ضَمُّ الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ: خُطْوَةٌ عَلَى طَرِيقِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ ضِمْنَ رُؤْيَةِ نِتَنْيَاهُو

بي دي ان |

28 يوليو 2026 الساعة 11:01م

الكاتب
لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية تنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية حدثًا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي تعيشه إسرائيل، ولا عن طبيعة الحكومة اليمينية التي تقودها، ولا عن المرحلة التي تسبق الانتخابات المقبلة وما تفرضه من حسابات داخلية. فالقرارات الكبرى، وخاصة تلك التي تعيد رسم المشهد الأمني، لا تنفصل عادة عن البيئة السياسية التي تُتخذ فيها، ولا عن أهداف قد تتجاوز المعالجة المباشرة للواقع الميداني.
صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تبرر عملياتها العسكرية بالحاجة إلى مواجهة التهديدات الأمنية ومنع تصاعد العمليات المسلحة، إلا أن قراءة المشهد بصورة أشمل تكشف أن الضفة الغربية أصبحت اليوم ساحة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والأيديولوجية والاستراتيجية. فاليمين الإسرائيلي الحاكم لا يخفي رؤيته تجاه الضفة الغربية، كما أن عددًا من وزرائه يعلنون بصورة متكررة مواقف تؤيد توسيع الاستيطان، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية، وإحداث تغييرات دائمة في الواقع القائم وصولًا إلى طرح فكرة الضم الكامل.
ويعزز هذا الاتجاه ما جرى داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث صوّت بأغلبية 71 عضوًا مقابل 13 عضوًا معارضًا على مقترح رمزي غير ملزم يدعو الحكومة إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، باعتبارها جزءًا من الوطن التاريخي للشعب اليهودي. ورغم أن هذا التصويت لا يشكل قرارًا قانونيًا نافذًا بضم الضفة الغربية، فإنه يحمل دلالة سياسية مهمة، لأنه يعكس انتقال فكرة الضم من خطاب بعض التيارات السياسية إلى مساحة أوسع داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية. وبذلك لم يعد النقاش مقتصرًا على إدارة واقع قائم، بل أصبح مرتبطًا بتصورات مختلفة حول مستقبل الضفة الغربية وطبيعة العلاقة معها.
ومن هنا، يصبح من المنطقي والضروري التساؤل عما إذا كانت العملية العسكرية تمثل استجابة أمنية فحسب، أم أنها تتقاطع أيضًا مع أهداف سياسية أوسع، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يزداد التنافس داخل معسكر اليمين على من يبدو أكثر قدرة على فرض رؤيته على الأرض، وأكثر التزامًا بالمشروع الأيديولوجي الذي تتبناه مكونات هذا اليمين.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، برز تصاعد ملحوظ في هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية. وهذا التصاعد لا يمكن عزله عن البيئة السياسية التي نشأت في ظل حكومة يشارك فيها وزراء يتبنون خطابًا أكثر تشددًا تجاه الضفة الغربية. فإيتمار بن غفير، على سبيل المثال، دافع مرارًا عن توسيع صلاحيات استخدام القوة وتشديد الإجراءات الأمنية، بينما شهدت الضفة خلال المرحلة الأخيرة ارتفاعًا في وتيرة اعتداءات المستوطنين واتساع نطاقها، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول العلاقة بين المناخ السياسي السائد وبين السلوك المتكرر على الأرض.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود توجيه مباشر لكل اعتداء، لكنه يفتح بابًا لتحليل أوسع يرى أن الخطاب السياسي، عندما يمنح الأولوية لمفاهيم القوة والحسم وفرض السيطرة، قد يسهم في خلق بيئة يشعر فيها بعض الفاعلين بأن مساحة الحركة أصبحت أوسع، وأن تكلفة الممارسات الميدانية أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.
والأخطر من ذلك أن استمرار الاعتداءات، إذا ترافق مع العمليات العسكرية والقيود على الحركة وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية والخدمات، قد يؤدي إلى إضعاف قدرة السكان الفلسطينيين على الاستمرار في بعض المناطق. ومن هذا المنظور، يرى عدد من الباحثين والمراقبين أن تراكم هذه العوامل قد يسهم في دفع بعض التجمعات إلى النزوح الداخلي، بما يغيّر الواقع الديموغرافي تدريجيًا، وعلى طريق الوصول في الظرف المناسب إلى نزوح خارجي، وهو ما يُعرف بالتهجير الناعم، حتى دون وجود إعلان رسمي عن سياسة تهجير. وهنا لن يكون التغيير نتيجة قرار واحد، بل حصيلة ضغوط متراكمة تُنتج واقعًا جديدًا مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أهمية إضافية، فالحكومة اليمينية تدرك أن الإنجازات الأمنية والتحولات الميدانية تشكل عنصرًا مهمًا في الخطاب الانتخابي، كما تدرك أن أي تغيير على الأرض قد يصبح أكثر صعوبة إذا تبدلت موازين القوى السياسية لاحقًا. لذلك يبرز التساؤل حول ما إذا كانت المرحلة الحالية تمثل محاولة لاستثمار الوقت المتبقي من عمر الحكومة في ترسيخ أكبر قدر ممكن من التحولات التي يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
أما على المستوى الأمريكي، فلا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه واشنطن في تحديد سقف الحركة الإسرائيلية. فغياب موقف أمريكي واضح وحازم تجاه ما يجري في الضفة الغربية، سواء فيما يتعلق بتصاعد الاستيطان أو اعتداءات المستوطنين أو الإجراءات التي تسهم في تغيير الواقع القائم، يثير تساؤلات حول حدود هذا الموقف وطبيعة الرسائل التي يفهمها الفاعلون على الأرض. ورغم عدم وجود إعلان أمريكي عن تبني مشاريع ضم الضفة الغربية أو تغيير وضعها القانوني، فإن استمرار الصمت أو ضعف الاعتراض العلني قد يُقرأ من قبل بعض الأطراف باعتباره مساحة تسمح باستمرار التحركات الإسرائيلية، الأمر الذي يزيد المخاوف من تحول الإجراءات التدريجية إلى مسار دائم يصعب التراجع عنه.
إن قراءة ما يجري في الضفة الغربية بمعزل عن الحرب في غزة ستكون قراءة ناقصة، كما أن فصله عن التحولات الإقليمية والدولية لا يقلل من تعقيد المشهد فحسب، بل يحجب الترابط بين الملفات المختلفة. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة تشكل، وتتحرك فيها الأطراف المختلفة وفق حسابات تتجاوز حدود كل ساحة منفردة، وهو ما يجعل الضفة الغربية جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الأهداف السياسية، وتتقاطع فيه الحسابات الداخلية مع التحولات الخارجية.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الحديث المتكرر لدى عدد من قادة اليمين الإسرائيلي عن "شرق أوسط جديد" باعتباره فرصة لإعادة صياغة مكانة إسرائيل في المنطقة، ليس فقط عبر توسيع دائرة العلاقات مع الدول العربية، بل أيضًا عبر محاولة تثبيت واقع سياسي وأمني جديد في الملف الفلسطيني. فالقضية لا ترتبط بمفهوم التعاون الإقليمي بحد ذاته، وإنما بكيفية توظيفه سياسيًا، وما إذا كان سيُستخدم لتجاوز جوهر القضية الفلسطينية أو التعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن احتواؤه بدلًا من الوصول إلى حل سياسي عادل. ومن هنا يصبح ما يجري في الضفة الغربية جزءًا من سؤال أوسع يتعلق بشكل المنطقة التي يجري العمل على تشكيلها، ومن يشارك في صياغة مستقبلها، ومن يتحمل تبعات هذا المسار.
وفي إطار مفهوم هندسة الصراع والوعي، لا يصبح السؤال الأساسي هو: لماذا وقعت العملية العسكرية؟ بل: لماذا وقعت الآن؟ ولماذا بهذا الحجم؟ وما الذي يمكن أن تنتجه إذا استمرت بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والخطاب السياسي الداعي إلى إعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف أن الصراع لا يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل أيضًا حول إعادة تشكيل الوعي، وإنتاج تحولات تتحول مع الزمن إلى حقائق سياسية يصعب تجاوزها.
ولذلك، فإن مستقبل الضفة الغربية لن يتحدد بنتائج العمليات العسكرية وحدها، بل بقدرة الفلسطينيين على الصمود، وبطبيعة المواقف الدولية، وبما ستفرزه الساحة السياسية الإسرائيلية بعد الانتخابات. غير أن المؤكد هو أن ما يجري اليوم يتجاوز كونه تطورًا أمنيًا عابرًا، ويستحق قراءة استراتيجية متأنية لفهم أهدافه المحتملة، وحدوده، وما قد يتركه من آثار بعيدة المدى على الجغرافيا والديموغرافيا ومستقبل القضية الفلسطينية.