جنين: العُقدة الإسرائيلية والصمت الدولي

بي دي ان |

04 يوليو 2023 الساعة 06:48م

المشرف العام
من جديد تغريبة فلسطينية، وتهجير قسري لأكثر من خمسمائة عائلة فلسطينية من جنين في اليوم الأول، بعد اجتياح وعدوان إسرائيلي لمخيم جنين هو الأعنف والأقسى منذ عام 2002 حيث "عملية السور الواقي"، والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى وهدم البنى التحتية للمخيم. 

جيش الموت الإسرائيلي يغير مرة أخرى على بيوت الآمنين ليلًا في الثالث من تموز الجاري، قرارا اتخذته قيادة الجيش منذ أكثر من أسبوعين لينتظروا التوقيت المناسب لهم لينقضوا على فريستهم، مخلفين عشرة من الشهداء ونحو مئة جريح بينهم عشرون بحالة خطيرة. وفق بوزارة الصحة الفلسطينية، والعدد مرشح للزيادة كون العملية مازالت مستمرة.

وحدات مِن أقوى وأعتى النخب العسكرية وأكثر من ألف جندي يشارك في قصف جنين وضربها برا وجوا تحت متابعة قيادة الجيش ورئاسة الوزراء الإسرائيلية في محاولة لتحسين صورته بين الشعب الإسرائيلي، حالة من الاستقواء والاستعراض على مدنيين عزل. 

ليلة دامية (ومازالت حتى كتابة هذه السطور ) يعيشها المواطنون مصحوبة بالرعب والفزع من جانب، ومشهد مبهر من الصمود والثبات والمعنويات العالية من جانب آخر، جنين العصية على الانكسار، والتي مشى فيها ليلة أمس "جدول دماء" وجثث ملقى على الطرقات ونساء وأطفال يبحثون عن أماكن آمنة تحميهم من بطش احتلال لا يعرف الإنسانية ولا يقر بها في أجندته الملطخة بالدماء، ومع ذلك تعود جنين تجدد العهد وترسل للكون رسالة مفادها إما الحرية وإما الحرية، وهو حق مشروع لأي شعب يرزح تحت الاستعمار.
 
جنين المحاصرة والدامية والثابتة والصامدة كعادتها تنال شرف الدفاع عن الأمة، وتعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية لتتصدر فلسطين عناوين الصحف العالمية من جديد، وتصدع رؤوس من يعتقدون أن الشعب الفلسطيني يرضخ ويستسلم. 

استخفاف المجتمع الدولي بحقوق الفلسطينيين بحريتهم وكرامتهم وصمتهم عن الجرائم الإسرائيلية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني هو من ساهم أيضًا بالواقع المظلم المعاش، لكنه النفاق السياسي وازدواجية المعايير.

ليست هي المرة الأولى التي تترك فلسطين لوحدها وإنما جرت العادة على ذلك، رغم ما سنراه قريبا من اجتماعات ومشاورات تنتهي ببيانات الشجب والاستنكار. 

أكثر من خمس وسبعون عاما والشعب الفلسطيني يطالب بتحقيق العدالة الدولية وحقه في تقرير مصيره على أرضه ولا حياة لمن تنادي، ثم يصبح الفلسطيني ارهابيا ويجب الخلاص منه. 

الجميع يدرك حجم المؤامرة على الشعب الفلسطيني، والرغبة بالخلاص منه، من القريب قبل البعيد، (إلا من رحم ربي ) ومع ذلك سيبقى الفلسطيني ثابتًا صامدًا وإن بقي وحيدا، والتاريخ خير دليل، والشواهد كثيرة. 

لكن ماهو مطلوب وغير مقبول أن يترك الفلسطيني الفلسطيني، فما يعيشه الفلسطينيون في جنين من انتظار مرغم للموت، هو أبشع لحظات ممكن أن يعيشها الإنسان، وخير فعلت القيادة الفلسطينية بجملة القرارات التي اتخذتها ليلة أمس، سواء كان بدعوة لاجتماع الأمناء العامين للفصائل أو وقف الاتصالات واللقاءات مع الجانب الإسرائيلي والاستمرار في وقف التنسيق الأمني بعد اجتياح جنين. وما هو أهم من ذلك هو الإشارة إلى الأجهزة والهيئات الفلسطينية أخذ دورها في مهمة الدفاع عن شعبهم، على أمل أن يحرك جدول الدماء الذي يشق أزقة جنين مشاعر وضمائر العالم للوقوف أمام مسؤولياته وتوفير الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني ومعاقبة مرتكبي الجرائم الوحشية بحقه.

وفي ظل هذا المشهد الدامي كم هو مؤلم ومحزن أن هذا المشهد بكل تفاصيله وكل الدماء النازفة والشهداء الملقاة أمام الناظرين لم تعمل على توحيد الصف الفلسطيني في مواجهة جيش الاستعمار وما يقترفه من جرائم حرب ضد الأبرياء، فما أقسانا على أنفسنا وكم نحن لينين على الآخرين.