إيران 2026: من المفاوضات النووية إلى الضربة العسكرية وتداعياتها الإقليمية والدولية
بي دي ان |
03 مارس 2026 الساعة
06:27م
الكاتب
انزلقت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، من مسار تفاوضي حذر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بعد انهيار جولات حوار استمرت أسابيع قليلة لكنها كانت مكثفة وحاسمة. البداية كانت في مسقط يوم 4 فبراير، حيث احتضنت سلطنة عُمان جولة أولى من المفاوضات غير المباشرة. سعت الوساطة العُمانية إلى بلورة إطار تفاهم حول البرنامج النووي الإيراني، مع تركيز واضح على نسب التخصيب وآليات الرقابة التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن الفجوة بين الطرفين بدت منذ اللحظة الأولى عميقة: طهران تمسكت بحقها السيادي في التخصيب لأغراض سلمية، فيما اعتبرت واشنطن أن استمرار التخصيب، حتى تحت إشراف دولي، يُبقي هامشاً تقنياً يمكن أن يُختصر زمن التحول إلى قدرة عسكرية نووية. وأدلى رئيس فريق التفاوض الأمريكي ستيف ويتكوف يوم 23 فبراير بتصريح إعلامي حذر فيه من أن إيران باتت على مسافة أسبوع من امتلاك مواد انشطارية كافية لصنع سلاح نووي. هذا التقدير أعاد إلى الأذهان سوابق تاريخية ارتبطت بملف أسلحة الدمار الشامل في العراق عام 2003، وأثار شكوكاً حول توظيف عامل الزمن النووي في الضغط السياسي وتعبئة الرأي العام.
الجولة الثالثة، التي انعقدت في جنيف يومي 26 و27 فبراير، شكّلت نقطة التحول الفاصلة. أصرت واشنطن على مبدأ تصفير التخصيب بشكل دائم، مع تفكيك المنشآت النووية ونقل مخزون اليورانيوم إلى خارج إيران، إضافة إلى نظام تفتيش موسع. في المقابل، أكدت طهران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأن التخصيب حق سيادي، وعرضت تجميداً مرحلياً وخفض المخزون إلى نسب متدنية تحت إشراف الوكالة الدولية. وإذا ما قورنت الطروحات الأمريكية الجديدة باتفاق عام 2015، الذي حدد سقف التخصيب عند 3.67% وفرض قيوداً على أجهزة الطرد المركزي دون المساس بالبنية الأساسية للبرنامج، يتضح أن المقترح الجديد سعى إلى إعادة صياغة كاملة للمعادلة النووية، وهو ما اعتبرته إيران مساساً بجوهر سيادتها التقنية.
مع انتهاء جولة جنيف دون اتفاق، بدا أن المسار الدبلوماسي قد استنفد أدواته. وفي صباح السبت 28 فبراير، قرابة الساعة 9:45 صباحاً، نُفذت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضربة جوية دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، بعد توافر معلومات استخبارية عن 3 اجتماعات متزامنة لكبار القادة، بينها اجتماع برئاسة المرشد الأعلى. ووفق تقارير إعلامية غربية، أُلقيت عشرات القنابل على مجمع القيادة، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل ومقتل عدد كبير من القيادات الأمنية والسياسية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري اللواء محمد باكبور، والأدميرال على شمخاني. من منظور القانون الدولي، مثّل اغتيال رأس النظام السياسي واستهداف منشآت داخل أراضي دولة ذات سيادة انتهاكاً خطيراً لمبدأ عدم استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وخرقاً لمبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وقد أثار ذلك نقاشاً واسعاً حول حدود مفهوم الدفاع الوقائي ومدى مشروعيته في العلاقات الدولية المعاصرة.
العملية استندت إلى ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بعقيدة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا ومراكز اتخاذ القرار بهدف إرباك البنية القيادية وشل قدرتها على التنسيق. وجاء توقيت الضربة قبل عيد البوريم مباشرة، وهو عيد يهودي يستند إلى رواية سفر إستير التي تحكي عن إحباط مخطط الوزير الفارسي هامان (هامان الأجاجي) لإبادة اليهود في المملكة الفارسية والملكة استير قامت بإحباط المؤامرة. في هذا السياق، اكتسب التوقيت دلالة رمزية تتجاوز البعد العسكري، إذ جرى توظيف رواية تاريخية دينية في لحظة صراع سياسي مع إيران المعاصرة، في رسالة تجمع بين الردع المادي والرمزية النفسية.
داخلياً، شكّل اغتيال المرشد الأعلى لحظة مفصلية في تاريخ إيران. وبالاستناد إلى المادة 111 من الدستور الإيراني، أُعلن تشكيل مجلس قيادة مؤقت يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام أجئي، وعضو مجلس الخبراء علي رضا أعرافي، لتفادي أي فراغ دستوري. هذا الانتقال السريع عكس حرص مؤسسات الدولة على الحفاظ على الاستمرارية، لكنه فتح في الوقت نفسه باب الاحتمالات المتناقضة: إما اتجاه نحو براغماتية اضطرارية لاحتواء الضغوط، أو صعود قيادة أكثر تشدداً ترى في التصعيد وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية.
رغم جسامة الضربة الصِّهيو-أمريكية، يبقى سقوط النظام بالكامل احتمالاً ضعيفاً في المدى القريب. فالمؤسسة العسكرية والأمنية ما تزال متماسكة نسبياً، وأي انهيار شامل قد يفتح الباب أمام تفكك مؤسسات الدولة، وهو سيناريو لا تبدو القوى الإقليمية والدولية مستعدة لتحمل تبعاته، خصوصاً في ظل التعدد الإثني والعرقي داخل إيران. كما أن غياب النظام المركزي قد يحول دون وجود قوة منضبطة، ويفتح المجال أمام اضطرابات داخلية واسعة النطاق.
إقليمياً، ردّت طهران بإطلاق صواريخ على إسرائيل وعدد من القواعد الأمريكية في الخليج العربي، وأسفرت هذه العمليات عن إصابات بشرية محددة وأضرار في المعدات العسكرية. كما تم تدمير ثلاث منظومات رادارية أمريكية متقدمة تقع في قطر والكويت والبحرين، وتتميز بمدى يصل إلى مناطق سيبيريا. اتسعت رقعة الضربات لاحقاً لتشمل قبرص الرومية، ما يعكس قدرة الرد الإيراني على إلحاق خسائر تكتيكية دون استنزاف كامل قدراتها العسكرية. في المقابل، لم تُستهدف القواعد الأمريكية في أذربيجان بعد، رغم احتمال أن تتعرض لضربات لاحقة في حال استمرار العمليات. كما امتنعت طهران عن استهداف قاعدة إنجيرليك في تركيا، وهو قرار يُفسر بالإدراك الدقيق لحساسية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، إذ إن أي اعتداء على دولة عضو قد يفتح الباب أمام تدخل جماعي للحلف. كل ذلك يشير إلى استراتيجية دقيقة تحاول من خلالها إيران حصر المواجهة ضمن نطاق محسوب، مع تجنب توسيع رقعة الحرب إلى مسارح إضافية، في ظل ترقب تأثير الأذرع الإيرانية في لبنان واليمن والعراق على مسرح العمليات الحربية. وفي حال استمرار التصعيد، يبرز احتمال تشكل تحالف دولي أوسع لمواجهة طهران، في سيناريو قد يستحضر تجارب تشكيل الحلف ضد بغداد عام 2003 بحجج نزع أسلحة الدمار الشامل.
وفي الكواليس، تبرز فرضية سعي واشنطن إلى تسوية سياسية مشروطة، تتضمن إعادة تعريف بنية النظام الإيراني والتخلي عن نموذج ولاية الفقيه لصالح صيغة جمهورية تقليدية، مع الإبقاء على بعض الوجوه التنفيذية الحالية. إلا أن مثل هذا الطرح، إن طُرح فعلاً، يواجه تعقيدات داخلية عميقة، نظراً لتشابك البنية العقائدية والسياسية للنظام.
في المحصلة، لا تمثل الضربة الصهيو-أمريكية لإيران حدثاً عسكرياً عابراً، بل نقطة تحول في صراع متشابك الأبعاد، إذ تتجاوز إطار الردع المباشر إلى محاولة إعادة تموضع استراتيجي قد تفضي إلى إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط في سياق التحالفات الإبراهيمية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وفي المقابل، يبقى المسار الداخلي الإيراني عاملاً حاسماً، إذ قد تفرز المرحلة قيادة أكثر تشدداً تميل إلى التصعيد، أو تدفع نحو احتواء محسوب يحد من اتساع المواجهة، وبين هذين الاحتمالين تدخل المنطقة مرحلة سيولة استراتيجية مرشحة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك لسنوات مقبلة.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
1/3/2026
بي دي ان |
03 مارس 2026 الساعة 06:27م
الجولة الثالثة، التي انعقدت في جنيف يومي 26 و27 فبراير، شكّلت نقطة التحول الفاصلة. أصرت واشنطن على مبدأ تصفير التخصيب بشكل دائم، مع تفكيك المنشآت النووية ونقل مخزون اليورانيوم إلى خارج إيران، إضافة إلى نظام تفتيش موسع. في المقابل، أكدت طهران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأن التخصيب حق سيادي، وعرضت تجميداً مرحلياً وخفض المخزون إلى نسب متدنية تحت إشراف الوكالة الدولية. وإذا ما قورنت الطروحات الأمريكية الجديدة باتفاق عام 2015، الذي حدد سقف التخصيب عند 3.67% وفرض قيوداً على أجهزة الطرد المركزي دون المساس بالبنية الأساسية للبرنامج، يتضح أن المقترح الجديد سعى إلى إعادة صياغة كاملة للمعادلة النووية، وهو ما اعتبرته إيران مساساً بجوهر سيادتها التقنية.
مع انتهاء جولة جنيف دون اتفاق، بدا أن المسار الدبلوماسي قد استنفد أدواته. وفي صباح السبت 28 فبراير، قرابة الساعة 9:45 صباحاً، نُفذت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضربة جوية دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، بعد توافر معلومات استخبارية عن 3 اجتماعات متزامنة لكبار القادة، بينها اجتماع برئاسة المرشد الأعلى. ووفق تقارير إعلامية غربية، أُلقيت عشرات القنابل على مجمع القيادة، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل ومقتل عدد كبير من القيادات الأمنية والسياسية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري اللواء محمد باكبور، والأدميرال على شمخاني. من منظور القانون الدولي، مثّل اغتيال رأس النظام السياسي واستهداف منشآت داخل أراضي دولة ذات سيادة انتهاكاً خطيراً لمبدأ عدم استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وخرقاً لمبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وقد أثار ذلك نقاشاً واسعاً حول حدود مفهوم الدفاع الوقائي ومدى مشروعيته في العلاقات الدولية المعاصرة.
العملية استندت إلى ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بعقيدة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا ومراكز اتخاذ القرار بهدف إرباك البنية القيادية وشل قدرتها على التنسيق. وجاء توقيت الضربة قبل عيد البوريم مباشرة، وهو عيد يهودي يستند إلى رواية سفر إستير التي تحكي عن إحباط مخطط الوزير الفارسي هامان (هامان الأجاجي) لإبادة اليهود في المملكة الفارسية والملكة استير قامت بإحباط المؤامرة. في هذا السياق، اكتسب التوقيت دلالة رمزية تتجاوز البعد العسكري، إذ جرى توظيف رواية تاريخية دينية في لحظة صراع سياسي مع إيران المعاصرة، في رسالة تجمع بين الردع المادي والرمزية النفسية.
داخلياً، شكّل اغتيال المرشد الأعلى لحظة مفصلية في تاريخ إيران. وبالاستناد إلى المادة 111 من الدستور الإيراني، أُعلن تشكيل مجلس قيادة مؤقت يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام أجئي، وعضو مجلس الخبراء علي رضا أعرافي، لتفادي أي فراغ دستوري. هذا الانتقال السريع عكس حرص مؤسسات الدولة على الحفاظ على الاستمرارية، لكنه فتح في الوقت نفسه باب الاحتمالات المتناقضة: إما اتجاه نحو براغماتية اضطرارية لاحتواء الضغوط، أو صعود قيادة أكثر تشدداً ترى في التصعيد وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية.
رغم جسامة الضربة الصِّهيو-أمريكية، يبقى سقوط النظام بالكامل احتمالاً ضعيفاً في المدى القريب. فالمؤسسة العسكرية والأمنية ما تزال متماسكة نسبياً، وأي انهيار شامل قد يفتح الباب أمام تفكك مؤسسات الدولة، وهو سيناريو لا تبدو القوى الإقليمية والدولية مستعدة لتحمل تبعاته، خصوصاً في ظل التعدد الإثني والعرقي داخل إيران. كما أن غياب النظام المركزي قد يحول دون وجود قوة منضبطة، ويفتح المجال أمام اضطرابات داخلية واسعة النطاق.
إقليمياً، ردّت طهران بإطلاق صواريخ على إسرائيل وعدد من القواعد الأمريكية في الخليج العربي، وأسفرت هذه العمليات عن إصابات بشرية محددة وأضرار في المعدات العسكرية. كما تم تدمير ثلاث منظومات رادارية أمريكية متقدمة تقع في قطر والكويت والبحرين، وتتميز بمدى يصل إلى مناطق سيبيريا. اتسعت رقعة الضربات لاحقاً لتشمل قبرص الرومية، ما يعكس قدرة الرد الإيراني على إلحاق خسائر تكتيكية دون استنزاف كامل قدراتها العسكرية. في المقابل، لم تُستهدف القواعد الأمريكية في أذربيجان بعد، رغم احتمال أن تتعرض لضربات لاحقة في حال استمرار العمليات. كما امتنعت طهران عن استهداف قاعدة إنجيرليك في تركيا، وهو قرار يُفسر بالإدراك الدقيق لحساسية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، إذ إن أي اعتداء على دولة عضو قد يفتح الباب أمام تدخل جماعي للحلف. كل ذلك يشير إلى استراتيجية دقيقة تحاول من خلالها إيران حصر المواجهة ضمن نطاق محسوب، مع تجنب توسيع رقعة الحرب إلى مسارح إضافية، في ظل ترقب تأثير الأذرع الإيرانية في لبنان واليمن والعراق على مسرح العمليات الحربية. وفي حال استمرار التصعيد، يبرز احتمال تشكل تحالف دولي أوسع لمواجهة طهران، في سيناريو قد يستحضر تجارب تشكيل الحلف ضد بغداد عام 2003 بحجج نزع أسلحة الدمار الشامل.
وفي الكواليس، تبرز فرضية سعي واشنطن إلى تسوية سياسية مشروطة، تتضمن إعادة تعريف بنية النظام الإيراني والتخلي عن نموذج ولاية الفقيه لصالح صيغة جمهورية تقليدية، مع الإبقاء على بعض الوجوه التنفيذية الحالية. إلا أن مثل هذا الطرح، إن طُرح فعلاً، يواجه تعقيدات داخلية عميقة، نظراً لتشابك البنية العقائدية والسياسية للنظام.
في المحصلة، لا تمثل الضربة الصهيو-أمريكية لإيران حدثاً عسكرياً عابراً، بل نقطة تحول في صراع متشابك الأبعاد، إذ تتجاوز إطار الردع المباشر إلى محاولة إعادة تموضع استراتيجي قد تفضي إلى إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط في سياق التحالفات الإبراهيمية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وفي المقابل، يبقى المسار الداخلي الإيراني عاملاً حاسماً، إذ قد تفرز المرحلة قيادة أكثر تشدداً تميل إلى التصعيد، أو تدفع نحو احتواء محسوب يحد من اتساع المواجهة، وبين هذين الاحتمالين تدخل المنطقة مرحلة سيولة استراتيجية مرشحة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك لسنوات مقبلة.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
1/3/2026