غزة الملعونة...

بي دي ان |

29 يوليو 2026 الساعة 11:23م

الكاتب
بين غزة وتل أبيب ليس خلاف حدود فقط. هناك عداوة أعمق من الجغرافيا؛ عداوة بين مدينة لم تتوقف عن البقاء.
غزة في الوعي الإسرائيلي المتطرف ليست مجرد مساحة محاصرة على البحر، بل عقدة تاريخية ونفسية ورمزية.
في أول أسبوع من الإبادة حين استدعى نتنياهو من التوراة مخاطباً جنوده عبارة:  تذكّروا ما فعله بكم العماليق ، لم يكن يستعير جملةً بريئة من ذاكرة الديانة اليهودية، بل كان يضغط على أخطر الأزرار في الوعي الجمعي: زر العدو المطلق؛ العدو الذي لا يُناقَش ولا يُفاوض، ولا يُفرَّق فيه بين مقاتل وطفل. هنا بالضبط تكمن الكارثة: فحين تقول لجندي إنه يقاتل العماليق ، فأنت لا تعطيه اسمًا لخصمه فقط، بل تفتح أمامه بابًا نفسيًا يرى من خلاله القتل استمرارًا لواجب مقدس، لا فعلًا بشريًا يحتاج إلى مساءلة. وغزة لم تكن غائبة عن أسفار التوراة اليهودية. ورد اسمها في عدد من نصوص الأنبياء مقرونًا بالنار والخراب والتهجير واللعنة. لكن السؤال ليس: ماذا قال النص التوراتي القديم عن غزة؟ السؤال الأخطر هو: ماذا فعل السياسي الصهيوني المتطرف بهذا النص التوراتي؟ حينها لم تعد غزة مدينةً يسكنها بشر، بل تحولت في عين القاتل إلى اسم قديم في سفر قديم من التوراة ، تتمة لنبوءة دينية يجب إنجازها بالقذائف. غزة، في هذا المنطق، لا تُعاقَب الآن لأنها فعلت شيئًا واحدًا، بل لأنها موجودة أصلًا؛ ولذلك يصبح تدمير غزة أكثر من عملية عسكرية. يصبح محاولة لإعادة كتابة التاريخ بالقوة.
غزة التي أتعبتهم ليست غزة المسلحة وحدها، بل غزة التي تقول إن الفلسطيني، حتى وهو محاصر ومكسور وجائع، لم يتحول إلى ظل، ولم يخرج من الحكاية. في الخطاب الإسرائيلي المتطرف يجري خلط متعمد بين حماس وغزة، وبين المقاتل والطفل، وبين الفصيل والمجتمع . وهذا الخلط ليس خطأً لغويًا، بل ضرورة دعائية؛ لأنك لا تستطيع أن تقصف مدينةً كاملة بضمير مرتاح إلا إذا أقنعت نفسك أولًا بأن المدينة كلها مذنبة. ولا تستطيع أن تحاصر الناس وتجوعهم وتدفعهم إلى الخيام إلا إذا محوت الفاصل بين الإنسان والعدو، هكذا فعلت بنا لغة الإبادة . بدأت بتجريد الإنسان من اسمه، ثم من قصته، ثم من براءته، ثم من حقه في الحياة. وبعدها أصبح قتلنا أسهل، وتجويعنا أسهل، وتهجيرنا أسهل، والبكاء علينا أقل كلفة ، لكن لعنة غزة لم تتوقف عند الكلمات القديمة. فبعد أن أدّت القنابل وظيفتها، وهُدمت الأحياء، وجُرفت البيوت، ونزح الناس مرةً بعد مرة، جاءت مرحلة أخرى أكثر هدوءًا في لغتها، لكنها لا تقل خطورة في نتائجها. بعد القنبلة جاءت الخريطة. وبعد كلمة العماليق جاءت الخطوط الملوّنة. خط أصفر، وخط برتقالي، ومنطقة حمراء، وأخرى خضراء، وقوة دولية، ولجنة تكنوقراط، ومراكز إيواء، وتدقيق في أسماء الراغبين بالانتقال. فجأةً لم يعد الفلسطيني إنسانًا اقتُلِع من بيته وله حق طبيعي في الأمان والعودة، بل أصبح نقطةً على خريطة، واسمًا في ملف، وعائلةً تنتظر أن يُسمح لها بدخول المنطقة الآمنة . وهنا تنتقل اللعنة من لغة كتب التوراة إلى لغة الإدارة.
في المرحلة الأولى قيل للفلسطيني: أنت عماليق ، ولذلك يجوز قتلك. وفي المرحلة الثانية يقال له: أنت نازح، لكن عليك أن تثبت أنك صالح للنجاة. لذا يتم تقديم المشروع التي تتحدث عنه التقارير مؤخراً ، بكلمات جميلة: حماية، إيواء، غذاء، خدمات، بداية جديدة. وعلى الرغم من أن الخبر قُدِّم في بعض العناوين وكأنه بداية لتسليم غزة إلى إدارة فلسطينية، فإن التفاصيل تقول شيئًا أكثر تعقيدًا.
أي إن ما يجري حتى الآن ليس تسليمًا كاملًا لغزة، ولا نقلًا مكتملًا للسيادة، بل ترتيب أولي ومحدود داخل مساحة مرسومة سلفًا. لذا نحن  أمام سؤال أخلاقي وسياسي كبير: هل يُبنى هذا المكان لحماية أهل غزة، أم لبناء غزة جديدة بعد فرز أهلها؟ هل ستتسلّم اللجنة الوطنية غزة، أم ستتسلّم جزءًا مقطّعًا منها، مرسوم الحدود سلفًا؟ هنا تكتمل صورة اللعنة.  على غزة . الكلمة القديمة جرّدت الفلسطيني من إنسانيته، والخريطة الحديثة تجرّده من مكانه.
الكلمة قالت إنه عدو يولد مذنبًا، والخريطة تقول إنه ساكن مؤقت لا يملك أن يقرر أين يعيش.اللعنة القديمة تقول إن موته قدر مكتوب، والخريطة الحديثة قد تقول إن موته خياره؛ فقد عُرضت عليه منطقة آمنة ولم ينتقل إليها. وهكذا يتحول القتل إلى نبوءة، والتهجير إلى انتقال طوعي، والوطن إلى ألوان، والإنسان إلى اسم ينتظر الموافقة. هذا لا يعني ذلك أن نرفض مأوى يحمي الناس من الموت، أو قوةً دولية توقف القتل، أو لجنةً فلسطينية تنهي الفوضى وتعيد بناء المؤسسات.
أهل غزة يحتاجون إلى الأمان اليوم، لا بعد اكتمال المفاوضات. ويحتاجون إلى بيوت ومستشفيات ومدارس وماء وكهرباء، لا إلى مزيد من الخطب.
لكن هناك فرقًا هائلًا  بين لجنة فلسطينية تستعيد غزة لأهلها، ولجنة يُطلب منها إدارة السكان داخل خريطة رسمها غيرهم.
وهناك فرق بين مركز إيواء يمنح النازح ملاذًا مؤقتًا حتى يعود إلى بيته، ومركز يتحول مع الزمن إلى عنوانه النهائي، بينما يُمحى بيته الأول من الخريطة. من حق الغزي أن يسكن مركز إيواء، من دون أن يتحول المركز إلى وطن بديل، أو أن يصبح اسمه المقبول أمنيًا شرطًا للاعتراف بإنسانيته.
غزة لا تواجه جيشًا فقط، بل تواجه سرديةً كاملة تريد أن تجعل موتها مفهومًا، وخرابها ضروريًا، وتهجيرها قابلًا للتسويق بوصفه حمايةً وإيواءً وإنقاذًا. وهذا أخطر ما في الأمر: أن يُقدَّم القتل كقدر، وأن يُقدَّم الخراب كتحقق لنص، وأن يُقدَّم التهجير كخطة إنسانية لا بديل عنها. إن غزة ليست مدينةً ملعونة ، والذين يريدون ربط غزة باللعنة لا يفعلون ذلك حبًا في النصوص، بل كراهيةً للإنسان. فاللعنة هنا أصبحت ليست دينية فقط بل سياسية أيضاً؛ على طريقة القول إن هذه المدينة تستحق ما يجري لها. وحين يصبح الضحية مستحقًا للموت في خطاب قاتله، نكون أمام أخطر أنواع العنف: عنف يرى نفسه طاهرًا.