من التحرر إلى المقاومة: كيف أضعنا المشروع الوطني الفلسطيني حين قدّسنا الأداة ونسينا الغاية؟
بي دي ان |
08 يناير 2026 الساعة
07:32م
الكاتب
لم تكن القضية الفلسطينية، في أي مرحلة من مراحلها، تعاني نقصاً في الفعل أو شحّاً في التضحيات. فمنذ أكثر من سبعة عقود، قدّم الفلسطينيون دمهم، وأرضهم، وحياتهم، في مواجهة أحد أكثر مشاريع الاستعمار الاستيطاني تعقيداً وتنظيماُ في العصر الحديث. غير أن جوهر المأزق الفلسطيني لم يكن يوماً مرتبطاً بغياب النضال، بقدر ما كان مرتبطاً باختلال الوعي السياسي والمفاهيمي الذي يُفترض أن يؤطر هذا النضال ويمنحه معناه واتجاهه. إنها، في عمقها، أزمة وعي قبل أن تكون أزمة قوة، وأزمة تعريف قبل أن تكون أزمة أدوات. لقد تفاقمت هذه الأزمة كلما جرى استبدال اللغة التي صاغت المشروع الوطني الفلسطيني، بوصفه مشروع تحرر وطني شامل، بلغة تختزل النضال في أداة واحدة، وتحوّل الوسيلة إلى غاية قائمة بذاتها. فمنذ اللحظة التي تراجع فيها خطاب التحرر الوطني لصالح خطاب ما يُسمّى بالمقاومة، بدأ المشروع الفلسطيني يفقد تماسكه السردي، وقدرته على مخاطبة ذاته أولاً، والعالم من حوله ثانياً. لم يعد السؤال المركزي: كيف نتحرر؟ بل: كيف نقاوم؟ والفارق بين السؤالين ليس لغوياً أو شكلياً، بل فارق بنيوي يمسّ جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ذاته.
فالتجربة الفلسطينية، منذ انطلاقتها المعاصرة، لم تُبنَ على مفهوم المقاومة بوصفه إطاراً جامعاً أو هوية نهائية، بل قامت على منظومة متكاملة من المصطلحات الثورية الأصيلة: الثورة الفلسطينية المعاصرة، حركة التحرر الوطني الفلسطيني، الكفاح المسلح، الفدائي، المناضل، المقاتل الثوري، الانتفاضة الشعبية، الهبة الجماهيرية، النضال الوطني الشامل، إلى جانب المقاطعة، والعصيان المدني، والعمل الدبلوماسي، والمسار القانوني الدولي. لم تكن هذه المصطلحات ترفاً لغوياً، ولا أدوات تعبئة عاطفية، بل تعبيراً دقيقاً عن مشروع سياسي تاريخي متكامل، يربط الفعل بالغاية، ويُخضع القوة لمعادلة التحرير، لا العكس. وكانت جميعها وسائل قابلة للتغيير والمراجعة، مرهونة بالسياق السياسي، وبالقدرة على تحقيق تراكم وطني فعلي. غير أن التحول التدريجي نحو تعميم مصطلح المقاومة، بوصفه مفهوماً فضفاضاً وغير منضبط، قابلاً للاستخدام من قِبل أي فاعل وتحت أي سقف سياسي، أحدث خللاً بنيوياً في الوعي الوطني الجمعي. فالمقاومة، في ذاتها، ليست مشروعاً تحررياً، بل أداة من أدواته. وعندما تُرفع الأداة إلى مرتبة المشروع، يتحول النضال من مسار تاريخي تراكمي إلى سلسلة أفعال معزولة، تُقاس قيمتها بحدّة الصدمة لا بعمق الأثر السياسي. لقد سمح هذا الانزياح المفاهيمي بتفريغ النضال الفلسطيني من محتواه التحرري، واستبداله بخطاب تعبوي كثيف لكنه فقير استراتيجياً؛ خطاب يُكثر من تمجيد الفعل، ويقلّل من مساءلة نتائجه، ويُعيد إنتاج التضحية بوصفها قيمة قائمة بذاتها، لا كاستثمار وطني في مسار التحرير. وهنا، تحديداً، بدأ التآكل الصامت للمشروع الوطني الفلسطيني، لا بفعل القوة الاستعمارية وحدها، بل بفعل خياراتنا الخطابية والسياسية أيضاً.
وعلى الضفة الأخرى، يُستعاد في الخطاب السياسي هوسُ مصطلحات من قبيل قائد بحجم وطن، والرصاصة الأولى، والطلقة الأولى، والحجر الأول، وكأن فعل البدء الأعمى قد جرى تحويله إلى بديل عن الوعي السياسي، وإلى معيارٍ مُختزل للشرعية الثورية. هذا المنطق يوحي، ضمناً، بأن من سبقونا في دروب التحرر لم يناضلوا، ولم يقاتلوا، ولم يدفعوا أثماناً باهظة، بل كانوا غائبين عن الفعل التاريخي. وهذا أيضاً منطق لا يُنتج وعياً تحررياً، بل يختزل التجربة الثورية الفلسطينية في لحظة رمزية، ويتجاهل كونها مساراً طويلاً، معقداً، ومتعدد الأدوات. التاريخ لا يدعم هذا الاختزال. فالثورة الجزائرية لم تنتصر لأنها أطلقت الرصاصة الأولى، بل لأنها بنت جبهة تحرير وطني، وحددت عدوها بوضوح، وربطت الكفاح المسلح بمشروع سياسي ودبلوماسي وقانوني متكامل. وفيتنام لم تهزم أقوى قوة عسكرية في العالم لأنها قاومت فقط، بل لأنها أدارت حرب تحرير شعبية شاملة، عرفت متى تقاتل، ومتى تفاوض، ومتى تصبر، ومتى تضرب، ضمن رؤية استراتيجية وطنية موحدة خضعت لها كل القوى المقاتلة.
في المقابل، فإن تعميم مصطلح المقاومة في الحالة الفلسطينية، دون ضبطه ضمن إطار تحرري جامع، أتاح نشوء ما يمكن تسميته باقتصاد الفعل المقاوم: أفعال عالية الكلفة، محدودة العائد، مرتفعة الرمزية، صفرية الحصيلة السياسية. وقد بلغ هذا المسار ذروته الكارثية في غزة، حيث جرى استنزاف الإنسان، والأرض، والبنية الوطنية، وصولاً إلى واقع فُرض فيه الإذعان تحت ركام الدمار، مع فاقد وطني عام فادح، دون اقتراب حقيقي من هدف التحرير. وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس، لا تبدو الصورة أقل قتامة: أوصال مقطعة، نزوح قسري لسكان مخيمات الشمال، حواجز عسكرية خانقة، تهجير للتجمعات الرعوية، هدم للمنازل والبنى التحتية، طرق التفافية تخنق التجمعات السكانية، وتسريع منهجي في الأسرلة والتهويد، ومصادرة للأراضي لصالح الزحف الاستيطاني الممنهج. كل ذلك يُنتج وقائع تُستخدم لتكريس جوهر المشروع الصهيوني القائم على السيطرة والإحلال، لا على إدارة نزاع مؤقت. في هذا السياق، لا يجوز الهروب إلى الأمام، ولا الاكتفاء بلوم النظام الدولي، ولا الاحتماء بقدسية الدم لتجميد النقد. فالنقد الذاتي، حين يكون مؤلماُ، هو فعل إنقاذ. والأسئلة التي يجب طرحها بوضوح هي: هل خدم خطاب المقاومة بصيغته الراهنة المشروع الوطني الفلسطيني، أم ساهم، بقصد أو بغير قصد، في تفكيكه وتجزئته وإضعاف قدرته على إنتاج إجماع وطني جامع؟ وهل آن الأوان لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ضمن استراتيجية موحدة، غايتها تحرير الأرض والإنسان، لا إدارة الصراع إلى ما لا نهاية؟
العودة إلى مصطلحات التحرر ليست حنيناً رومانسياً للماضي، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فمصطلحات مثل الثورة، والفدائي، والمناضل، والانتفاضة الشعبية، والنضال الوطني الشامل، تُعيد تعريف الفلسطيني بوصفه فاعلاً تاريخياً يسعى للتحرير، لا ضحية دائمة في صراع مفتوح بلا أفق. وهي تُعيد توجيه البوصلة من إدارة الصراع إلى حسمه، ومن استنزاف الدم إلى بناء القوة الوطنية المركّبة. إن أخطر ما أصاب الوعي الجمعي الفلسطيني ليس الهزيمة العسكرية، بل تطبيع فكرة المقاومة بلا أفق. فالمقاومة، حين تنفصل عن التحرر، تتحول إلى شكل من أشكال التعايش القسري مع الاستعمار الاستيطاني، لا أداة لتقويضه. والخلاصة: ليس الفلسطينيون بحاجة إلى مزيد من الأفعال، بل إلى استعادة مشروع التحرر الوطني بوصفه الإطار الناظم لكل فعل. فحين يُقدّس المشروع الوسيلة يفشل، وحين يستبدل الوسيلة بالغاية يضيع، وحين يفصل الوسيلة عن الهدف يستنزف شعبه. فالشعوب لا تتحرر لأنها تقاوم بلا توقف، بل لأنها تعرف لماذا تقاتل، ومتى تتوقف، وكيف تحوّل الفعل إلى نتيجة، والدم إلى حرية. ولنتذكر دائماً: عندما يرقص الفيل، يتألم العشب.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
8/1/2025
بي دي ان |
08 يناير 2026 الساعة 07:32م
فالتجربة الفلسطينية، منذ انطلاقتها المعاصرة، لم تُبنَ على مفهوم المقاومة بوصفه إطاراً جامعاً أو هوية نهائية، بل قامت على منظومة متكاملة من المصطلحات الثورية الأصيلة: الثورة الفلسطينية المعاصرة، حركة التحرر الوطني الفلسطيني، الكفاح المسلح، الفدائي، المناضل، المقاتل الثوري، الانتفاضة الشعبية، الهبة الجماهيرية، النضال الوطني الشامل، إلى جانب المقاطعة، والعصيان المدني، والعمل الدبلوماسي، والمسار القانوني الدولي. لم تكن هذه المصطلحات ترفاً لغوياً، ولا أدوات تعبئة عاطفية، بل تعبيراً دقيقاً عن مشروع سياسي تاريخي متكامل، يربط الفعل بالغاية، ويُخضع القوة لمعادلة التحرير، لا العكس. وكانت جميعها وسائل قابلة للتغيير والمراجعة، مرهونة بالسياق السياسي، وبالقدرة على تحقيق تراكم وطني فعلي. غير أن التحول التدريجي نحو تعميم مصطلح المقاومة، بوصفه مفهوماً فضفاضاً وغير منضبط، قابلاً للاستخدام من قِبل أي فاعل وتحت أي سقف سياسي، أحدث خللاً بنيوياً في الوعي الوطني الجمعي. فالمقاومة، في ذاتها، ليست مشروعاً تحررياً، بل أداة من أدواته. وعندما تُرفع الأداة إلى مرتبة المشروع، يتحول النضال من مسار تاريخي تراكمي إلى سلسلة أفعال معزولة، تُقاس قيمتها بحدّة الصدمة لا بعمق الأثر السياسي. لقد سمح هذا الانزياح المفاهيمي بتفريغ النضال الفلسطيني من محتواه التحرري، واستبداله بخطاب تعبوي كثيف لكنه فقير استراتيجياً؛ خطاب يُكثر من تمجيد الفعل، ويقلّل من مساءلة نتائجه، ويُعيد إنتاج التضحية بوصفها قيمة قائمة بذاتها، لا كاستثمار وطني في مسار التحرير. وهنا، تحديداً، بدأ التآكل الصامت للمشروع الوطني الفلسطيني، لا بفعل القوة الاستعمارية وحدها، بل بفعل خياراتنا الخطابية والسياسية أيضاً.
وعلى الضفة الأخرى، يُستعاد في الخطاب السياسي هوسُ مصطلحات من قبيل قائد بحجم وطن، والرصاصة الأولى، والطلقة الأولى، والحجر الأول، وكأن فعل البدء الأعمى قد جرى تحويله إلى بديل عن الوعي السياسي، وإلى معيارٍ مُختزل للشرعية الثورية. هذا المنطق يوحي، ضمناً، بأن من سبقونا في دروب التحرر لم يناضلوا، ولم يقاتلوا، ولم يدفعوا أثماناً باهظة، بل كانوا غائبين عن الفعل التاريخي. وهذا أيضاً منطق لا يُنتج وعياً تحررياً، بل يختزل التجربة الثورية الفلسطينية في لحظة رمزية، ويتجاهل كونها مساراً طويلاً، معقداً، ومتعدد الأدوات. التاريخ لا يدعم هذا الاختزال. فالثورة الجزائرية لم تنتصر لأنها أطلقت الرصاصة الأولى، بل لأنها بنت جبهة تحرير وطني، وحددت عدوها بوضوح، وربطت الكفاح المسلح بمشروع سياسي ودبلوماسي وقانوني متكامل. وفيتنام لم تهزم أقوى قوة عسكرية في العالم لأنها قاومت فقط، بل لأنها أدارت حرب تحرير شعبية شاملة، عرفت متى تقاتل، ومتى تفاوض، ومتى تصبر، ومتى تضرب، ضمن رؤية استراتيجية وطنية موحدة خضعت لها كل القوى المقاتلة.
في المقابل، فإن تعميم مصطلح المقاومة في الحالة الفلسطينية، دون ضبطه ضمن إطار تحرري جامع، أتاح نشوء ما يمكن تسميته باقتصاد الفعل المقاوم: أفعال عالية الكلفة، محدودة العائد، مرتفعة الرمزية، صفرية الحصيلة السياسية. وقد بلغ هذا المسار ذروته الكارثية في غزة، حيث جرى استنزاف الإنسان، والأرض، والبنية الوطنية، وصولاً إلى واقع فُرض فيه الإذعان تحت ركام الدمار، مع فاقد وطني عام فادح، دون اقتراب حقيقي من هدف التحرير. وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس، لا تبدو الصورة أقل قتامة: أوصال مقطعة، نزوح قسري لسكان مخيمات الشمال، حواجز عسكرية خانقة، تهجير للتجمعات الرعوية، هدم للمنازل والبنى التحتية، طرق التفافية تخنق التجمعات السكانية، وتسريع منهجي في الأسرلة والتهويد، ومصادرة للأراضي لصالح الزحف الاستيطاني الممنهج. كل ذلك يُنتج وقائع تُستخدم لتكريس جوهر المشروع الصهيوني القائم على السيطرة والإحلال، لا على إدارة نزاع مؤقت. في هذا السياق، لا يجوز الهروب إلى الأمام، ولا الاكتفاء بلوم النظام الدولي، ولا الاحتماء بقدسية الدم لتجميد النقد. فالنقد الذاتي، حين يكون مؤلماُ، هو فعل إنقاذ. والأسئلة التي يجب طرحها بوضوح هي: هل خدم خطاب المقاومة بصيغته الراهنة المشروع الوطني الفلسطيني، أم ساهم، بقصد أو بغير قصد، في تفكيكه وتجزئته وإضعاف قدرته على إنتاج إجماع وطني جامع؟ وهل آن الأوان لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ضمن استراتيجية موحدة، غايتها تحرير الأرض والإنسان، لا إدارة الصراع إلى ما لا نهاية؟
العودة إلى مصطلحات التحرر ليست حنيناً رومانسياً للماضي، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فمصطلحات مثل الثورة، والفدائي، والمناضل، والانتفاضة الشعبية، والنضال الوطني الشامل، تُعيد تعريف الفلسطيني بوصفه فاعلاً تاريخياً يسعى للتحرير، لا ضحية دائمة في صراع مفتوح بلا أفق. وهي تُعيد توجيه البوصلة من إدارة الصراع إلى حسمه، ومن استنزاف الدم إلى بناء القوة الوطنية المركّبة. إن أخطر ما أصاب الوعي الجمعي الفلسطيني ليس الهزيمة العسكرية، بل تطبيع فكرة المقاومة بلا أفق. فالمقاومة، حين تنفصل عن التحرر، تتحول إلى شكل من أشكال التعايش القسري مع الاستعمار الاستيطاني، لا أداة لتقويضه. والخلاصة: ليس الفلسطينيون بحاجة إلى مزيد من الأفعال، بل إلى استعادة مشروع التحرر الوطني بوصفه الإطار الناظم لكل فعل. فحين يُقدّس المشروع الوسيلة يفشل، وحين يستبدل الوسيلة بالغاية يضيع، وحين يفصل الوسيلة عن الهدف يستنزف شعبه. فالشعوب لا تتحرر لأنها تقاوم بلا توقف، بل لأنها تعرف لماذا تقاتل، ومتى تتوقف، وكيف تحوّل الفعل إلى نتيجة، والدم إلى حرية. ولنتذكر دائماً: عندما يرقص الفيل، يتألم العشب.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
8/1/2025