درس كازاخستان الفكري

بي دي ان | 09 يناير 2022 الساعة 11:31م

  • مشاركة

عمر حلمي الغول

  • رابط مختصر تم النسخ

عاشت جمهورية كازاخستان مع مطلع العام الحالي (2022) تطورات دراماتيكية في اعقاب ارتفاع أسعار الغاز المسال، واحتلت الدولة الأكبر في اسيا الوسطى صدارة الصحافة والفضائيات ووكالات الانباء العالمية مع اندفاع المظاهرات لشوارع جاوزين في منطقة مانغيستاو غرب البلاد، قبل ان تنتقل شرارتها بشكل غير مسبوق إلى مدينة أكتاو، ثم الى عاصمة الاقتصاد الكازاخستاني، الماتا.
وامتدت المظاهرات على مساحة البلاد بشكل سريع وعنيف، مع انها بدأت سلمية، لكنها سرعان ما تحولات لمظاهرات عنفية، استهدفت مؤسسات الدولة، وشابها الفوضى والنهب، وغيرها من الاعمال المسيئة للحراك الشعبي. مما نجم عنها سقوط عشرات الضحايا وما يزيد على الالف جريح من ضمنهم ما لا يقل 320 شرطيا ورجل امن وما يزيد على العشرين ضحية، وهذا عكس حجم ونوعية التحولات الاجتماعية، واختلاط وعي القوى المحركة بين مصالح الشعب والفوضى، الامر الذي ساعد النظام في التشهير بالقائمين على الحراك الشعبي. وساعد النظام الذي استقل عن الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، وحكم لمدة ثلاثة عقود من قبل الرئيس نور سلطان نزارباييف حتى عام 2019، عندما حل محله الرئيس الحالي، توكاييف، الذي يعتبر ظلا وامتدادا له ولحكمه، على تشويه صورة الانتفاضة او الثورة، التي ارادت اسقاط النظام حسب الشعارات، التي رفعها المتظاهرون، الذين رفضوا تراجع نظام الرئيس قاسم جومارت توكاييف عن رفع الأسعار، وعودة الأمور لما كانت عليه قبل المظاهرات.
وهو ما يشير إلى ان رفع الغاز لم يكن سوى الشرارة، التي اشعلت السهل الكازاخستاني. لان الواقع الاجتماعي الاقتصادي يشير إلى وجود عوامل مختلفة ساهمت في تعاظم حركة الشارع الكازاخستاني، ومنها ان نسبة الفقر في البلاد وصلت إلى 13%، رغم ان كازاخستان تعتبر تاسع اكبر دولة في المساحة عالميا (2,7 مليون كيلو متر مربع)، وتتمتع بأكبر اقتصاد في اسيا الوسطى. وهذا يعود لكونها من الدول الغنية بالنفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى. وبالتالي لم تكن المظاهرات الضخمة، والواسعة الانتشار في طول وعرض البلاد تنحصر برفض زيادة أسعار الغاز، وانما تستهدف بنية ومركبات النظام السياسي بشكل كامل. الامر الذي دفع روسيا الاتحادية المرتبطة مع دولة الرابطة الاسيوية بتحالف إقليمي تحت مسمى "منظمة الامن الجماعي" الى التدخل أولا لانها جزء هام من الدول التابعة للمنظومة الأمنية الروسية، ثانيا يوجد فيها اهم واكبر قاعدة فضائية منذ 60 عاما، وهي قاعدة "بايكونور الفضائية"، التي انطلق منها رائد الفضاء يوري غاغارين؛ ثالثا تقع مباشرة على حدود الدولة الروسية، وهي اسوة باوكرانيا، تعتبر من الحداق الخلفية للدولة الروسية؛ رابعا كما انها جزء لا يتجزأ من تقاسم النفوذ في العالم بين الأقطاب الدولية. التي لا يمكن حتى الان تغيير جوهري فيها، طالما بقيت روسيا الاتحادية احد الأقطاب الدولية المقررة في السياسية العالمية، وهو ما يعرفه الغرب الرأسمالي عموما والولايات المتحدة خصوصا، وبالتالي الحملات الإعلامية الغربية، وفرض المزيد من العقوبات، وتسخين الحرب الباردة، ليست اكثر من عملية ابتزاز، ومحاولات لفرض معادلات جديدة في الجيوبوليتك والنفوذ الروسي، تمهيدا للتقاسم الجديد في العالم، الذي مازال يتفاعل على نار دافئة.
النقطة المهمة في المعادلة الجديدة، هي رغم نضوج عوامل الثورة الذاتية في بلد كما كازاخستان، بيد ان العامل الموضوع، كانت له اليد الطولى في تقرير مستقبل البلاد. ولم يسمح للشعب الكازاخستاني تقرير مصيره بنفسه، لان اية تحولات داخلية في كازاخستان خارج نطاق سيطرة القطب المقرر في الإقليم، يعني خلط أوراق الإقليم ومعادلات تقسيم النفوذ في العالم، وهو ما لا يمكن لروسيا بغض النظر عن اسم الحاكم او الحزب القائد القبول به. لان المصالح القومية الروسية كلها تصبح على كف عفريت في حال تغاضت عن تلك التحولات، وتصبح لاحقا لقمة سائغة في فم الغرب والشرق على حد سواء.
والنتيجة الفكرية العلمية، التي كرستها الثورات العالمية تاريخيا والقائلة، في حال نضجت شروط الثورة، وامسى نظام الحكم ضعيفا، وغير قادر على الحكم والإمساك بزمام الأمور، وبات الشعب فاقدا الثقة بالنظام السياسي، ولا يقبل ببقائه، فإن الثورة تصبح لا محالة حتمية وضرورية. ومع ان الاستنتاج العلمي منح دورا حاسما للعامل الموضوعي كمساعد للثورة. لكنه منح الأولوية والتقرير للعامل الذاتي في مسار الثورة. لكن عالم ما بعد العولمة الأميركية، وفي ضوء التحولات النوعية، وصراع الأقطاب على تقاسم النفوذ الجديد في العالم، بات العامل الموضوعي مقررا، والعامل الذاتي تابعا، وهامشيا.
ومن تابع اللوحة في ما يسمى الربيع العربي، يستطيع تلمس ذات النتيجة العلمية. وهذا التحول الدراماتيكي في خارطة الصراع الوطني والقومي يستدعي التنبه له، واخذه بالحسبان، ووضعه على رأس جدول اعمال اية قيادة ثورية لحماية ثورتها او تحولاتها الإصلاحية.
[email protected]
[email protected]

التقارير

المزيد

الأعلانات

المزيد