الجميع يقترب من الحرب: الشرق الأوسط على حافة الخطأ القاتل
بي دي ان |
06 يناير 2026 الساعة
01:52م
الكاتب
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب دائماً بقرار، بل أحياناً بخطأ في التقدير، أو ضربة تتجاوز سقفها، أو لحظة يفشل فيها الردع. هكذا يقف الصراع الإيراني-الصِّهو-أمريكي اليوم: قوة بلا حسم، وردع بلا ضمانات، ومنطقة تحبس أنفاسها لأن أي طرف لا يريد الحرب، لكن الجميع يقترب منها أكثر مما يُعلن. وفي قلب هذا الصراع، تتشابك الحسابات العسكرية والسياسية والاجتماعية بشكل معقد، وتتقاطع أبعاد القوة الداخلية مع الاستراتيجية المحلية والإقليمية والدولية. تمتلك إيران عناصر قوة واضحة تشمل ترسانة صاروخية متنامية، قدرات سيبرانية واستخبارية متقدمة، وعمقاً جغرافياً وبشرياً يمكّنها من امتصاص الصدمات، إضافة إلى معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع الاحتلال الإسرائيلي الحساسة، مما يعزز قدرتها على الرد الانتقائي. ومع ذلك، لوحظ إضعاف الأذرع الإقليمية لإيران بشكل ملحوظ، ما يقلل من إمكانية الاعتماد عليها كعنصر فعال في أي صراع واسع ويزيد من تعقيد حسابات الردع.
امتلاك القوة لا يعني حرية استخدامها، إذ تدرك طهران أن أي انزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد استقرار النظام، لذلك تفضل إدارة الردع بحذر مع ضبط استخدام الأذرع العسكرية والإقليمية. إيران قادرة على توجيه ضربات موجعة للاحتلال، كما ظهر في المواجهة الأخيرة في حزيران 2025 عبر الاستهداف الدقيق للبنى التحتية الإسرائيلية عالية التقنية، لكنها مقيدة بمبادئ الردع والاعتبارات الاستراتيجية، حيث تسعى للبقاء ضمن سقف الرد المؤلم وغير الانتحاري. هذه القدرة المحدودة على التحرك العسكري تجعل أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي يتطلب حسابات دقيقة للرد الإيراني المحتمل.
في المقابل، تتمتع إسرائيل بتفوق عسكري وتقني واضح، وقدرة مثبتة على تنفيذ ضربات دقيقة داخل العمق الإيراني عبر سلاح الجو، العمليات الخاصة، والحرب السيبرانية. لكنها غير قادرة لوحدها على الحسم الاستراتيجي الكامل، وبالتالي أي حرب استنزاف متوسطة أو طويلة تتطلب مشاركة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يعكس قوة تكتيكية مقابل قيود استراتيجية. وتعتمد إسرائيل على منظومات دفاع متقدمة مثل: حيتس، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية، مدعومة بمنظومة ثاد الأمريكية، لمواجهة الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم الكلفة الباهظة لكل صاروخ مقارنة بالصواريخ الإيرانية منخفضة الثمن. الاستنزاف الاقتصادي والاستراتيجي الناتج عن هذه العمليات يفرض سقفاً زمنياً ومالياً للقدرة على الاستمرار ويجعل أي مواجهة مطولة مع إيران محفوفة بالمخاطر.
تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على العامل الداخلي الإيراني باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للتحكم. فالمظاهرات في إيران حتى الآن ذات طابع اجتماعي ومطلبي، خاضعة لرقابة أمنية وإعلامية مشددة، ولم تتطور إلى مشروع سياسي منظم قادر على تهديد النظام. قوات الباسيج والحرس الثوري يسيطران على الأرض، فيما يسمح النظام بهوامش تنفيس محسوبة لمنع أي انفجار مفاجئ، لذلك يعتمد الرهان الخارجي على التآكل البطيء، وهو خيار طويل الأمد وغير مضمون النتائج. رغم القدرة العسكرية الأمريكية الهائلة، لا تبدو واشنطن متجهة لخوض حرب شاملة مع إيران، إذ تعني مثل هذه الحرب اضطراباً إقليمياً واسعاً، صدمة اقتصادية عالمية، وفتح جبهات متعددة يصعب التحكم فيها. لذلك تفضل الإدارة الأمريكية إدارة الصراع عبر العقوبات، العمليات السيبرانية، والضغط السياسي، مع دعم الحلفاء دفاعياً دون الانخراط المباشر. أي سيناريو لاختطاف المرشد على غرار اختطاف الرئيس مادورو، يحمل مخاطر عالية واحتمالات الفشل أكبر من النجاح. وتجارب سابقة مثل عملية تحرير الرهائن في طهران عام 1980 ومحاولة اختطاف نائب الرئيس الصومالي محمد فارح عديد عام 1993 شاهد على ذلك، إذ أدت تعقيدات التنفيذ إلى خسائر بشرية وعسكرية وسياسية.
السيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القريب هو استمرار الاحتواء البارد: ضربات محدودة، استنزاف متبادل، وتصعيد إعلامي محكوم، مع احتمال ضربة إسرائيلية دقيقة ورد إيراني محسوب. الحرب الإقليمية الشاملة تبقى خياراً منخفض الاحتمال بسبب التكاليف الباهظة وعدم رغبة أي طرف بالتصعيد الكامل. الخطر الأكبر يكمن في سيناريوهات البجعة السوداء: خطأ غير مقصود، ضربة تستهدف موقعاً حساساً، انهيار داخلي مفاجئ، هجوم سيبراني يعطل مراكز القيادة، أو تطور مفاجئ في احتجاجات الداخل الإيراني يتجاوز السيطرة الأمنية.
باختصار، إيران قوية لكنها مقيدة، إسرائيل متفوقة لكنها غير قادرة على الحسم وحدها، والولايات المتحدة قادرة لكنها غير راغبة في حرب شاملة. أذرع إيران الإقليمية ضعفت ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل فعّال، خصوصاً حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد والفصائل المقاتلة المتحالفة معها في غزة، ما يضيف بعداً جديداً لحسابات الردع والقدرة على التصعيد ويجعل أي تحرك محفوفاً بالمخاطر. بين هذه المعادلة المعقدة، يُدار الصراع على حافة الهاوية، حيث لا ينتصر الأقوى دائماً، بل من يعرف متى يتوقف، ومتى يضغط، ومتى يخشى الخطأ. الحرب في الشرق الأوسط ليست مستبعدة، لكنها مؤجلة إلى أن يخطئ أحد الأطراف الحساب أو يظهر حدث غير متوقع يغير قواعد اللعبة ويعيد تشكيل مشهد الشرق الأوسط برمته.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
6/1/2026
بي دي ان |
06 يناير 2026 الساعة 01:52م
امتلاك القوة لا يعني حرية استخدامها، إذ تدرك طهران أن أي انزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد استقرار النظام، لذلك تفضل إدارة الردع بحذر مع ضبط استخدام الأذرع العسكرية والإقليمية. إيران قادرة على توجيه ضربات موجعة للاحتلال، كما ظهر في المواجهة الأخيرة في حزيران 2025 عبر الاستهداف الدقيق للبنى التحتية الإسرائيلية عالية التقنية، لكنها مقيدة بمبادئ الردع والاعتبارات الاستراتيجية، حيث تسعى للبقاء ضمن سقف الرد المؤلم وغير الانتحاري. هذه القدرة المحدودة على التحرك العسكري تجعل أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي يتطلب حسابات دقيقة للرد الإيراني المحتمل.
في المقابل، تتمتع إسرائيل بتفوق عسكري وتقني واضح، وقدرة مثبتة على تنفيذ ضربات دقيقة داخل العمق الإيراني عبر سلاح الجو، العمليات الخاصة، والحرب السيبرانية. لكنها غير قادرة لوحدها على الحسم الاستراتيجي الكامل، وبالتالي أي حرب استنزاف متوسطة أو طويلة تتطلب مشاركة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يعكس قوة تكتيكية مقابل قيود استراتيجية. وتعتمد إسرائيل على منظومات دفاع متقدمة مثل: حيتس، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية، مدعومة بمنظومة ثاد الأمريكية، لمواجهة الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم الكلفة الباهظة لكل صاروخ مقارنة بالصواريخ الإيرانية منخفضة الثمن. الاستنزاف الاقتصادي والاستراتيجي الناتج عن هذه العمليات يفرض سقفاً زمنياً ومالياً للقدرة على الاستمرار ويجعل أي مواجهة مطولة مع إيران محفوفة بالمخاطر.
تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على العامل الداخلي الإيراني باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للتحكم. فالمظاهرات في إيران حتى الآن ذات طابع اجتماعي ومطلبي، خاضعة لرقابة أمنية وإعلامية مشددة، ولم تتطور إلى مشروع سياسي منظم قادر على تهديد النظام. قوات الباسيج والحرس الثوري يسيطران على الأرض، فيما يسمح النظام بهوامش تنفيس محسوبة لمنع أي انفجار مفاجئ، لذلك يعتمد الرهان الخارجي على التآكل البطيء، وهو خيار طويل الأمد وغير مضمون النتائج. رغم القدرة العسكرية الأمريكية الهائلة، لا تبدو واشنطن متجهة لخوض حرب شاملة مع إيران، إذ تعني مثل هذه الحرب اضطراباً إقليمياً واسعاً، صدمة اقتصادية عالمية، وفتح جبهات متعددة يصعب التحكم فيها. لذلك تفضل الإدارة الأمريكية إدارة الصراع عبر العقوبات، العمليات السيبرانية، والضغط السياسي، مع دعم الحلفاء دفاعياً دون الانخراط المباشر. أي سيناريو لاختطاف المرشد على غرار اختطاف الرئيس مادورو، يحمل مخاطر عالية واحتمالات الفشل أكبر من النجاح. وتجارب سابقة مثل عملية تحرير الرهائن في طهران عام 1980 ومحاولة اختطاف نائب الرئيس الصومالي محمد فارح عديد عام 1993 شاهد على ذلك، إذ أدت تعقيدات التنفيذ إلى خسائر بشرية وعسكرية وسياسية.
السيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القريب هو استمرار الاحتواء البارد: ضربات محدودة، استنزاف متبادل، وتصعيد إعلامي محكوم، مع احتمال ضربة إسرائيلية دقيقة ورد إيراني محسوب. الحرب الإقليمية الشاملة تبقى خياراً منخفض الاحتمال بسبب التكاليف الباهظة وعدم رغبة أي طرف بالتصعيد الكامل. الخطر الأكبر يكمن في سيناريوهات البجعة السوداء: خطأ غير مقصود، ضربة تستهدف موقعاً حساساً، انهيار داخلي مفاجئ، هجوم سيبراني يعطل مراكز القيادة، أو تطور مفاجئ في احتجاجات الداخل الإيراني يتجاوز السيطرة الأمنية.
باختصار، إيران قوية لكنها مقيدة، إسرائيل متفوقة لكنها غير قادرة على الحسم وحدها، والولايات المتحدة قادرة لكنها غير راغبة في حرب شاملة. أذرع إيران الإقليمية ضعفت ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل فعّال، خصوصاً حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد والفصائل المقاتلة المتحالفة معها في غزة، ما يضيف بعداً جديداً لحسابات الردع والقدرة على التصعيد ويجعل أي تحرك محفوفاً بالمخاطر. بين هذه المعادلة المعقدة، يُدار الصراع على حافة الهاوية، حيث لا ينتصر الأقوى دائماً، بل من يعرف متى يتوقف، ومتى يضغط، ومتى يخشى الخطأ. الحرب في الشرق الأوسط ليست مستبعدة، لكنها مؤجلة إلى أن يخطئ أحد الأطراف الحساب أو يظهر حدث غير متوقع يغير قواعد اللعبة ويعيد تشكيل مشهد الشرق الأوسط برمته.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
6/1/2026