اللغة الشعرية والدلالة عند فدوى أبو ظاهر

بي دي ان | 26 ابريل 2021 الساعة 10:34م

  • مشاركة

محمد جلال عيسى

  • رابط مختصر تم النسخ

تعتبر اللغة كنز الشاعر, فمنها تنبع عبقرية الأداء الشعري المتمثلة في قدرة الشاعر على استخراج الطاقات التعبيرية للغة بطريقة جمالية يمزج فيها بين الواقع والخيال, لإدراكه إمكانيات اللغة واكتنازها لأسرار الإبداع, "فالشعر ما أطرب, وهزَّ النفوس وحرك الطباع"(القيروان, ج1 :107), فالتحليل اللغوي وما يشمله النص من جماليات وومضات ثقافية هو ما يمكننا من الكشف عن أبعاد التجربة الشعرية, فليس من الواقع أن نستنتج الدلالات النفسية ورؤية المبدع دون الوقوف على التحليل اللغوي للنص الإبداعي, وبالنظر في شعر فدوى أبو ظاهر نجد أنها تقوم على بنيان جديد ليست له قواعد ثابتة, تغوص في أعماق المتلقي وتهوي به, فقد غلبت على نصوصها –موضوع الدراسة- لغة الدلالة غير المحددة كما في الشعر الرومانسي, فهي لغة ذات ارتباطات موقفية عاكسة لصوت العواطف النابع من تجربة إنسانية, تلجأ فيها الشاعرة إلى الاستعمالات الرمزية, كما في قصيدة (عام مرير), تقول:
ضاعتْ سنيني كما حقلٍ نَضا عَطِشاً
لو تُسقَ عطفاً لما غاضتْ أراضينـا..
ياصاحِ كفَّ الملامَ لستَ تَدرينا
لو كنتَ تدري جراحَ الروحِ تكوينا
أوكنتَ تعلمُ بَثّي كنتَ تشفينـا..
أينَ الأمانُ ولا ودٌّ يُدانينـا ؟!
اعتمدت الشاعرة على إدراكها لأسرار اللغة وبساطة مفرداتها مع الحذر الشديد من التردي في السطحية عند التعبير, فجاءت لغتها غنية بالإيحاءات العميقة, وخلت من مظاهر التصنع الفني, ويرجع ذلك للتجربة الشعورية التي تتحكم في نمط الإبداع عند الشاعرة, بعد تجربة مريرة وقاسية, وعمل المعجم الشعري في هذه الأبيات على خلق مفارقات جمالية فهناك (ضاعتْ, يُدانينـا, عَطِشاً, تُسقَ عطفاً, جراحَ, تكوينا, تشفينـا), ولكل من هذه المفردات دلالات وإيحاءات روحية وعاطفية تتجاوز معناها المعجمي, هذا وأسهم الإيقاع الحزين في نقل الإحساس بالألم والمرارة التي تعاني منهما الشاعرة, كما أن القافية النونية توحي بكتم النفس وخفض الصوت, وإلحاق ألف الإطلاق فيها يجعل المتلقي يحس بنحيب خفيف ظل يرتفع حتى وصل إلى إفراغ الشحنات المكبوتة داخل الشاعرة, وبهذا يمكن القول بأن الشاعرة فدوى أبو ظاهر تحاول أن تعتصر إمكانيات اللغة فتتجاوز حدود التعبير, من أجل أن تحيط بكل أعماق التجربة الشعورية, تاركة الدلالات المحدودة, فتقول في قصيدة (ليت شعري):
فلا طيبةٌ عندهم..لاشعورٌ
وليس مصابٌ كهذا المصابِ..
غريبٌ وحزني مقيـمٌ لدَيَّ
محافلُ دمعٍ تُغَطِّي ثيابي..!
وليتَ أتاني يزورُ ويمضي
كأيِّ الضيوفِ يطيلُ في الإيابِ..
ولكن مُصِرٌّ يظلُّ إزائي
كظلٍّ يرافقُ دونَ اجتِنابٍ..
غمامي حزينٌ يطوفُ ويُزجي 
شتاءً ورعداً بلونِ الغرابِ..
لِمَ العمرُ قد ظلَّلَتْـهُ الخطـوبُ؟
جفَتْ كُلَّ بابٍ وحلَّتْ بِبابـي!
تغرق هذه القصيدة المتلقي في بحرٍ زاخرٍ من الإيحاءات, فكأن هذه القصيدة ثمرة لمعاناة قاسية في قلب الشاعرة, تتمثل في فقدان الأمل ولكنها تجابر نفسها الثكلى, في منولوج داخلي وهي تناجي لتجيب نفسها عن هذه المعاناة, لتوحي بالتأثير النفسي العميق الذي تعانيه الشاعرة من هذا الخداع والبؤس, كما أن صوتي الباء والياء أومآ بالقلق والضجر الخانق الذي تعانيه الشاعرة, فتأرجح القصيدة بين الحلم والواقع, فتتساءل (لِمَ العمرُ قد ظلَّلَتْـهُ الخطـوبُ؟) هذا الاستفهام يسترعي الانتباه, كونه لا يحتاج إلى إجابة فإجابته في ثنايا القصيدة, ونجدها في قصيدة (مخابرات امرأة) تقول:
عينيْكَ تَعدَمْ إن تُناظرْ غيرَنا
إيـَّاكَ إنَّ لذاكَ إمرٌ يُؤثَمُ..
احذرْ لكَ الويلاتُ إنْ فكَّرْتَ في 
عشقٍ لغيري فالعقابُ جهنَّمُ..
واتْلُ الشهادةَ ودّعِ الدنيا إذا 
صافحْتَ سيّدةً وإنْ تكُ تحلُمُ..!
دربُ النّساءِ جميعُهُ فلْتنسَهُ
فأنا جميعَ خطاكَ إنّي أعلمُ..
...
تتَعَشَّقُ الأرضَ التي أمشي بها
والعشقُ يفعلُ كلَّ ما لا نعلمُ..
حيث يتجلى في هذه القصيدة كم كبير من أدوات الإنتاج الفني والمعرفي الذي يعتني بالإنتاج الفكري المفتوح الدلالة, كعمل فني, فتجعل الشاعرة من القصيدة حالة توثيقية للمشاعر الحقيقية للمرأة وربما تسجل لعلاقة حقيقة بين رجل وامرأة, ويتحول مع ذلك الحدث أو هذه العلاقة إلى عناصر أخرى مفتوحة الدلالة, تساعد الشاعرة على تشكيل تجربة داخل العمل الفني وصقله من جديد.
ونخلص إلى أن الشاعرة ركزت على الدلالة المفتوحة وغير المحددة, ويرجع ذلك إلى قاعدة فنية تنطلق منها في نظرتها الجمالية إلى لغة النص الشعري, التي تنبع من أعماقها وكأنها كائن حي يتجاوب مع الشاعرة في كل أنّة من أنّاتها, فالشعر رحلة في أعماق النفس بواسطة اللغة, التي تتجلى فيها عبقرية الأداء الشعري.

التقارير

المزيد

الأعلانات

المزيد