب السنين لتضعَ خدَّها مخضّباً بالدم في قلب ثرى بلدتِها الحبيبة “القليلة”.
مهى نموذج للمرأة اللبنانية التي لن تتكرّر، كان يجب أن تُكرّم منذ زمن في وطنها، لكن الله كرّمها بالشهادة والجنة. رحلت المناضلة التي عملت سنوات في مواجهة الظلم ودافعت عن أعدل قضية عالمية.

مهى أبو خليل… امرأة حين تؤمن، تقود، وحين تقود، لا تنحني، دقيقة كالفكرة، صلبة كالأرض، وعنيدة كالقضية.

برحيلها، لا نودّع شخصاً فقط، بل نودّع تجربة إنسانية كاملة. امرأة اختارت أن تكون في صف الناس، لا على هامشهم. نفقد امرأة جمعت بين الفكر والعمل، بين الإنسانية والصلابة، بين التواضع والنضال.

مهى أبو خليل… لم ترحل.

هي باقية في كلّ حكاية صمود، في كلّ أمّ صابرة، في كلّ فكرة حرة، وفي كلّ موقف لا ينحني.
وداعاً يا مفخرة القليلة، يا ابنة الجنوب الذي لا ينحني. فأنتِ من أوائل النساء اللواتي خضن عراك النضال الخطر والصعب دفاعاً عن أشرف القضايا.

وداعاً يا صديقتي، وداعاً يا حبيبتي مهى…
ستبقين في الذاكرة، لأنكِ من أولئك الذين لا يختفون تحت الرماد، بل يتحوّلون نوراً… وينتصرون على الموت هذه ليست كلمات رثاء، بل شهادة أكتبها كما عشتها، وكما عرفتها…