الطفل خالد… حين تنتصر الأمانة على الحرب !
بي دي ان |
01 يناير 2026 الساعة
11:22م
الطفل خالد دحلان
غزة - بي دي ان - عبد الهادي مسلم
في سوقٍ أنهكته الخيام، وتحت سماء مثقلة بصوت الطائرات ووجع النزوح، لم يكن المشهد عاديًا. طفلٌ مصاب، نازح، فقد بيته وجدّه، ويعيش مع أسرته في مركز إيواء بمخيم النصيرات، يعثر على محفظةٍ تحوي مبلغًا من المال.
كان يمكن للجوع والحاجة للطفل أن يبرّرا الاحتفاظ بها، لكن خالد محمد دحلان (13 عامًا) اختار طريقًا آخر… طريق الأمانة.
الطفل خالد، النازح من جباليا، وجد المحفظة بالقرب من صيدلية الزهور في سوق المخيم، وما إن فتحها حتى أدرك أنها أمانة ليست له. لم يتردد، ولم يُغره ما بداخلها، بل أسرع بتسليمها إلى جدّه، رافضًا الاحتفاظ بشيء لا يخصه.
يقول خالد بصوت هادئ تخالطه براءة الطفولة ووجع التجربة:
"أول ما شفت المحفظة حسّيت إنها مش إلنا، وقلت لحالي: في حد ممكن يكون محتاجها أكتر مني. أبوي دايمًا علّمنا إن الأمانة دين وان ردها إلى أصحابها واجب وضرورة ،."
لم يكن خالد يتحدث من فراغ؛ فهو ما يزال يتلقى العلاج من إصابة تعرّض لها قبل نحو عشرين يومًا، حين كان برفقة جدّه في شرق جباليا قرب الخط الأصفر. هناك، استُهدف المكان، واستُشهد جدّه في ذات اللحظة، بينما نجا خالد بأعجوبة، ليبدأ رحلة علاجٍ قاسية لا تزال مستمرة.
الجدّ " ا الذي تسلّم الأمانة هذه المرة لم يكن الشهيد، بل جدّه الآخر، أسعد محمود مغاري “أبو سائد”، من مخيم البريج، الذي حمل المحفظة وبادر فورًا بالبحث عن صاحبها، حتى تبيّن أنها تعود للمحامي صالح محمد صالح هارون، ليتم إرجاعها كاملة دون نقص.
يقول الجد أبو سائد، وعيناه تلمعان فخرًا وحزنًا في آن واحد:
"والله يا ابني، أنا موجوع على خالد وعلى اللي شافه، لكن اللي عمله اليوم خلاني أرفع راسي. هذا الطفل خسر كتير، بس ما خسر أخلاقه. هاي تربية، وهاي فلسطين اللي بدهم يكسروها وما بقدروش."
ويضيف وهو يحتضن حفيده المصاب:"نحن ممكن نتهجّر، ممكن نوجع، لكن الأمانة إذا راحت بروح كل شيء. خالد علّم الكبار درس وهو لسه طفل."
صاحب المحفظة ما أن علم من قريبه أن المحفظة ومبلغ المال قد وجدها الطفل حتى طار فرحا ويقول الحمد لله ما زال الخير في شعبي وعلى الفور توجه إلى جد الطفل ليستلم أمانته
اصر صاحب المحفظة المحامي الذي قبل راس الطفل صالح هارون أن يعطيه هدية ولكنه رفض وبعد إلحاح ورفض اضطر أن يقبلها واعدا إياه أن يزوره في المستشفى والذي تردد إليها بين الفينة الأخرى
أما والده، الذي بُترت ساقه، فقال بفخرٍ يختصر وجع السنين: «أنا أفتخر بابني… هذا ما ربيته عليه، والحمد لله»، مشيرًا إلى أن الأمانة كانت سمةً راسخة في طفله منذ نعومة أظفاره، إذ كان كلما عثر على بعض الشواكل يسأل فورًا: «مين صاحبها؟» ولا يهدأ حتى يعيدها لأصحابها.
واستعاد الوالد مشهدًا موجعًا لا يفارقه، حين كان طفله برفقة جده، الذي كان يحبه حبًا جمًّا، أثناء ذهابهما لتفقد منزلهما شمال قطاع غزة. هناك، باغتهم جنود الاحتلال بوابل من الرصاص، فأُصيب الجد. عندها قال الطفل لجده، بقلبٍ يفوق عمره: «أنا سأسعفك يا جدي»، وحاول إنقاذه رغم الخطر.
لكن جنود الاحتلال لم يتوقفوا، فأطلقوا النار على ساقي الطفل فأصابوه، وفي تلك اللحظة القاسية، وبين الألم والدم، طلب الجد من حفيده أن ينطق الشهادة، في مشهدٍ يختصر قسوة الاحتلال وبراءة الطفولة، ويجسد معاني التضحية والإيمان التي لا تنكسر حتى في أحلك اللحظات.
وتمنى والد الطفل أن يستكمل طفله علاجه في الخارج لانه يعاني من أثر الإصابة
قصة خالد ليست مجرد حادثة عابرة، بل رسالة صادقة تقول إن الحرب، بكل قسوتها، لم تستطع اقتلاع القيم من قلوب أطفال فلسطين. ففي زمن الفقد والجراح، ما زال الخير ممكنًا، وما زالت الأمانة حاضرة، تنبض في يد طفلٍ جريح، اختار أن يكون أمينًا… حين كان الألم أقرب من أي شيء آخر.
—
بي دي ان |
01 يناير 2026 الساعة 11:22م
غزة - بي دي ان - عبد الهادي مسلم
كان يمكن للجوع والحاجة للطفل أن يبرّرا الاحتفاظ بها، لكن خالد محمد دحلان (13 عامًا) اختار طريقًا آخر… طريق الأمانة.
الطفل خالد، النازح من جباليا، وجد المحفظة بالقرب من صيدلية الزهور في سوق المخيم، وما إن فتحها حتى أدرك أنها أمانة ليست له. لم يتردد، ولم يُغره ما بداخلها، بل أسرع بتسليمها إلى جدّه، رافضًا الاحتفاظ بشيء لا يخصه.
يقول خالد بصوت هادئ تخالطه براءة الطفولة ووجع التجربة:
"أول ما شفت المحفظة حسّيت إنها مش إلنا، وقلت لحالي: في حد ممكن يكون محتاجها أكتر مني. أبوي دايمًا علّمنا إن الأمانة دين وان ردها إلى أصحابها واجب وضرورة ،."
لم يكن خالد يتحدث من فراغ؛ فهو ما يزال يتلقى العلاج من إصابة تعرّض لها قبل نحو عشرين يومًا، حين كان برفقة جدّه في شرق جباليا قرب الخط الأصفر. هناك، استُهدف المكان، واستُشهد جدّه في ذات اللحظة، بينما نجا خالد بأعجوبة، ليبدأ رحلة علاجٍ قاسية لا تزال مستمرة.
الجدّ " ا الذي تسلّم الأمانة هذه المرة لم يكن الشهيد، بل جدّه الآخر، أسعد محمود مغاري “أبو سائد”، من مخيم البريج، الذي حمل المحفظة وبادر فورًا بالبحث عن صاحبها، حتى تبيّن أنها تعود للمحامي صالح محمد صالح هارون، ليتم إرجاعها كاملة دون نقص.
يقول الجد أبو سائد، وعيناه تلمعان فخرًا وحزنًا في آن واحد:
"والله يا ابني، أنا موجوع على خالد وعلى اللي شافه، لكن اللي عمله اليوم خلاني أرفع راسي. هذا الطفل خسر كتير، بس ما خسر أخلاقه. هاي تربية، وهاي فلسطين اللي بدهم يكسروها وما بقدروش."
ويضيف وهو يحتضن حفيده المصاب:"نحن ممكن نتهجّر، ممكن نوجع، لكن الأمانة إذا راحت بروح كل شيء. خالد علّم الكبار درس وهو لسه طفل."
صاحب المحفظة ما أن علم من قريبه أن المحفظة ومبلغ المال قد وجدها الطفل حتى طار فرحا ويقول الحمد لله ما زال الخير في شعبي وعلى الفور توجه إلى جد الطفل ليستلم أمانته
اصر صاحب المحفظة المحامي الذي قبل راس الطفل صالح هارون أن يعطيه هدية ولكنه رفض وبعد إلحاح ورفض اضطر أن يقبلها واعدا إياه أن يزوره في المستشفى والذي تردد إليها بين الفينة الأخرى
أما والده، الذي بُترت ساقه، فقال بفخرٍ يختصر وجع السنين: «أنا أفتخر بابني… هذا ما ربيته عليه، والحمد لله»، مشيرًا إلى أن الأمانة كانت سمةً راسخة في طفله منذ نعومة أظفاره، إذ كان كلما عثر على بعض الشواكل يسأل فورًا: «مين صاحبها؟» ولا يهدأ حتى يعيدها لأصحابها.
واستعاد الوالد مشهدًا موجعًا لا يفارقه، حين كان طفله برفقة جده، الذي كان يحبه حبًا جمًّا، أثناء ذهابهما لتفقد منزلهما شمال قطاع غزة. هناك، باغتهم جنود الاحتلال بوابل من الرصاص، فأُصيب الجد. عندها قال الطفل لجده، بقلبٍ يفوق عمره: «أنا سأسعفك يا جدي»، وحاول إنقاذه رغم الخطر.
لكن جنود الاحتلال لم يتوقفوا، فأطلقوا النار على ساقي الطفل فأصابوه، وفي تلك اللحظة القاسية، وبين الألم والدم، طلب الجد من حفيده أن ينطق الشهادة، في مشهدٍ يختصر قسوة الاحتلال وبراءة الطفولة، ويجسد معاني التضحية والإيمان التي لا تنكسر حتى في أحلك اللحظات.
وتمنى والد الطفل أن يستكمل طفله علاجه في الخارج لانه يعاني من أثر الإصابة
قصة خالد ليست مجرد حادثة عابرة، بل رسالة صادقة تقول إن الحرب، بكل قسوتها، لم تستطع اقتلاع القيم من قلوب أطفال فلسطين. ففي زمن الفقد والجراح، ما زال الخير ممكنًا، وما زالت الأمانة حاضرة، تنبض في يد طفلٍ جريح، اختار أن يكون أمينًا… حين كان الألم أقرب من أي شيء آخر.
—