مراحل النزوح خلال الحرب على قطاع غزة وتجربتنا الشخصية

بي دي ان |

12 يناير 2026 الساعة 09:14م

الكاتب
حين تدور الحرب من حولك وتتحول البيوت إلى مخيمات مؤقتة، يصبح النزوح سمة من سمات الحياة اليومية. في قطاع غزة، حيث يعيش الناس تحت وطأة حصارات وتهديدات مستمرة، يزداد الوضع صعوبة عندما تتحول الرحلة من منزل إلى آخر إلى سلسلة من التنقلات الطويلة والمؤلمة. نحن تجربتنا عنوانها النزوح: أكثر من عشر مرات، مع وفاة أبي في النزوح الأول، ونحن نسعى معاً إلى مكان آمن وعلاج له. هذا المقال محاولة لسرد تلك المراحل والظروف التي رافقتنا، ولإبراز المعاناة التي يعيشها سكان غزة حين يتحول البحث عن الأمان إلى مهمة يومية.

المقدمة: الحرب كمقصلة للنازحين وتحدٍ للبشر

في كل مرة تسمع فيها أصوات طلقات، تشعر بأن الحياة تتوقف عند لحظة مفصلية: إما أن تبقى وتواجه الخطر، وإما أن تفرّ وتترك كل شيء وراءك بحثاً عن مكان آمن. في غزة، النزوح ليس حدثاً منفرداً؛ إنه سلوك يومي يغير الخريطة العائلية ويعيد تشكيل العلاقات والذكريات. مع وجود أغلب السكان في حالة نزوح، تصبح الحاجة إلى مأوى، وطعام، ورعاية صحية أمرًا أساسيًا لا يمكن تأجيله. تجربتنا تضيف بعداً إنسانياً إلى الصورة الكبرى: كيف يتبدل البيت إلى حِراز، وكيف تتحول الإقامة إلى سلسلة من المحاولات للتشبّث بالأمل.

الإطار الزمني والمراحل الأساسية للنزوح

1) النزوح الأول: البحث عن الأمان واحتضان الأمل المؤقت
بدأت رحلتنا بالنزوح الأول عندما غادرنا منزلنا بحثاً عن مكان آمن يضمنا نحن جميعاً. كان البحث عن مكان آمن هو أول دافع، لكنه لم يكن الدافع الوحيد؛ فهناك حاجة أيضاً لتوفير علاجٍ لأبي الذي كان يعاني من مرض يحتاج رعاية ومتابعة طبية لا يمكن توفيرها في محيطنا السابق. انتقلنا جنوباً أملاً في أن نجد مستقرّاً يتيح لنا التنفّس والسيطرة على الوضع الصحي لأبي. لم نكن نعلم أن هذا الجنوب سيكون نقطةً انطلاق لسلسلة من التنقلات، لكنها كانت البداية التي أُجبرنا عليها بقدر ما امتلأت قلوبنا بالأمل بأن الوصول إلى مكان آمن قد يحسن من حالتنا النفسية والصحية.

2) التنقل المستمر: الترحال من مكان إلى مكان:
بعد النزوح الأول، لم تنتهِ رحلة البحث عن الأمان. تغيرت المواقع التي نقيم فيها مراراً وتكراراً: خيام في مخيم هنا، منزل مستأجر بسيط في قرية مجاورة هناك، وبعدها نبحث عن مكان آخر مع نقص شديد في الخدمات الأساسية. أكثر من عشر مرات انتقلنا من مكان إلى آخر: من مكان آمن ظاهرياً إلى آخر أكثر خطورة أو أقل قدرة على استيعاب العائلة. كان الهدف نفسه دائماً: البقاء معاً كعائلة، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار للأطفال الذين بدأوا يفقدون استقرارهم النفسي والتعليم الذي تراجع كثيراً بسبب التنقل المستمر. في كل مرة كنا نأمل أن يكون المكان الجديد أقرب إلى الاستقرار، لكن تبقى المصاعب: نقص المأوى، قلة المواد الأساسية، صعوبة الوصول إلى مياه صالحة للشرب، وغياب الرعاية الصحية الكافية.

3) التحديات اليومية: مأوى، طعام، صحة، وتربية
مع كل انتقال كان الفقد أكثر وضوحاً: فقدان المناخ العائلي المستقر، وفقدان الروتين اليومي الذي يُعطي الأطفال أماناً نفسياً، وفقدان القدرة على توفير الحد الأدنى من الغذاء والماء. في ظل نزوح أغلب سكان القطاع، كانت المساعدة الإنسانية تُقدم أحياناً بشكل غير منتظم، وتبقى الحاجة للمأوى المستقر والمواد الأساسية كبيرة. كنا نواجه صعوبة في حفظ الطعام وتخزينه في ظل درجات الحرارة المرتفعة والتغير المستمر في المواقع. كما أن الوضع الصحي لأبي كان يتطلب عناية مستمرة، وتوفير الأدوية لم يكن أمراً سهلاً في ظروف النزوح، ما زاد من خطر تفاقم حالته الصحية وحالة الأسرة ككل.

4) وفاة الأب: صدمة عميقة في لحظة يمكن أن تكون روتينية
توفي أبي في النزوح الأول بعد ثلاثة أيام من الانتقال إلى الجنوب، وهو في طريق البحث عن مكان آمن وعلاج له. كانت صدمةً كبيرة لنا جميعاً، ليس فقط لأننا فقدنا والدنا، بل لأن الوفاة جاءت في سياق النزوح والفقد المستمر. فقد كان هدفنا الرئيس في تلك اللحظة توفير له الرعاية الطبية والسبل للوصول إلى مكان يضمن له الأمان، لكن القدر كان أقوى من أحلامنا في ذلك الوقت. تركت وفاته أثرًا عميقًا فينا جميعاً، وأصبحت ذكرى أليمة ترافقنا مع كل خطوة ننقلها من مكان إلى آخر. ومع ذلك، بقي في نفوسنا شعور واحد: أن نواصل المسير لأجل أبي ولأجل أشقائنا الذين بقوا يعانون من نفس الظروف، وايقن الجميع حتى متعة الحزن لن نحصل عليها فلا وقت لذلك.

5) التكيف والمرونة: كيف نستمر رغم الألم
بعد فقدان الأب ونزوحنا المستمر، تعلمنا أن المرونة ليست مجرد خيار بل ضرورة. تحوّلنا إلى العمل على تنظيم أمورنا بقدر ما نستطيع ضمن مواردنا المحدودة. في المخيمات والملاجئ التي قدر لنا أن نقيم فيها، حاولنا أن نخلق نوعاً من الاستقرار للأطفال: روتين بسيط، تعليم محدود قدر الإمكان، والبحث عن فرص للمساعدة المحلية والدولية. المجتمع المحلّي غالباً ما كان يمدّ لنا يد العون، ونحن بدورنا تعلمنا أن نعتمد على بعضنا ونتشارك ما لدينا من قدرات محدودة. كنا نسمع قصص أخرى من حولنا، ونشعر بأن المعاناة موحدة، وأن التضامن ما زال موجوداً رغم الألم. هذه الروح التضامنية كانت بمثابة الضوء الذي يساعدنا على الاستمرار، حتى في أقسى الأيام.

الخاتمة: دروس من النزوح وأمل للمستقبل
النزوح في غزة ليس مجرد حدث عابر بل هو جزء من حياة يومية صعبة تعيشها العائلات. تجربتنا تؤكد أن البحث عن الأمان ليس مجرد انتقال جسدي بين مواقع مختلفة، بل هو صراع مستمر لإيجاد موضع يمكن أن نسند فيه بعضنا ونحفظ فيه كرامتنا. لقد فقدنا الأب في النزوح الأول، وتعلمنا أن الحياة تستمر رغم الحزن، وأن الأمل لا يزال يحيا في قلوب الأطفال وفي روح المجتمع المحيط بنا. نحن اليوم أشد قناعة بأن المطلوب هو إنهاء الحرب وتوفير حماية حقيقية للسكان المدنيين، وزيادة الدعم الموثوق بالجهود الإنسانية التي تسعى لتأمين المأوى والطعام والرعاية الصحية والتعليم للأطفال. حتى يتحقق ذلك، سيبقى النزوح واقعاً يغيّر مصائر العائلات، ولكنه أيضاً يبرز مدى قوة الإنسانية حين تتكاتف لمواجهة الألم وتقديم العون لمن هم في أمسّ الحاجة إليه.