من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوطني

بي دي ان |

03 فبراير 2026 الساعة 02:08ص

الكاتب
على الرغم من الواقع السياسي والاجتماعي المثقل بالهموم والآهات جراء الحصار والنزوح والقتل وتدمير البيوت، وكأنّ غزة أصبحت "وردة كالدِّهان"، فقد أثبت الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود في وجه الريح العاتية.

ليست أزمة الفلسطيني اليوم في نقص التضحيات أو غياب الصمود، بل في سؤال أكثر إلحاحًا وأهمية: من يمثله سياسيًا، ومن يتحدث باسمه؟ بين الاحتلال، والانقسام الداخلي، والوصاية الدولية، تتكشف أزمة عميقة في التمثيل، حيث انفصلت القيادة عن الفعل الجمعي، وتحوّلت القضية الفلسطينية من مشروع سياسي تحرّري حقيقي إلى إدارة أزمة متجددة تُسوَّق دوليًا، بينما يتصدر الجمود المشهد السياسي الفلسطيني تحت مظلة الانتظار والبقائية، التي تغذيها الحسابات الفئوية الضيقة، والمفاهيم الأيديولوجية، والشعارات التعبوية، دون أن تعكس إرادة الشعب.
ولا ينفصل هذا الانفصال الداخلي عن السياق الدولي الأوسع، ففي ضوء الرؤية الأميركية الممتدة من عهد بايدن، والقائمة على إيجاد بدائل للسلطة وتجاوزها بعد ما أصابها من إنهاك بنيوي شامل، عبر تكرار نموذج غزة بتكريس نظام انفصالي وفق رؤية "مجلس السلام"، يتضح مسار يقود في نهاية المطاف إلى دولة فلسطينية منزوعة السيادة. دولة ليست سوى تجمعات سكانية مفككة الأوصال، خاضعة لانتداب أميركي مُقنَّع. وتمثل هذه الرؤية تعبيرًا بالغ الوضوح عن أنّ النظام السياسي الفلسطيني القائم، بكل تلاوينه الفصائلية، بات غير ذي صلة بتقرير مصير الشعب الفلسطيني ومساره، الأمر الذي يستوجب نهوضًا جادًا من السُّبات.

الكبرياء والخوف والمصلحة تبقى ظواهر حاضرة في كل المشاهد، ولعلها تشكل الأساس الكامن خلف تحوير الإرادة السياسية، وقد تتحول إلى دافع لدى من يرى في السلطة غاية بحد ذاتها، للتماهي مع التدويل، الذي غالبًا ما يُضاعف وَهَم السلطة لدى كل من يمتلك صوتًا إعلاميًا، أو غطاءً إقليميًا، أو تنظيمًا عابرًا للجغرافيا يظهر وكأنه يمثّل الفلسطينيين، بينما يظل الفعل الجمعي بعيدًا عن مركز القرار.

في عالم القيادة الظاهرية، قد يكفي أحيانًا أنْ تكون جزءًا من مناورة سياسية دولية، أو محور إقليمي، أو أنْ تمتلك منصة إعلامية، ليُخيَّل إليك أنك أصبحت قائدًا وفاعلًا حقيقيًا، بينما يُنجَز الفعل الحقيقي بصمت بعيدًا عن الأضواء. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بالخطاب أو بالرموز، بل بمدى اتصالها بالشعب، وبقدرتها على تحويل التضحيات إلى مسار سياسي مستقل وقابل للاستدامة.
عرف الفلسطينيون، عبر عقود، محاولات متكررة للالتفاف على التمثيل الشرعي ومركزه القانوني، تصدّرت فيها نخب وتكتلات المشهد بأسماء مختلفة: تصحيح الثورة، الإصلاح، المقاومة، أو الأيديولوجيا، لتنتهي جميعها إلى القبول بإدارة الواقع تحت وصاية انتدابية مقنَّعة. وفي كل مرة، لم تُستخدم السرديات لتوسيع المشاركة الشعبية، بل لضبطها، وتحويل القضية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بعيدًا عن الصوت الفلسطيني الحقيقي.

غير أنّ الأوهام لا تصمد طويلًا. فكلما اهتز الواقع وتشابكت الأحداث، تظهر هشاشة تلك الأنماط، ويتحوّل الخطاب من ادّعاء القيادة إلى تبرير الفشل، ومن الحديث عن المشروع الوطني إلى سرديات الخذلان والتخوين وسقوط الجبهة الداخلية، وكأنّ الشعب هو المشكلة، لا الانقسام، ولا شهوة السلطة، ولا الوصاية والتدويل اللذان غيّبا صوته.

في هذا السياق، تُصدر البيانات باسم الشعب، وتُسوَّق المبادرات والمشاريع كالإعمار تحت عناوين الحوكمة، بينما يظل الفلسطيني بعيدًا عن المشاركة في القرار. وبينما يواصل دفع كلفة الاحتلال والحصار، تتنازع قياداته على أوهام السلطة، وتفرض شروطًا على لجنة إدارة غزة قبل الشروع في مهامها، رغم أنّ مهمتها مجرد تنفيذ رؤى المجلس التنفيذي والمفوّض السامي لغزة. 

أزمة التمثيل الفلسطينية اليوم ليست مجرد نقاش تنظيمي، بل أزمة سياسية بامتياز. فالتدويل، الذي يُسوَّق أحيانًا بوصفه ضمانة للحقوق، غالبًا ما يتحول إلى أداة لإقصاء الفلسطيني عن تمثيل قضيته، ويحوّل أي مبادرة إلى إعادة تدوير للوهم: مشروع ظاهر بلا مشاركة فعلية، وقرار يُتخذ بعيدًا عن أصوات أصحاب القضية.

السؤال المطروح اليوم ليس بلاغيًا ولا نظريًا: من يقود الفلسطيني؟ هل من يمتلك المنبر، أم من يدفع الكلفة على الأرض؟ هل من يتقن الخطاب، أم من يحرث الأرض ويصمد عليها؟ الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لاستعادة السياسة الفلسطينية، والانتقال من وَهَم السلطة إلى فعل سياسي تحرّري يعزز صمود الشعب ويصون كرامتهم.

ولكي لا يستمر ذبح قضية القرن على معبد الصفقات والتحوّلات الإقليمية والدولية، ويستعيد الفلسطيني موقعه الطبيعي وتوازنه من جديد، فاعلًا في قضيته لا موضوعًا لها، لا بد من:

- مراجعة ذاتية ناقدة للمسار السياسي، لماذا، وكيف، وإلى أين، منذ مبادرة النقاط العشر في سبعينيات القرن الماضي مرورًا بأوسلو والانقسام وصولا إلى الوصاية الانتدابية.

- تقديم المصلحة الوطنية على الأيديولوجيا، إذ عانت القضية الفلسطينية طويلًا من مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، قدّمت الولاء للتنظيم على حساب القضية الوطنية. 
في هذا الإطار لم تكن حركة حماس استثناءً من هذا المسار، لا بوصفها فصيلًا بعينه، بل بوصفها نموذجًا لمنهج سياسي قدّم التنظيم على المشروع الوطني، والشرعية الأيديولوجية على الشرعية المجتمعية. فالإشكال لا يكمن في اسم الحركة أو خطابها وحده، بل في نمط إدارة السياسة الذي يفترض امتلاك التمثيل بفعل القوة أو الخطاب التعبوي الأيديولوجي أو سلطة الأمر الواقع، دون تفويض شعبي جامع. وفي هذا السياق، أسهم خطابها السياسي المائع، غير المحسوم تجاه الدولة والتمثيل والشراكة، في تعميق الشكوك بدل تبديدها، وعزل الحركة عن محيطها الوطني بدل دمجها فيه، وهو ما يفرض مراجعة جذرية للمنهج قبل مراجعة الأشخاص، ورفع يدها التنظيمية عن أفرادها لتمكين كل منهم من الانخراط الحر في مجالات الحياة المختلفة.

- العودة إلى خطاب سياسي رشيد وواقعي، بدل الخطابات العاطفية التعبوية، والعمل على دعم مبادرات قابلة للقياس والمساءلة.

- اعتبار الإنسان الفلسطيني غاية لا وسيلة، والاستثمار فيه عبر التعليم، والصحة، والتنمية الاقتصادية، وبناء الوعي النقدي القادر على التمييز بين الأشياء لا التمايز عليها.

-  تخلي الطبقة السياسية الفلسطينية بكل أطيافها عن حالة الجمود السياسي بمواجهة التحديات بالإسراع بالدعوة إلى حوار مجتمعي شامل، وإعادة السلطة إلى الشعب، عبر تجديد قيادته من خلال انتخابات شاملة، تفضي إلى مشروع فلسفي-ثقافي-سياسي نهضوي جديد.

- الاستنكاف عن المافيو-قراطية في إدارة شؤون الشعب، ومحاسبة الفاسدين، وتمكين اللجنة الإدارية الإنقاذية من إدارة شؤون الناس بلا عراقيل، بما ينسجم مع صلاحياتها.

ففلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الأوصياء، ولا إلى إدارة دائمة للألم، ولا إلى قيادات تُجيد الخطاب وتفشل في الفعل. فلسطين تحتاج إلى قيادة حقيقية، تنبع من الشعب وتعود إليه، وتحوّل التضحيات إلى مشروع سياسي وطني، لا إلى أوراق تفاوض عابرة. التمثيل القائم على المشاركة والمساءلة وتجديد الشرعية وحده القادر على كسر أوهام السلطة، ليصعد الفلسطيني مجددًا إلى سفينة النجاة، وتبحر القضية من جديد، لإستعادة المسار للمشروع الوطني.