مذكرة سياسية تحليلية حول سيناريوهات إدارة المرحلة المقبلة في قطاع غزة

بي دي ان |

06 فبراير 2026 الساعة 09:55م

الكاتب
بين منطق الشراكة المجتمعية وخطر فرض الخضوع القسري في أعقاب الحرب، يقف قطاع غزة أمام مرحلة مفصلية تتجاوز الإعمار المادي إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الإدارة والناس.
المرحلة المقبلة لا يمكن قراءتها بوصفها انتقالًا تقنيًا لإدارة شؤون الحياة، بل باعتبارها اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا لطبيعة النظام الذي سيُعاد إنتاجه فوق ركام الحرب.
تُطرح اليوم تساؤلات جوهرية في الوعي العام: 
هل ستُدار غزة بمنطق السمع والطاعة تحت ذريعة الاستقرار؟ هل سيُختزل الشعب في موقع المتلقّي لبرامج جاهزة لا رأي له فيها، وكأن المطلوب إخضاعه لمسار مغلق شبيه بـبيت الطاعة السياسي؟ 
هذه الأسئلة لا تنبع من فراغ، بل من تجارب إقليمية ودولية سابقة أثبتت أن ما بعد الصراع قد يتحول أحيانًا إلى مرحلة تأديب سياسي لا إلى مسار تعافٍ حقيقي.
أولًا: سيناريو الخضوع المُنظَّم 
يقوم هذا السيناريو على فرض برنامج مُسبق التصميم لإدارة غزة، تُحدَّد فيه الأولويات والسياسات من خارج الإرادة المجتمعية، ويُطلب من السكان الالتزام به مقابل تسهيلات معيشية أو أمنية. في هذا النموذج، تُختزل المشاركة الشعبية في الامتثال، وتُدار الحياة العامة بمنطق الانضباط لا الشراكة. تاريخيًا، أظهرت تجارب مماثلة أن هذا المسار يُنتج هدوءًا هشًا، ويُراكم احتقانًا اجتماعيًا قابلًا للانفجار.
ثانيًا: سيناريو التأديب السياسي تحت غطاء الأمن
تُستَخدم في هذا السيناريو أدوات أمنية أو إدارية مشددة لإعادة قولبة المجتمع، بحجة منع الفوضى أو التطرف.
في تجارب سابقة في المنطقة، جرى الاستعانة بقوى خارجية أو هياكل أمنية هجينة لضبط المجتمعات الخارجة من الصراع. خطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في انتهاكه للسيادة المجتمعية، بل في كونه يُعمّق الإحساس بالإذلال الجماعي، ويقوّض أي ثقة مستقبلية بين المجتمع وأي إدارة قائمة.
ثالثًا: سيناريو الإدارة التكنوقراطية المعزولة عن المجتمع
هنا تُدار غزة عبر نخبة فنية أو لجان مؤقتة تركز على الأرقام والمشاريع، دون إدماج حقيقي للفاعلين المحليين، وخصوصًا الشباب. هذا النموذج قد يبدو عقلانيًا في الشكل، لكنه يفشل عمليًا لأنه يتجاهل البعد النفسي والاجتماعي لما بعد الحرب، ويُحوّل الإنسان إلى رقم في خطة.
رابعًا: سيناريو الشراكة المجتمعية والسيادة الشعبية
وهو السيناريو الأكثر استدامة، ويقوم على اعتبار شعب غزة شريكًا لا موضوعًا للإدارة. في هذا المسار، تُبنى البرامج بالتشاور، ويُفتح المجال أمام المشاركة الشبابية، ويُعاد الاعتبار للكرامة بوصفها شرطًا للاستقرار، لا نتيجة له. هذا السيناريو لا ينكر الحاجة إلى التنظيم والانضباط، لكنه يرفض تحويلهما إلى أدوات إخضاع.
باختصار ..
إن أخطر ما قد تواجهه غزة في المرحلة المقبلة ليس الفقر أو الدمار، بل إعادة إنتاج منطق السيطرة باسم الإعمار، والخضوع باسم الاستقرار. أي مسار يُدار دون مشاركة حقيقية، أو يُبنى على تحقير المجتمع ووصايته، سيكون مسارًا مؤقتًا مهما بدا محكمًا.
المرحلة القادمة يجب أن تُدار بوصفها مرحلة استعادة إنسان، لا إعادة ضبط مجتمع. فالشعوب التي خرجت من الحرب لا تُقاد بالعصا، بل تُستعاد بالثقة، ولا تُستقر بالقسر، بل بالشراكة.

•مستشار ومحلل إداري، ناشط اجتماعي