البلطجة الأمريكية والنفط الفنزويلي: صراع بلا أقنعة
بي دي ان |
10 يناير 2026 الساعة
10:32م
الكاتب
عند الحديث عن الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية، لا يمكن التعامل مع الوقائع بوصفها أحداثاً معزولة أو ردود أفعال ظرفية. ما يجري اليوم في فنزويلا، وما يُحاك حول رئيسها نيكولاس مادورو، يأتي في سياق تاريخي طويل من التدخلات المباشرة وغير المباشرة، حيث تتحول القوة إلى أداة سياسية، وتُستخدم القوانين الدولية بمرونة تخدم الأقوى لا الأعدل.
منذ اختطاف رئيس بنما مانويل نورييغا عام 1989، وجرّه إلى المحاكم الأميركية، مروراً بغزو العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل، وصولاً إلى نماذج أقل صخباً لكنها لا تقل خطورة في أميركا اللاتينية، يتكرر النمط نفسه: قرار سياسي جاهز، يسبقه تبرير، وتتبعه محاولة شرعنة متأخرة.
ضمن هذا الإطار، لا يبدو استهداف فنزويلا مفاجئاً، بل متوقعاً، خصوصاً حين تكون الدولة المعنية غنية، مستقلة القرار، وترفض أن تؤدي الدور المرسوم لها في النظام العالمي
الرواية أولاً
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن يُطرح أي سيناريو “استثنائي”، تبدأ المعركة دائماً من مكان واحد: الرواية.
الولايات المتحدة لا تدخل صراعاً دون أن تهيئ له غطاءً إعلامياً وأخلاقياً، حتى وإن كان هذا الغطاء هشّاً أو متناقضاً. في الحالة الفنزويلية، لم يكن المطلوب إقناع العالم بأن فنزويلا تشكل خطراً عسكرياً، بل تصويرها كدولة فاشلة، ونظامها كعبء، ورئيسها كعقبة أمام “الاستقرار”.
هذه الرواية لا تُبنى فجأة، بل تُصاغ تدريجياً عبر تقارير إعلامية، تصريحات رسمية، وتحليلات موجهة تُكرر الفكرة نفسها بصيغ مختلفة: المشكلة ليست في التدخل، بل في بقاء النظام.
هكذا تتحول القصة من نقاش حول النفط والسيادة إلى خطاب عن “الإنقاذ” و”المسؤولية الدولية”، وهو أسلوب مجرّب أثبت فعاليته في أكثر من ملف حول العالم.
التهمة جاهزة دوماً
لكي يبدو أي تدخل مشروعاً، لا بد من وجود تهمة في المقابل. هذه قاعدة شبه ثابتة في السياسة الأميركية.
في الشرق الأوسط، التهمة جاهزة دائماً: الإرهاب. مصطلح واسع، مرن، قابل للتأويل، ويكفي وحده لتبرير الحروب، العقوبات، والاحتلالات.
أما في أميركا اللاتينية، فالقاموس مختلف. هنا لا يُستخدم “الإرهاب” بالزخم نفسه، بل تُستدعى تهمة أخرى أكثر انسجاماً مع السياق: تجارة المخدرات.
(تجارة المخدرات) تتحول إلى مظلة قانونية وأخلاقية تتيح التدخل، الضغط، أو حتى الخطف السياسي إن لزم الأمر. رئيس متهم بالتساهل مع الكارتلات، دولة متهمة بغض الطرف، نظام يُصوَّر كجزء من المشكلة.
لا يهم إن كانت الأدلة قوية أو ضعيفة؛ المهم أن تكون التهمة قابلة للتسويق. فبوجود التهمة، يصبح أي فعل لاحق “ضرورة أمنية”، لا اعتداءً على السيادة.
النفط… كلمة السر
بعيداً عن كل الخطابات السياسية والشعارات الأخلاقية، يبقى النفط هو المفتاح الحقيقي لفهم الصراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من الاحتياطي العالمي.
على مدى عقود، كانت الشركات الأميركية حاضرة بقوة في قطاع النفط الفنزويلي، تشتري الخام بأسعار تفضيلية مقارنة ببقية الأسواق العالمية، ما أدى إلى تدفق عائدات كبيرة انعكست على المجتمع الفنزويلي في شكل رفاه اقتصادي ملحوظ، خاصة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
لكن هذا النموذج لم يكن قائماً على توازن حقيقي، بل على تبعية اقتصادية طويلة الأمد. ومع تصاعد الوعي السيادي، لعبت فنزويلا دوراً محورياً في تأسيس منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، عبر المفكر والسياسي الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونسو.
التحول الأكبر جاء مع وصول هوغو تشافيز إلى الحكم، حين قررت الدولة عام 2007 تأميم شركات النفط والغاز، ووضع الموارد الطبيعية تحت سيطرة الدولة، وطرد الشركات الأميركية تدريجياً.
السيادة المزعجة
لم تكن المشكلة الحقيقية للولايات المتحدة مع فنزويلا في شخص نيكولاس مادورو بحد ذاته، بل في الفكرة التي يمثلها. فالدول التي تقرر فجأة أن مواردها الطبيعية ليست معروضة للمساومة، وأن النفط ليس ورقة تفاوض بل حق سيادي، تتحول تلقائياً إلى “دول مزعجة” في القاموس الأميركي.
السيادة هنا لا تُفهم كقيمة قانونية أو سياسية، بل كعقبة أمام نظام عالمي صُمم ليضمن تدفق الموارد من الجنوب إلى الشمال بأقل تكلفة ممكنة. حين تصرّ فنزويلا على بيع نفطها بشروطها، وعلى إدارة ثروتها بعيداً عن الشركات الأميركية، فإنها عملياً تخرج عن النص غير المكتوب الذي يحكم العلاقة بين واشنطن ودول أميركا اللاتينية منذ عقود.
هذا الخروج عن النص هو ما يحوّل أي رئيس فنزويلي إلى هدف، وأي قرار سيادي إلى تهديد، وأي سياسة وطنية إلى ذريعة للتصعيد.
المصالح فوق القانون
عندما تتعارض المصالح الأميركية مع القوانين الدولية، غالباً ما تكون النتيجة معروفة سلفاً. القانون يُفسَّر، يُعاد تأويله، أو يُتجاوز بالكامل.
ما بعد السابع من أكتوبر 2023 كشف هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق. الخطاب عن حقوق الإنسان، وعن احترام سيادة الدول، وعن دور الأمم المتحدة، تراجع لحظة اصطدامه بالمصلحة المباشرة. هذا الانكشاف لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل ينعكس على كل الملفات الساخنة، ومنها فنزويلا.
في عالم تحكمه موازين القوة، لا يُكافأ من يلتزم بالقانون بقدر ما يُكافأ من يملك القدرة على فرض روايته. وفنزويلا، رغم امتلاكها للنفط، لا تملك ترف القوة العسكرية أو الإعلامية الكافية لحماية نفسها من هذا المنطق.
الخاتمة: عالم على حافة الاشتعال
في ظل إدارة أميركية تتسم بالفوضوية والاندفاع، وتحديداً مع عودة خطاب يشبه عقلية دونالد ترامب، يبدو العالم أقرب إلى حافة انفجار كبير.
الشرق الأوسط يتجه نحو مواجهة مفتوحة، والحرب القادمة — إن اندلعت — لن تكون محدودة. الصدام بين إيران وإسرائيل لن يبقى محصوراً بين طرفين، بل سيشعل المنطقة الممتدة بينهما بالكامل.
في هذا السياق، يصبح تأمين مصادر الطاقة أولوية قصوى للولايات المتحدة، ويصبح تحييد دول نفطية مستقلة مثل فنزويلا خطوة استباقية في لعبة أكبر.
القصة إذن ليست مادورو، ولا فنزويلا وحدها. إنها قصة نظام عالمي يتصدع، وقوى كبرى تستعد للأسوأ، وثمن ذلك دائماً تدفعه الدول التي تمتلك الثروة ولا تمتلك الحماية.
• ماجستير في العلوم السياسية والادارة العامة
بي دي ان |
10 يناير 2026 الساعة 10:32م
منذ اختطاف رئيس بنما مانويل نورييغا عام 1989، وجرّه إلى المحاكم الأميركية، مروراً بغزو العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل، وصولاً إلى نماذج أقل صخباً لكنها لا تقل خطورة في أميركا اللاتينية، يتكرر النمط نفسه: قرار سياسي جاهز، يسبقه تبرير، وتتبعه محاولة شرعنة متأخرة.
ضمن هذا الإطار، لا يبدو استهداف فنزويلا مفاجئاً، بل متوقعاً، خصوصاً حين تكون الدولة المعنية غنية، مستقلة القرار، وترفض أن تؤدي الدور المرسوم لها في النظام العالمي
الرواية أولاً
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن يُطرح أي سيناريو “استثنائي”، تبدأ المعركة دائماً من مكان واحد: الرواية.
الولايات المتحدة لا تدخل صراعاً دون أن تهيئ له غطاءً إعلامياً وأخلاقياً، حتى وإن كان هذا الغطاء هشّاً أو متناقضاً. في الحالة الفنزويلية، لم يكن المطلوب إقناع العالم بأن فنزويلا تشكل خطراً عسكرياً، بل تصويرها كدولة فاشلة، ونظامها كعبء، ورئيسها كعقبة أمام “الاستقرار”.
هذه الرواية لا تُبنى فجأة، بل تُصاغ تدريجياً عبر تقارير إعلامية، تصريحات رسمية، وتحليلات موجهة تُكرر الفكرة نفسها بصيغ مختلفة: المشكلة ليست في التدخل، بل في بقاء النظام.
هكذا تتحول القصة من نقاش حول النفط والسيادة إلى خطاب عن “الإنقاذ” و”المسؤولية الدولية”، وهو أسلوب مجرّب أثبت فعاليته في أكثر من ملف حول العالم.
التهمة جاهزة دوماً
لكي يبدو أي تدخل مشروعاً، لا بد من وجود تهمة في المقابل. هذه قاعدة شبه ثابتة في السياسة الأميركية.
في الشرق الأوسط، التهمة جاهزة دائماً: الإرهاب. مصطلح واسع، مرن، قابل للتأويل، ويكفي وحده لتبرير الحروب، العقوبات، والاحتلالات.
أما في أميركا اللاتينية، فالقاموس مختلف. هنا لا يُستخدم “الإرهاب” بالزخم نفسه، بل تُستدعى تهمة أخرى أكثر انسجاماً مع السياق: تجارة المخدرات.
(تجارة المخدرات) تتحول إلى مظلة قانونية وأخلاقية تتيح التدخل، الضغط، أو حتى الخطف السياسي إن لزم الأمر. رئيس متهم بالتساهل مع الكارتلات، دولة متهمة بغض الطرف، نظام يُصوَّر كجزء من المشكلة.
لا يهم إن كانت الأدلة قوية أو ضعيفة؛ المهم أن تكون التهمة قابلة للتسويق. فبوجود التهمة، يصبح أي فعل لاحق “ضرورة أمنية”، لا اعتداءً على السيادة.
النفط… كلمة السر
بعيداً عن كل الخطابات السياسية والشعارات الأخلاقية، يبقى النفط هو المفتاح الحقيقي لفهم الصراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من الاحتياطي العالمي.
على مدى عقود، كانت الشركات الأميركية حاضرة بقوة في قطاع النفط الفنزويلي، تشتري الخام بأسعار تفضيلية مقارنة ببقية الأسواق العالمية، ما أدى إلى تدفق عائدات كبيرة انعكست على المجتمع الفنزويلي في شكل رفاه اقتصادي ملحوظ، خاصة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
لكن هذا النموذج لم يكن قائماً على توازن حقيقي، بل على تبعية اقتصادية طويلة الأمد. ومع تصاعد الوعي السيادي، لعبت فنزويلا دوراً محورياً في تأسيس منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، عبر المفكر والسياسي الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونسو.
التحول الأكبر جاء مع وصول هوغو تشافيز إلى الحكم، حين قررت الدولة عام 2007 تأميم شركات النفط والغاز، ووضع الموارد الطبيعية تحت سيطرة الدولة، وطرد الشركات الأميركية تدريجياً.
السيادة المزعجة
لم تكن المشكلة الحقيقية للولايات المتحدة مع فنزويلا في شخص نيكولاس مادورو بحد ذاته، بل في الفكرة التي يمثلها. فالدول التي تقرر فجأة أن مواردها الطبيعية ليست معروضة للمساومة، وأن النفط ليس ورقة تفاوض بل حق سيادي، تتحول تلقائياً إلى “دول مزعجة” في القاموس الأميركي.
السيادة هنا لا تُفهم كقيمة قانونية أو سياسية، بل كعقبة أمام نظام عالمي صُمم ليضمن تدفق الموارد من الجنوب إلى الشمال بأقل تكلفة ممكنة. حين تصرّ فنزويلا على بيع نفطها بشروطها، وعلى إدارة ثروتها بعيداً عن الشركات الأميركية، فإنها عملياً تخرج عن النص غير المكتوب الذي يحكم العلاقة بين واشنطن ودول أميركا اللاتينية منذ عقود.
هذا الخروج عن النص هو ما يحوّل أي رئيس فنزويلي إلى هدف، وأي قرار سيادي إلى تهديد، وأي سياسة وطنية إلى ذريعة للتصعيد.
المصالح فوق القانون
عندما تتعارض المصالح الأميركية مع القوانين الدولية، غالباً ما تكون النتيجة معروفة سلفاً. القانون يُفسَّر، يُعاد تأويله، أو يُتجاوز بالكامل.
ما بعد السابع من أكتوبر 2023 كشف هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق. الخطاب عن حقوق الإنسان، وعن احترام سيادة الدول، وعن دور الأمم المتحدة، تراجع لحظة اصطدامه بالمصلحة المباشرة. هذا الانكشاف لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل ينعكس على كل الملفات الساخنة، ومنها فنزويلا.
في عالم تحكمه موازين القوة، لا يُكافأ من يلتزم بالقانون بقدر ما يُكافأ من يملك القدرة على فرض روايته. وفنزويلا، رغم امتلاكها للنفط، لا تملك ترف القوة العسكرية أو الإعلامية الكافية لحماية نفسها من هذا المنطق.
الخاتمة: عالم على حافة الاشتعال
في ظل إدارة أميركية تتسم بالفوضوية والاندفاع، وتحديداً مع عودة خطاب يشبه عقلية دونالد ترامب، يبدو العالم أقرب إلى حافة انفجار كبير.
الشرق الأوسط يتجه نحو مواجهة مفتوحة، والحرب القادمة — إن اندلعت — لن تكون محدودة. الصدام بين إيران وإسرائيل لن يبقى محصوراً بين طرفين، بل سيشعل المنطقة الممتدة بينهما بالكامل.
في هذا السياق، يصبح تأمين مصادر الطاقة أولوية قصوى للولايات المتحدة، ويصبح تحييد دول نفطية مستقلة مثل فنزويلا خطوة استباقية في لعبة أكبر.
القصة إذن ليست مادورو، ولا فنزويلا وحدها. إنها قصة نظام عالمي يتصدع، وقوى كبرى تستعد للأسوأ، وثمن ذلك دائماً تدفعه الدول التي تمتلك الثروة ولا تمتلك الحماية.
• ماجستير في العلوم السياسية والادارة العامة