إذا لم تكن على الطاولة فأنت على القائمة (Menu)

بي دي ان |

24 يناير 2026 الساعة 08:47م

الكاتب
أشعلت قمة دافوس حقيقة التنافس، وربما الصراع، بين القوى الغربية، وكان هذا الصراع علنيًا، حيث فجّرت كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام قادة دول العالم، ولا سيما حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، العديد من المفاجآت والمشاحنات. وقد نشر ترامب من داخل طائرته المتجهه للقمه على حسابه الخاص رسائل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الودّية، ليُري العالم أن تصريحات فرنسا حول غرينلاند كانت للاستهلاك الأوروبي ليس إلا. غير أن ترامب نفسه فوجئ بأن ماكرون استبق حديثه بالإعلان عن مجموعة من الشراكات الاقتصادية مع الصين في مجالي الطاقة والتكنولوجيا، ضاربًا بعرض الحائط تهديد ترامب برفع نسب الجمارك على النبيذ الفرنسي وبعض المنتجات الأخرى.

في الواقع، إن لهجة ترامب العدائية والتهكمية في بعض الأحيان لم تُشعر أوروبا بالارتياح، ولا سيما أنها ارتبطت علنًا برغبة الولايات المتحدة الأمريكية في الاستحواذ على غرينلاند بحجة الأمن القومي، وضمان سلاسل التوريد، والرغبة في السيطرة على المعادن النادرة في هذه الجزيرة المتجمدة. وقد شككت هذه الرغبة أوروبا في مواقف  حليفها الاستراتيجي، لأن هذا الحليف، باختصار، استخدم قوته العظمى في التعدي على سيادة الدول الأوروبية بدلا من الدفاع عنها. وليس هذا فحسب، بل إن الموقف الأمريكي من الحرب الأوكرانية–الروسية، ونجاح الولايات المتحدة في عهد ترامب في الاستحواذ على معادن أوكرانيا كجزء من فاتورة الدين المفروضة عليها، دفع الأوروبيين إلى الاعتقاد بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على مبدأ توازن القوى في أوروبا، في ظل رغبة الولايات المتحدة في التعدي على سيادة الدول الأوروبية، والاستحواذ على ثرواتها، وفرض سياسات حمائية عالية عبر جمارك مرتفعة على المنتجات الأوروبية.

لقد أشار رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في كلمته في منتدى دافوس، إلى واقع العلاقات الأمريكية–الغربية المتراجعة، وهو، بالمناسبة، قد تعرّضت دولته لتهديد مباشر من الرئيس ترامب من خلال مطالبة الأخير بانضمام كندا إلى الولايات المتحدة. ولخّص كارني هذا الواقع في مقولته الشهيرة في المنتدى: «إذا لم تكن على الطاولة فأنت على القائمة (Menu)»، في توصيف دقيق للنظام الدولي الحالي، الذي وصفه بعدم التكافؤ والتبعية والهيمنة ، وتراجع القيم السياسية، وانهيار مؤسسات النظام الدولي. وفي هذه المقولة، يلمّح كارني إلى أن سبب انهيار النظام الدولي الحالي هو رغبة الولايات المتحدة في الهيمنة على النظام الدولي، وتحسين مكانتها الاقتصادية والسياسية من خلال استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها، حتى ضد الحلفاء التقليديين.

في المقابل، يبدو أن الصين هي الرابح الأكبر من هذه الصراعات الغربية؛ ففي اللحظة التي استشعر فيها الأوروبيون خطر الهيمنة الأمريكية على دولهم، اقتربوا أكثر من الصين، كما فعلت فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية. بل إن ماكرون نفسه أشار إلى أن سبب التقارب الصيني–الفرنسي يعود أساسًا إلى احترام الصين لمبدأ السيادة. ويؤكد ذلك النتيجة الأهم في هذه المقالة، وهي أننا نعيش مرحلة مخاض للنظام الدولي الحالي، وهو نظام مشوَّه للقطبية الواحدة، وأن مرحلة تعدد الأقطاب ستتبلور  على أبعد تقدير خلال السنوات العشر القادمة. وستقوم هذه المرحلة أساسًا على قطبين رئيسيين: الولايات المتحدة والصين، إلا أن المفارقة في هذا النظام الدولي الجديد تكمن في أن أوروبا ستكون أقرب إلى القطب الصيني العملاق، وليس الأمريكي، على خلاف ما كانت عليه تقليديًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.