قطاع غزة اليوم شهادة حيّة على ما تجرّه المغامرات غير المحسوبة
بي دي ان |
22 يناير 2026 الساعة
10:21م
الكاتب
بعد مغامرة السابع من أكتوبر، لم يعد قطاع غزة مجرد بقعةٍ محاصَرة على الخريطة، بل صار جرحًا مفتوحًا على امتداد الذاكرة. كأن المدينة أُخرِجت قسرًا من سياق الحياة، وأُلقيَ بها في اختبارٍ دموي لا طاقة لها على احتماله. ما جلبته تلك المغامرة لم يكن خلاصًا ولا كرامة، بل دمًا يتكاثر، وموتًا بلا أسماء، وتجويعًا ينهش ما تبقّى من أجسادٍ أنهكها الحصار.
اتخذت حماس قرارها المجنون، واندفعت في مقامرةٍ عرفت غزة مسبقًا نتائجها. رفعت سقف المواجهة إلى حدٍّ لا تحميه القدرة ولا تسانده الحسابات، ثم تركت الناس في مواجهة العاصفة. لم تكن البيوت محصّنة، ولا المستشفيات جاهزة، ولا الأطفال قادرين على فهم معنى أن يولدوا في قلب نارٍ لا تهدأ. القرار كان سياسيًا، لكن الثمن كان إنسانيًا خالصًا، يُدفَع من دم أهل #غزة وحدهم.
في الشوارع التي صارت ركامًا، تسكن قصص لا تُروى. أمٌّ تبحث عن ابنها تحت الأنقاض، فلا تجد سوى قطعة قماش. أبٌ يحمل طفلته التي فقدت لونها، ويُدرك متأخرًا أن الجوع أسرع من الإسعاف. شيوخٌ يجلسون على أطراف الذاكرة، يتساءلون كيف صارت الحياة خفيفةً إلى هذا الحد، وكيف صار الموت قريبًا كجارٍ دائم. الدم هنا ليس حدثًا، بل مشهدًا متكررًا، والموت ليس مفاجأة، بل موعدًا مؤجلًا.
التجويع كان الوجه الآخر لهذه الكارثة. لم يعد الحصار مجرد تضييق، بل تحوّل إلى خنقٍ كامل. الخبز صار حلمًا، والماء صار أمنية، والدواء صار معجزة. أجساد الأطفال نحلت حتى صارت العظام أوضح من الابتسامة، والنساء تعلمن كيف يقتسمن اللقمة الواحدة على أيام. هذا ليس صمودًا بطوليًا، بل محاولة يائسة للبقاء، في مدينةٍ تُركت لتصارع الجوع كما تصارع القصف.
الأقسى من كل ذلك هو الإحساس العميق بالخديعة. أن يُقال للناس إن ما يحدث ضرورة، بينما هم يرون بيوتهم تُمحى وأبناءهم يُقتَلون. أن تُرفع الشعارات فوق رؤوسهم، فيما حياتهم تُختَصر إلى أرقام. غزة لم تُسأل إن كانت تريد هذه المغامرة، ولم تُمنَح فرصة أن تقول لا، ولا أن تتراجع حين بدأت النار تلتهم كل شيء.
ومع ذلك، لم تختفِ الإنسانية تمامًا. في قلب الدمار، ما زال الناس يتقاسمون الألم، ويتساندون بما تبقّى من قوة. لكن هذا التمسك بالحياة لا يبرر ما حدث، ولا يخفف من فداحة الجريمة. فحين تُدار المعارك فوق أجساد المدنيين، وحين يُزَجّ بشعبٍ كامل في نارٍ يعرف الجميع أنها ستأكله، يصبح السؤال الأخلاقي أثقل من الركام نفسه.
قطاع غزة اليوم شهادة حيّة على ما تجرّه المغامرات غير المحسوبة. شهادة على أن الدم لا يصنع مستقبلًا، وأن الموت لا يبني كرامة، وأن تجويع الأطفال لا يمكن أن يكون طريقًا لأي معنى. سيبقى هذا الوجع طويلًا، وستبقى الذاكرة شاهدة على مدينةٍ دُفِعت إلى الهاوية باسمها لا بإرادتها، ودفعت ثمن مقامرةٍ لم تخترها… من دمها، ومن حياتها، ومن خبز أطفالها.
بي دي ان |
22 يناير 2026 الساعة 10:21م
اتخذت حماس قرارها المجنون، واندفعت في مقامرةٍ عرفت غزة مسبقًا نتائجها. رفعت سقف المواجهة إلى حدٍّ لا تحميه القدرة ولا تسانده الحسابات، ثم تركت الناس في مواجهة العاصفة. لم تكن البيوت محصّنة، ولا المستشفيات جاهزة، ولا الأطفال قادرين على فهم معنى أن يولدوا في قلب نارٍ لا تهدأ. القرار كان سياسيًا، لكن الثمن كان إنسانيًا خالصًا، يُدفَع من دم أهل #غزة وحدهم.
في الشوارع التي صارت ركامًا، تسكن قصص لا تُروى. أمٌّ تبحث عن ابنها تحت الأنقاض، فلا تجد سوى قطعة قماش. أبٌ يحمل طفلته التي فقدت لونها، ويُدرك متأخرًا أن الجوع أسرع من الإسعاف. شيوخٌ يجلسون على أطراف الذاكرة، يتساءلون كيف صارت الحياة خفيفةً إلى هذا الحد، وكيف صار الموت قريبًا كجارٍ دائم. الدم هنا ليس حدثًا، بل مشهدًا متكررًا، والموت ليس مفاجأة، بل موعدًا مؤجلًا.
التجويع كان الوجه الآخر لهذه الكارثة. لم يعد الحصار مجرد تضييق، بل تحوّل إلى خنقٍ كامل. الخبز صار حلمًا، والماء صار أمنية، والدواء صار معجزة. أجساد الأطفال نحلت حتى صارت العظام أوضح من الابتسامة، والنساء تعلمن كيف يقتسمن اللقمة الواحدة على أيام. هذا ليس صمودًا بطوليًا، بل محاولة يائسة للبقاء، في مدينةٍ تُركت لتصارع الجوع كما تصارع القصف.
الأقسى من كل ذلك هو الإحساس العميق بالخديعة. أن يُقال للناس إن ما يحدث ضرورة، بينما هم يرون بيوتهم تُمحى وأبناءهم يُقتَلون. أن تُرفع الشعارات فوق رؤوسهم، فيما حياتهم تُختَصر إلى أرقام. غزة لم تُسأل إن كانت تريد هذه المغامرة، ولم تُمنَح فرصة أن تقول لا، ولا أن تتراجع حين بدأت النار تلتهم كل شيء.
ومع ذلك، لم تختفِ الإنسانية تمامًا. في قلب الدمار، ما زال الناس يتقاسمون الألم، ويتساندون بما تبقّى من قوة. لكن هذا التمسك بالحياة لا يبرر ما حدث، ولا يخفف من فداحة الجريمة. فحين تُدار المعارك فوق أجساد المدنيين، وحين يُزَجّ بشعبٍ كامل في نارٍ يعرف الجميع أنها ستأكله، يصبح السؤال الأخلاقي أثقل من الركام نفسه.
قطاع غزة اليوم شهادة حيّة على ما تجرّه المغامرات غير المحسوبة. شهادة على أن الدم لا يصنع مستقبلًا، وأن الموت لا يبني كرامة، وأن تجويع الأطفال لا يمكن أن يكون طريقًا لأي معنى. سيبقى هذا الوجع طويلًا، وستبقى الذاكرة شاهدة على مدينةٍ دُفِعت إلى الهاوية باسمها لا بإرادتها، ودفعت ثمن مقامرةٍ لم تخترها… من دمها، ومن حياتها، ومن خبز أطفالها.