حين ينتصر الجميع… من يخسر الحقيقة؟

بي دي ان |

08 ابريل 2026 الساعة 12:57م

الكاتب
 في لحظة واحدة، ومن نفس الحدث، يمكن أن تسمع ثلاث روايات مختلفة: إيران تتحدث عن فرض شروطها ، الولايات المتحدة تتحدث عن “نجاح عسكري أجبر طهران على التراجع”، وإسرائيل تعيش حالة ذهول بين التصعيد والتهدئة. وبين هذه الروايات، يقف المشاهد العربي حائرًا: من الذي انتصر فعلًا؟ ربما السؤال نفسه خاطئ. ما يجري اليوم في المنطقة لا يمكن قراءته بمنطق النصر والهزيمة التقليدي، لأن كل طرف لم يعد يبحث عن نصر كامل، بل عن رواية انتصار يمكن تسويقها داخليًا وخارجيًا. إيران، عبر طرحها لخطة النقاط العشر، لا تقدم فقط مبادرة سلام، بل ترسم إطارًا تقول من خلاله: نحن الطرف الذي فرض شروطه، نحن من ربط وقف النار بكل الجبهات، ونحن من وضع مضيق هرمز في قلب المعادلة.

حتى لو لم تُقبل الشروط كاملة، يكفي طرحها بهذا الشكل لصناعة صورة القوة الصامدة . في المقابل، تتحدث واشنطن بلغة مختلفة تمامًا. تصريحات دونالد ترامب لا تركز على الشروط، بل على تحقيق الأهداف ، و فتح مضيق هرمز ، و بداية عصر ذهبي للشرق الأوسط . هنا، لا يتم الاعتراف بالتراجع، بل إعادة تعريف ما حدث على أنه إنجاز أمريكي. أما إسرائيل، بقيادة نتنياهو، فتبدو في موقع أكثر تعقيدًا؛ لا انتصار واضح يمكن تسويقه، ولا هزيمة يمكن الاعتراف بها، بل حالة من الارتباك بين استمرار التهديدات والقبول بواقع لم يكن في الحسبان. لكن المفارقة الأهم لا تكمن في مواقف الدول… بل في ردود الفعل.

جزء من الجمهور العربي يحتفل بـانتصار إيراني ، وجزء آخر يرى مسرحية أمريكية ، وآخرون يعيشون حالة شك كاملة. وبين هذا وذاك، تنتشر معلومات متناقضة، تسريبات غير مؤكدة، وتحليلات تبنى على مشاهد جزئية، لا على صورة كاملة. وهنا نصل إلى جوهر ما يحدث: لسنا أمام حرب فقط… بل أمام معركة روايات.

في هذه المعركة، لا تُحسم النتائج في الميدان فقط، بل في الإعلام، وفي العقول، وفي الطريقة التي يُفهم بها ما حدث. قد لا يكون هناك اتفاق نهائي، وقد لا تكون الشروط قد قُبلت كما هي، لكن كل طرف يسارع إلى ملء الفراغ بروايته قبل أن تتشكل الحقيقة. حتى الهدنة المحتملة، أو وقف إطلاق النار المؤقت، لا يُقرأ كخطوة نحو السلام بقدر ما يُقرأ كـاستراحة لإعادة ترتيب الأوراق . أسبوعان قد يكونان بداية تسوية… أو مجرد هدنة تكتيكية قبل جولة جديدة. في الخلفية، تتحرك قوى أخرى بهدوء: وساطة باكستانية، دور مصري غير معلن بالكامل، وصعود لاعبين جدد مثل تركيا التي ترسل رسائل قوة عسكرية عبر تطوير أسلحة متقدمة. كل ذلك يشير إلى أن ما يحدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل أوسع لموازين القوة في المنطقة. لكن وسط كل هذا الضجيج، يبرز سؤال أخطر: هل نبحث فعلًا عن الحقيقة… أم عن الرواية التي نريد تصديقها؟ لأن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في كثرتها، وفي قدرتها على تضليلنا بدل أن توضح لنا الصورة. كل خبر يحمل زاوية، كل تحليل يحمل موقفًا، وكل منصة تدفع باتجاه معين. وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في هذه المرحلة هو الحرب نفسها… بل هذا الشعور الجماعي بأننا فهمنا ما يحدث، بينما نحن في الحقيقة نرى أجزاءً فقط. حين ينتصر الجميع… قد تكون الحقيقة هي الخاسر الوحيد.