رؤية إعلامية استراتيجية معمقة: الانتخابات الإسرائيلية 2026 وأزمة الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي

بي دي ان |

27 يوليو 2026 الساعة 11:58م

الكاتب
 المدخل النقدي: ما وراء الإجراءات الشكلية
ترتسم صورة الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي القادم، الذي سيتم في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، على خلفية تناقض عميق بين الاستقرار الإجرائي والفوضى الإعلامية. فبينما تجسد هذه الانتخابات، من حيث الشكل القانوني، إنجازاً تاريخياً لنظام سياسي عانى من عدم الاستقرار الدوري، إلا أن الواقع الإعلامي والمعلوماتي يحكي قصة مختلفة تماماً. نحن لا نتحدث هنا عن أزمة انتخابية تقليدية متعلقة بحسابات تحالفات أو برامج سياسية، بل عن أزمة أعمق تتصل بآليات إنتاج الحقيقة نفسها وسلطة الخطاب في المجال العام.

التحول الذي تشهده الحملات الانتخابية الإسرائيلية نحو الاعتماد الكثيف على تقنيات الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استبدال لأدوات تقنية بأخرى، بل يمثل تغييراً جوهرياً في طبيعة المنافسة السياسية ذاتها. هذا التحول ينقل ساحة الصراع من المستوى الحجاجي الخطابي الكلاسيكي، حيث يمكن للناخب تقييم الحجج والمعلومات بمقياس عقلي نسبياً، إلى مستوى يتعلق بالادراك الحسي والاستجابة العاطفية المباشرة. والفارق بين هاتين الساحتين ليس تقنياً فقط، بل هو فارق يتعلق بسيادة العقل على القرار السياسي أو انحسارها.
 البعد السيكولوجي والسوسيولوجي: تفتيت الواقع المشترك
لفهم تأثير الذكاء الاصطناعي على العملية الانتخابية الإسرائيلية، يجب أن نبدأ من فهم عميق لما يحدث في عقل الناخب عندما يواجه محتوى مزيفاً مصنعاً بتقنيات متقدمة. الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الدماغ البشري لا يعالج المعلومات البصرية والسمعية بالطريقة ذاتها التي يعالج بها النصوص المكتوبة. الفيديو المزيف المولد بالذكاء الاصطناعي الذي ينسب إلى نفتالي بينت أو يائير لبيد تصريحات لم يقولاها يخاطب جزءاً من الدماغ يكون أقل نقداً وأكثر قابلية للاقتناع من الجزء الذي يعالج النص المكتوب. هذا ليس افتراضاً بل يستند إلى ما يعرف في علم الاتصال بـ "الفجوة بين الثقة والمعرفة"، حيث أن المحتوى البصري يحظى بدرجة ثقة أعلى بنسبة تصل إلى سبعين بالمائة لدى المشاهد العادي، حتى عندما يكون هذا المحتوى مزيفاً.
لكن هناك طبقة أعمق من هذا التأثير النفسي. المجتمع الإسرائيلي، في سياقه السياسي والاجتماعي المعقد، يتسم بانقسامات عميقة لا تتعلق فقط بالمواقف السياسية العملية، بل بمنظومات قيمية مختلفة تماماً. عندما يعتمد الليكود على استخدام الفيديوهات الزائفة التي تصور المعارضة كمتآمرة مع الأحزاب العربية، فهو لا يحاول فقط تشويه سمعة خصومه السياسيين، بل يوظف نقاطاً حساسة معروفة في البنية النفسية الجماعية للمجتمع الإسرائيلي. الخوف من "الخيانة الداخلية" والتحالفات "غير الطبيعية" مع الأقليات الفلسطينية لها جذور عميقة في الصراع التاريخي. الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يخلق هذه الخوف من العدم، بل يُفعّله بطريقة معقدة جداً.

المستوى الاجتماعي للتأثير أعمق أيضاً. المجتمع الإسرائيلي، مثل معظم المجتمعات الحديثة، لا يتمتع بـ "واقع موحد" بالمعنى الذي كان يقصده الفلاسفة. كل فئة اجتماعية أو حتى كل فرد، تستهلك "واقعاً" إعلامياً مختلفاً بناءً على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تقوم بـ "تخصيص" المحتوى الذي يراه. الناخب الذي يميل نحو اليمين سيرى على فيسبوك وتيكتوك أخباراً وفيديوهات ومحتوى يعزز رؤيته للعالم، بينما الناخب من المعارضة سيعيش في "كون إعلامي" مختلف تماماً. هذا يعني أننا لا نتحدث عن ناخب واحد يحصل على معلومات مختلفة، بل عن "إسرائيليات" متعددة حرفياً، كل واحدة منها تعيش في واقع إعلامي موازٍ.

 الديناميات الخوارزمية: كيف يتم بناء الواقع الرقمي المسيس
لفهم كيفية عمل تقنيات الذكاء الاصطناعي في السياق الانتخابي، يجب أن نتجاوز الفكرة السطحية بأن الهدف هو "خدع الناخب" أو "نشر أكاذيب". الواقع أكثر تعقيداً وأكثر خطورة من ذلك بكثير. الأحزاب التي توظف هذه التقنيات، وعلى الأخص الليكود، لم تستثمر في التكنولوجيا المتقدمة والخوارزميات المعقدة فقط لصنع فيديوهات زائفة، بل لشيء أعمق: لبناء أنظمة متكاملة من استهداف الناخبين بناءً على بيانات سلوكية متقدمة.

هذا يتعلق بما يعرف في الدراسات الإعلامية بـ "الاقتصاد السياسي للبيانات". كل نقرة على صورة، كل بحث في جوجل، كل تعليق على منشور، كل مرة يتجاهل فيها الناخب إعلاناً معيناً، كل هذه البيانات تُجمع وتُحلل بواسطة خوارزميات متطورة لتشكيل "ملف نفسي" دقيق جداً لكل ناخب. هذا الملف يتضمن ليس فقط تفضيلاته السياسية المُعلنة، بل أيضاً نقاط ضعفه النفسية، مخاوفه، طموحاته، حتى تناقضاته الداخلية. مرة واحدة تم بناء هذا الملف، يمكن للخوارزميات أن تقدم لكل ناخب رسالة سياسية "مخصصة" بدقة جراحية لاستهدافه بطريقة لا يستطيع مقاومتها.
مثال على ذلك: ناخب شاب في تل أبيب يهتم بالتكنولوجيا والناشئة الإسرائيلية قد يرى إعلاناً بالذكاء الاصطناعي يركز على كيف أن الحكومة الحالية استثمرت في قطاع التكنولوجيا. بينما ناخب أكبر سناً من المستوطنات قد يرى إعلاناً مختلفاً تماماً يركز على الأمن والسيطرة على الأراضي. وناخب من عائلة حريدية قد يرى رسالة تركز على دعم الحكومة للمؤسسات الدينية. لا أحد منهم يرى نفس الحملة الانتخابية. كل واحد يرى واقعاً سياسياً مختلفاً، مصمم خصيصاً له.

المستوى الأعمق من هذا الاستهداف يتعلق بما يسمى "النمذجة السلوكية المتقدمة". الخوارزميات لا تتنبأ فقط بما قد يصوت له الناخب، بل يمكنها التنبؤ بسلوكه السياسي بدقة عالية جداً. هل سيذهب للتصويت؟ هل سيشجع الآخرين على التصويت؟ هل سيتحول إلى "ناشط رقمي" وينشر محتوى سياسي؟ كل هذا يمكن التنبؤ به من خلال دراسة البيانات السلوكية. وبناءً على هذه التنبؤات، يمكن للحملة الانتخابية أن تعدّل رسائلها وتكثفها أو تخففها حسب الحاجة.

 الجوانب القانونية والأخلاقية: الفراغ الخطير في المساءلة
عندما قام حزب الليكود بنشر الفيديوهات الزائفة التي تصور بينت ولبيد، واجه الحزب غرامة مالية واضطر لسحب المحتوى. لكن هذا العقاب، من الناحية العملية والقانونية، يعكس فراغاً حقيقياً في النظام القانوني الإسرائيلي. الغرامة المالية بالنسبة لحزب بحجم الليكود هي رمزية أكثر منها ردعية. والأهم من ذلك، أن العقوبة جاءت بعد انتشار الفيديو بالفعل وتأثيره على جزء كبير من الرأي العام. في عالم الإنترنت، الضرر يحدث في اللحظة الأولى من الانتشار، والسحب اللاحق لا يلغي هذا الضرر، بل قد يعمق الشكوك حول الدوافع السياسية للقرار القانوني ذاته.

المشكلة القانونية الأعمق تتعلق بتعريف ما يشكل "محتوى زائفاً" جنائياً في القانون الإسرائيلي. القوانين التقليدية التي تتناول الافتراء والتشهير صُيغت قبل عصر الذكاء الاصطناعي، عندما كان من الممكن نسبياً التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. لكن في عالم اليوم، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تخلق محتوى بصرياً لا يمكن تمييزه عن الواقع إلا بأدوات تقنية متقدمة، أصبح القانون قاصراً. المحكمة المسؤولة عن الحكم يجب عليها أن تملك خبرة تقنية عالية جداً لكي تحكم حتى على ما إذا كان الفيديو مزيفاً أم لا.

ثم هناك البعد الأخلاقي الذي يتجاوز القانون. الحزب الذي يوظف الذكاء الاصطناعي لتشويه سمعة خصومه يقر ضمنياً بأنه لا يثق بقدرته على الفوز بالنقاش السياسي من خلال الحجج والأفكار. إنه يعترف بأنه بحاجة إلى الخداع والتلاعب. هذا له تأثير نفسي عميق على المجتمع ككل. عندما يرى الناخب أن القادة السياسيين يلجأون إلى الكذب المنظم والمصنع بتقنيات متقدمة، يحدث نوع من "الإفلاس الأخلاقي" في الثقة بالمؤسسات السياسية. لكن هذا الإفلاس لا ينعكس على الليكود وحده، بل على النظام السياسي برمته.

الارتدادات العكسية وإعادة الحسابات
هناك ظاهرة ملفتة لم تحظ بالاهتمام الكافي في التحليلات السائدة: الارتداد العكسي الذي قد ينتج عن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي. التقارير الإسرائيلية المتخصصة تحذر من أن الإفراط في استخدام تقنيات التزييف قد يؤدي إلى "أزمة ثقة شاملة" لا تصيب الحزب الذي يستخدم هذه التقنيات فقط، بل تصيب جميع الأحزاب حتى تلك التي لا تستخدمها.

هذا يحدث لأن الناخب، عندما يكتشف أنه تعرض للخداع، لا يقتصر شكه على الحزب الذي خدعه، بل يتسع ليشمل جميع الرسائل السياسية التي يتلقاها. يبدأ في السؤال: "هل كل ما أراه حقيقي؟" هذا السؤال الوجودي البسيط يمكن أن يقود إلى شيء أخطر بكثير: تراجع الإقبال على التصويت. إذا كان الناخب لا يعرف ماذا يصدق ولا ماذا يرفض، فقد لا يأتي للتصويت أصلاً.

هناك تقرير مرعب من الناحية الديموقراطية: خمسة وخمسين بالمائة من الجمهور الإسرائيلي الحالي لا يثقون بقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات صحيحة. لكننا لا نعرف إلى أي مدى هذا عدم الثقة متأثر بالحملات الإعلامية الخاطئة والصور الزائفة. هذا يعني أننا نتحرك في دوامة: الحملات المزيفة تنخفض الثقة، وانخفاض الثقة يجعل الناخبين أكثر قابلية للتصديق على محتوى زائف.

المقارنة الدولية: السياق الإسرائيلي في إطار عالمي
عندما ننظر إلى كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية الدولية الأخرى، نجد أن الحالة الإسرائيلية ليست استثنائية لكنها تحتل مكاناً متقدماً من حيث التطور والتطبيق. الانتخابات الأمريكية شهدت استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل واسع، لكن بشكل مختلف إلى حد ما. في الولايات المتحدة، الاستهداف الخوارزمي كان أكثر تعقيداً من استهداف صور زائفة. المكان الذي يشبه الحالة الإسرائيلية أكثر هو الانتخابات البريطانية حيث حدثت أول حالات توثيق منظمة لاستخدام فيديوهات صُنعت بالذكاء الاصطناعي.
لكن الاختلاف الجوهري بين الحالة الإسرائيلية والحالات الدولية الأخرى هو أن إسرائيل، بحكم حجمها السكاني الأصغر ودرجة الاستقطاب السياسي الأعلى، تشهد تركيزاً أكثر كثافة من الحملات الرقمية. كل فئة من الناخبين الإسرائيليين تحصل على "جرعة" أعلى من المحتوى المخصص مقارنة بنظيرتها في بلدان أكبر. هذا يعني أن تأثير الذكاء الاصطناعي على النتيجة النهائية قد يكون أكبر في الحالة الإسرائيلية.

 الاستراتيجية الدولية والتمويل الهائل
الاستثمار الإسرائيلي في حملات الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الساحة الداخلية. الحكومة الإسرائيلية خصصت أكثر من سبعمائة مليون دولار لحملات "تشكيل الوعي" الدولية، جزء من هذا المبلغ الضخم وُجّه إلى حملة إلكترونية بقيمة خمسة وأربعين مليون دولار موجهة صراحة للناخبين الأمريكيين. هذا الاستثمار الضخم يشير إلى فهم عميق من قبل قيادة إسرائيل بأن الانتخابات الإسرائيلية لا تُقرر فقط داخل إسرائيل، بل هناك بُعد دولي حاسم يتعلق بشكل الدعم الدولي والموقف الأمريكي خاصة.

الرسائل الموجهة للأمريكيين عبر نصوص بالذكاء الاصطناعي، بدعوى استطلاع آرائهم حول القضايا الإيرانية والإقليمية، كانت في الواقع حملة تأثير لتشكيل الرأي العام الأمريكي بطريقة تدعم الموقف الإسرائيلي. هذا يعكس فهماً متقدماً لكيفية أن الدعم الأمريكي، سواء السياسي أو الإعلامي، يؤثر على الديناميات الداخلية الإسرائيلية. إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تتمتع بدعم قوي من الرأي العام الأمريكي، فهذا يعطيها شرعية دولية قد تنعكس على الثقة بها محلياً.

 تفتيت الواقع المشترك والأزمة الديموقراطية الحقيقية
الخطر الحقيقي من الذكاء الاصطناعي في السياق الانتخابي لا يكمن فيما قد يزيف فيديو واحد أو صورة واحدة تؤثر على ناخب واحد. الخطر يكمن في أن المتراكم من هذه التدخلات الصغيرة، المتكررة، المخصصة بدقة، ينتج عنه شيء أعمق: تفتيت "الواقع المشترك" الذي يشكل أساس أي ديموقراطية. الديموقراطية لا تعمل فقط من خلال الانتخابات والتصويت. الديموقراطية تعمل لأن الناخبين يعيشون في واقع مشترك نسبياً. حتى لو اختلفوا على التفسيرات والقيم، هناك حد أدنى من الحقائق المشتركة التي يمكن الاتفاق عليها.

الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المتطورة تحطم هذا الحد الأدنى. كل ناخب يعيش في "فقاعة واقع" منفصلة، حيث يرى فقط ما تختاره له الخوارزميات. عندما يلتقي ناخب من اليمين بناخب من اليسار للنقاش، هم لا يتحدثان عن نفس الوقائع. أحدهما رأى فيديو زائفاً والآخر رأى إحصائيات مختلفة، والثالث رأى شيئاً لم يره أي منهما. هذا يعني أن حوار ديموقراطي حقيقي أصبح مستحيلاً تقنياً.

الاستنتاج: الانتخابات الإسرائيلية كحالة دراسية لأزمة ديموقراطية عالمية
الانتخابات الإسرائيلية القادمة ليست مجرد استحقاق سياسي محلي يتعلق بتوزيع السلطة بين أحزاب متنافسة. الاستحقاق هو أعمق من ذلك بكثير. إسرائيل تختبر، بكثافة عالية جداً، كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة أن تحطم الأسس الإجرائية والنفسية والاجتماعية للديموقراطية نفسها. الأدوات التقنية الموظفة ليست في خدمة العملية الديموقراطية، بل في تقويضها.

المؤسسات الديموقراطية الإسرائيلية تحاول الرد على هذا التحدي بأدوات تقليدية: غرامات مالية، سحب محتوى، قوانين جديدة. لكن هذه الأدوات تبدو عتيقة وغير كافية في مواجهة تقنيات متطورة تتطور أسرع بكثير من القوانين التي تحاول تنظيمها. النقاش في مراقب الدولة السابق حول غياب سياسة وطنية موحدة يشير إلى الفراغ الحقيقي الذي تعاني منه الدولة.
الحقيقة المُرة هي أن الذكاء الاصطناعي، عندما يُوظف بقصد سياسي، ليس مجرد أداة اتصال متقدمة. إنه نظام معرفي موازٍ يحل محل الواقع بنسخة مصنعة. وعندما يصبح كل الناخبين يعيشون في نسخ مصنعة مختلفة من الواقع، الديموقراطية لا تنهار فقط بل تصبح مفهوماً بلا معنى حقيقي. انتخابات إسرائيل القادمة قد تكون آخر انتخابات تُجرى في "واقع مشترك" ما، قبل أن ندخل بالكامل إلى عصر "الواقعيات المتعددة" حيث كل فرد يعيش في نسخته الخاصة من الحقيقة السياسية.