رياض البندك: الموسيقار الفلسطيني الذي جعل الموسيقى صوت الوطن

بي دي ان |

04 فبراير 2026 الساعة 10:57م

الكاتب
في زمن يُحاول فيه طمس الهوية الفلسطينية، ارتقى رياض البندك فوق القصف والمنفى، وحوّل الموسيقى إلى صرخة وطنية. لم يغنِ لنفسه، بل جعل من كل لحن وأوركسترا بياناً سياسياً، ومن كل أغنية شهادة على فلسطين التي لم يغب عنها قلبه، حتى وهو في القاهرة ودمشق وبيروت. رياض لم يكن مجرد موسيقار، بل كان صوت المقاومة الثقافية الفلسطينية الذي يصدح عبر أجيال الطرب العربي.
في عالمٍ قلّ فيه الجمع بين الإبداع الفني والانتماء الوطني الصادق، يظل الموسيقار الفلسطيني الراحل رياض عيسى البندك (1926-1992) نموذجاً نادراً. فمن بيت لحم، حيث ترعرع في بيت عريق اجتماعياً وسياسياً، إلى القاهرة ودمشق وبيروت، حمل رياض الموسيقى كأداة للفن والمقاومة، وربط بين الطرب الأصيل وقضية فلسطين.
ولد رياض في منزل والده عيسى البندك، رئيس بلدية بيت لحم وعضو اللجنة التنفيذية العليا، التي كانت تقود النضال الوطني في أصعب مراحل التاريخ الفلسطيني. منذ طفولته، برز شغفه بالموسيقى، فبدأ بعزف العود وتأليف فرق موسيقية مع أطفال الحي، متحدياً معارضة والده التي كانت تريد له مساراً سياسياً أو صحافياً. هذه الروح التحدّية شكلت البدايات الأولى لموسيقار يعرف أن الفن أحياناً يكون أقوى من السلاح.
مسيرته الفنية بدأت في إذاعة القدس، حيث سجل أول أغنية له، قبل أن يصبح لاحقاً ركيزة في الإذاعات العربية الكبرى. في دمشق وبيروت والقاهرة، لم يكن رياض مجرد ملحن، بل صانع نجوم: فقد اكتشف ودرّب فايزة أحمد، وساهم في تشكيل مسار كبار المطربين مثل جورج وسوف، لطفي بشناق، نور الهدى، وشهرزاد كارم. وتميز بقدرته على المزج بين الأصالة والطرب العربي الكلاسيكي، مع ابتكار ألحان تجمع بين الموسيقى العربية والأوركسترا الكلاسيكية، في أعماله الكبرى "فلسطين" و"من حطين إلى تشرين".
رياض لم يغفل فلسطين، رغم غيابه الجغرافي عنها. في كل لحن وكل عمل موسيقي، كان الوطن حاضرًا؛ فلسطين لم تكن مجرد موضوع، بل رسالة متواصلة تربط بين الفن والهوية والمقاومة. حافظ على استقلاليته الفنية والسياسية، ورفض الانخراط في أي أغاني تمجّد أي سلطة عربية على حساب القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الموسيقى ليست مجرد ترف، بل أداة لحماية الذاكرة الوطنية وصون الهوية الثقافية.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً على رحيله، يظل إرث رياض البندك مصدر إلهام للأجيال، ليس فقط على صعيد الموسيقى والطرب، بل في ربط الفن بالوعي الوطني والقومي. إن الموسيقار الفلسطيني، الذي صنع من الموسيقى جسراً بين الأجيال والقضايا، يذكّرنا أن الفن يمكن أن يكون قوة مقاومة، وأن الأصالة والالتزام لا يفترقان عن الإبداع الحقيقي.
رياض البندك لم يكن مجرد ملحن وموسيقار، بل حارس فلسطين في الألحان، وراوي قصتها من خلال الموسيقى والطرب العربي الأصيل.

• مدير إذاعة صوت الوطن وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين