الحرب على العقول: لماذا أصبحت المعرفة أخطر من السلاح في حروب القرن الحادي والعشرين؟

بي دي ان |

31 مارس 2026 الساعة 01:46ص

الكاتب
• من غزة إلى لبنان وإيران… قراءة تاريخية في استهداف التعليم والعلماء بوصفه استراتيجية لإضعاف المجتمعات. 

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الدمار فقط، بل بقدرتها على تغيير مصير المجتمعات لعقود طويلة. وإذا كانت الحروب القديمة تستهدف كسر الجيوش واحتلال الأرض، فإن الحروب الحديثة باتت تسعى إلى كسر ما هو أخطر: قدرة الأمم على التفكير والتعلم وإعادة بناء ذاتها.
في هذا التحول العميق، لم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، بل أصبحت تمثل ما يمكن وصفه بـ الخزان الاستراتيجي للمستقبل. ولهذا لم يعد استهدافها مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح في بعض الصراعات جزءًا من منطق الإضعاف طويل المدى، حيث لا يكون الهدف فقط تحقيق نصر عسكري، بل تأخير نهوض المجتمع لعقود قادمة.
وهنا يبرز السؤال الفكري الذي تفرضه تطورات الصراعات المعاصرة:
هل أصبحت المعرفة نفسها ساحة معركة؟ وهل أصبح تدمير البنية التعليمية والعلمية أحد الأسلحة الصامتة في الحروب الحديثة؟

المعرفة بوصفها مركز القوة الحقيقي

لقد تغير مفهوم القوة في عالم اليوم بشكل جذري. فالدولة لم تعد تُقاس قوتها فقط بحجم ترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، ومستوى تعليمها، ونوعية نخبها العلمية، ومدى تقدمها البحثي والتكنولوجي.
ولهذا أصبحت الجامعات في العصر الحديث أكثر من مجرد مؤسسات تعليمية؛ فهي:
مصانع للنخب، ومراكز للابتكار، ومختبرات لصناعة المستقبل.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يؤدي تدميرها إلى ما يمكن تسميته:
تأخير الزمن الحضاري للمجتمع. أي دفعه سنوات أو حتى عقودًا إلى الوراء دون إعلان حرب طويلة المدى.

غزة: النموذج الأكثر وضوحًا للحرب على المعرفة

ما جرى في قطاع غزة يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول في طبيعة الصراع. فالاستهداف لم يقتصر على المنشآت العسكرية، بل طال بشكل لافت:
الجامعات دون استثناء تقريبًا
المدارس الحكومية ومدارس الأونروا
المراكز الثقافية
المكتبات
المراكز البحثية
الأكاديميين أنفسهم
إن تدمير الجامعات بغض النظر عن تبعيتها الفكرية أو السياسية يؤكد أن الهدف لم يكن فصيلًا بعينه، بل البيئة المنتجة للوعي والمعرفة.
كما أن اغتيال شخصيات أكاديمية بارزة مثل: البروفيسور سفيان تايه رئيس الجامعة الإسلامية، والدكتور رفعت العرعير،
واعتقال ثم استشهاد الدكتور عدنان البرش، يكشف بوضوح أن الاستهداف لم يكن للمباني فقط، بل شمل العقول ذاتها.
فالمباني يمكن إعادة بنائها خلال سنوات، لكن إعادة إنتاج العلماء تحتاج أجيالًا.

تدمير الأرشيف: الحرب على الذاكرة الوطنية

من أخطر ما كشفته حرب غزة أن الدمار لم يقتصر على المباني، بل طال ما كان داخلها:
آلاف الكتب. وثائق نادرة. مخطوطات. مقابلات تاريخية. أرشيفات علمية.
إن ضياع هذه المواد لا يمثل خسارة معرفية فحسب، بل يعني فقدان أجزاء من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
ومن بين الخسائر المؤلمة ما أصاب مواد مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني، الذي عمل لسنوات على توثيق الرواية الفلسطينية عبر مقابلات وشهادات تاريخية تغطي مختلف مراحل القضية الفلسطينية. هذه المواد، التي تمثل ذاكرة حية للشعب الفلسطيني، اختلطت بالركام تحت القصف، في مشهد يجسد استهداف الذاكرة بقدر ما يجسد استهداف الحاضر. فالشعوب لا تُهزم فقط عندما تُهدم بيوتها، بل عندما تُفقد ذاكرتها.
*من غزة إلى لبنان وإيران: تشابه الأنماط ووحدة منطق الإضعاف*
عند النظر إلى تطورات الصراع في المنطقة، يمكن ملاحظة تشابه في أنماط الاستهداف التي طالت بيئات علمية ومؤسسات تعليمية في سياق العمليات العسكرية في أكثر من ساحة، من غزة إلى لبنان، وصولًا إلى الضربات التي طالت مؤسسات داخل إيران.
إن الربط بين هذه الوقائع لا يقوم على فرضيات سياسية بقدر ما يقوم على قراءة نمط متكرر في إدارة الصراعات الحديثة، حيث يتم استهداف عناصر القوة طويلة المدى، وليس فقط القدرات العسكرية المباشرة.
أي أن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط:
كيف ننتصر اليوم؟
بل أصبح:
كيف نمنع الخصم من النهوض غدًا؟
وهذا هو جوهر الحروب المركبة في عصرنا.

استهداف العلماء: ضرب المستقبل قبل أن يولد

في الحروب التقليدية كان استهداف القيادات العسكرية أمرًا مفهومًا.
أما في الحروب الحديثة، فإن استهداف العلماء يعني: قتل الخبرة، تعطيل المعرفة، إبطاء التنمية، إضعاف القدرة على التعافي.
ولهذا ظهر في الأدبيات الاستراتيجية مفهوم: استهداف رأس المال البشري المعرفي، وهو أخطر من تدمير البنية التحتية، لأن الدول يمكن أن تعيد بناء الطرق والمباني بسرعة، لكنها لا تستطيع إعادة إنتاج العقول بنفس السرعة.

الهجرة القسرية: الوجه الهادئ للحرب

ليس القتل الوسيلة الوحيدة لإضعاف المجتمعات. هناك وسيلة أخرى أكثر هدوءًا: تفريغ المجتمعات من عقولها.
فعندما تُدمَّر البيئة العلمية، ويُغلق الأفق، وتُفتح فرص الخروج للنخب فقط، تكون النتيجة مجتمعًا يفتقد قيادته العلمية.
وهذا أحد أخطر أشكال الإضعاف الاستراتيجي، لأنه يخلق فراغًا معرفيًا طويل الأمد.

الحرب على المستقبل لا على الحاضر

إذا أردنا فهم هذا التحول بعمق تاريخي، يمكن القول إن بعض الحروب الحديثة أصبحت تستهدف:
قدرة المجتمع على أن يكون قويًا بعد عشرين أو ثلاثين سنة. ولهذا يصبح التعليم هدفًا منطقيًا. لأن إعادة بناء المباني تحتاج سنوات، لكن إعادة بناء النخب تحتاج أجيالًا.

غزة تقدم الدرس المعاكس: المعرفة كمقاومة حضارية

رغم هذا كله، تقدم غزة درسًا مهمًا في الاتجاه المعاكس. محاولات إعادة فتح الجامعات. استمرار التدريس رغم الدمار.
إقامة قاعات مؤقتة في ظروف صعبة. الإصرار على استمرار التعليم رغم الحصار.
هذه ليست مجرد إجراءات تعليمية. هذه مقاومة حضارية. لأن المجتمع الذي يتمسك بالتعليم يعلن أنه يرفض الهزيمة التاريخية.

قراءة تاريخية أعمق

من منظور تاريخي، تكشف هذه الظاهرة عن قاعدة متكررة في صراعات الحضارات: القوى الصاعدة تستثمر في المعرفة، بينما القوى الساعية للهيمنة تحاول التحكم بها أو تحييدها. وقد لاحظ المؤرخون أن سقوط مراكز العلم كان غالبًا مؤشرًا على دخول المجتمعات في مراحل ضعف طويلة، بينما كان إحياء التعليم دائمًا بداية دورات النهوض الحضاري.

ولعل التاريخ الإسلامي نفسه يقدم مثالًا واضحًا على ذلك خلال فترة الحروب الصليبية، حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن بعض التنظيمات العسكرية الصليبية، ومنها فرق عسكرية مثل فرقة "الداوية"، كانت تدرك خطورة العلماء في الحفاظ على تماسك المجتمعات الإسلامية، حتى ورد في بعض الروايات أن قتل الأسرى من العلماء كان يُعد وسيلة لمنع استمرار تأثيرهم الفكري والديني في مجتمعاتهم. ومهما اختلفت تفاصيل هذه الروايات، فإنها تعكس إدراكًا مبكرًا لحقيقة أن العلماء يمثلون عنصر قوة لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.
ولهذا يمكن القول إن استهداف المعرفة ليس ظاهرة طارئة في التاريخ، بل هو نمط تكرر كلما أدركت القوى المتصارعة أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر الأرض، بل عبر التأثير في العقل والوعي والقدرة على إنتاج المعرفة.
ومن هنا يمكن فهم أن ما نشهده في بعض حروب العصر الحديث من استهداف للجامعات والعلماء لا يمكن عزله عن هذا السياق التاريخي الأوسع، حيث تبقى المعركة على المعرفة في جوهرها: معركة على الزمن الحضاري للأمم.

الخاتمة: السلاح الذي لا يُرى

ربما لم تُكتب بعد نظرية مكتملة عن "إبادة المعرفة" بوصفها استراتيجية حرب، لكن الوقائع تشير إلى أن استهداف التعليم والعلماء والبنية المعرفية لم يعد مجرد نتيجة جانبية للصراعات، بل أصبح أحد أخطر ميادينها الصامتة.
فالجيوش قد تُهزم ثم تُعاد بناؤها، والمدن قد تُدمَّر ثم تُعمر، لكن المجتمعات التي تُصاب في منظومتها المعرفية قد تحتاج جيلًا كاملًا لتتعافى. ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه تجارب غزة وغيرها ليس:
هل أصبحت المعرفة هدفًا في الحروب؟ بل: هل أصبح الحفاظ على التعليم والوعي هو الشكل الأعمق من أشكال المقاومة الحضارية في عصر الحروب المركبة؟
وربما يكون الدرس الأوضح الذي تكتبه غزة اليوم، بجامعاتها المدمرة وخيامها التعليمية، أن المعرفة قد تُستهدف، وقد تُحاصر، وقد يُراد لها أن تنكسر…
لكنها تبقى الشيء الوحيد القادر على إعادة بناء كل ما دُمِّر.

• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني، الجامعة الاسلامية بغزة - فلسطين