معضلة الصهيونية: لا يمكن لمشروع إستيطاني أُسّس على إقتلاع شعب أن يصنع سلاماً؟
بي دي ان |
26 يوليو 2026 الساعة
03:49م
الكاتب
لا يكمن جوهر الأزمة بين شعبنا الفلسطيني و"إسرائيل" في الحدود أو الترتيبات الأمنية فقط، بل في الرواية المؤسسة للدولة نفسها، فالصهيونية لم تقدم مشروعها للعالم باعتباره مشروعاً سياسياً عادياً، بل استندت إلى فكرة توراتية تزعم أن فلسطين هي "أرض الميعاد" التي يجب أن تقوم عليها الدولة اليهودية.
ومن هنا نشأ التناقض الكبير الذي ما زال يحكم السياسة "الإسرائيلية" حتى اليوم، فحين تُبنى شرعية الدولة على رواية كاذبة تعتبر أن هذه الأرض هي الأرض التاريخية الموعودة للشعب اليهودي، يصبح الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في السيادة على جزء منها (الضفة الفلسطينية وغزة) مسألة تتجاوز السياسة إلى المساس بأساس الرواية الصهيونية ذاتها.
ولهذا السبب لم يكن الاستيطان في الضفة الغربية مجرد مشروع أمني أو انتخابي عابر، بل أصبح جزءاً من العقيدة السياسية لقطاعات واسعة من الحركة الصهيونية، فالضفة الغربية لا تُقدَّم في الخطاب الصهيوني التقليدي باعتبارها أرضاً محتلة، بل باعتبارها "يهودا والسامرة"، قلب الجغرافيا التوراتية التي ارتبطت بفكرة (أرض الميعاد)، وإن أي تنازل عنها هو نهاية لكذبة ارض الميعاد التوراتية.
إن القبول بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، وبالذات في الضفة الفلسطينية يطرح، في نظر كثير من التيارات الصهيونية، سؤالاً وجودياً: إذا كانت هذه الأرض جزءاً من الوطن التاريخي الموعود الذي قامت عليه الفكرة الصهيونية، فكيف يمكن التنازل عنها؟ وإذا كان الفلسطينيون هم أصحاب السيادة الشرعية عليها، فما الذي يتبقى من الادعاء بأن المشروع الصهيوني جاء لاستعادة أرض موعودة؟
لهذا كانت المفاوضات "الإسرائيلية" الفلسطينية وكأنها تدور دائماً حول التفاصيل بينما يبقى الخلاف الحقيقي مخفياً تحت السطح، فالمشكلة ليست فقط أين تُرسم الحدود، بل ما إذا كانت الصهيونية السياسية مستعدة للاعتراف بأن للفلسطينيين حقاً وطنياً وسيادياً كاملاً على الأرض التي تعتبرها جزءاً من روايتها التاريخية، فأرض الميعاد في الرواية الصهيونية هي الضفة الغربية والقدس (يهودا والسامرة) وليس يافا وحيفا وعكا.
لقد أظهرت العقود الماضية أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف اتجاهاتها، كانت أكثر استعداداً للحديث عن إدارة الصراع من استعدادها لحله، فكلما اقترب النقاش من مسألة السيادة الحقيقية على الضفة الغربية والقدس، عاد الاستيطان ليتقدم على السياسة، وعادت الجغرافيا لتنتصر على الدبلوماسية.
منذ اللحظة الأولى، تعاملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع أوسلو كغطاء سياسي، لا كالتزام تاريخي، وقّعت الاتفاق بيد، ووسّعت المستوطنات باليد الأخرى، تحدثت عن السلام في القاعات المغلقة، بينما كانت الجرافات تقضم الضفة الغربية علناً، لم يكن هذا تناقضاً عابراً، بل كان تعبيراً صريحاً عن جوهر الصهيونية السياسية: مشروع لا يرى في الفلسطيني شريكاً، بل عقبة يجب تطويقها وتفكيكها وتحييدها.
الاستيطان لم يكن رد فعل على “غياب الأمن”، بل كان سياسة ثابتة تهدف إلى منع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وبالذات في الضفة.
فالدولة لا تقوم على كانتونات منفصلة، ولا على طرق التفافية، ولا على سيطرة على الحدود والمياه، وكل مستوطنة جديدة كانت تعني إعلاناً عملياً بأن حل الدولتين ليس خياراً إسرائيلياً، بل ورقة تكتيكية لشراء الوقت وتخفيف الضغوط الدولية.
لقد أثبت المسار كله، من أوسلو إلى غزة، أن الصهيونية السياسية لا تستطيع التعايش مع وجود فلسطيني حرّ وذي سيادة، فهي مشروع قام على الاستيطان، ويتغذى على التوسع، ويخاف من الحدود النهائية لأنها تعني نهاية الأسطورة وبداية النهاية لكذبة أرض الميعاد، لذلك لم يكن الاستيطان انحرافاً عن السلام، بل كان الوسيلة الأساسية لقتل أي سلام حقيقي.
اليوم، لم يعد فشل حل الدولتين لغزاً، ولم يعد بحاجة إلى تفسيرات تقنية أو تبريرات دبلوماسية، لقد فشل لأنه اصطدم بحقيقة صلبة: مشروع استيطاني إحلالي لا يؤمن بالشراكة، ولا يعترف بالآخر إلا بوصفه تابعاً أو عدواً، مشروع يرى في أرض الفلسطينيين جوهر هويته، وفي القوة لغته الوحيدة.
إن أخطر ما في الاستيطان ليس فقط أنه صادر الأرض، بل أنه فضح الكذبة الكبرى: كذبة “عملية السلام” واتفاقية أوسلو، ومع سقوط هذه الكذبة، بات واضحاً أن الصراع ليس على تفاصيل، بل على أصل الفكرة: بين شعب يطالب بحقه في وطنه، ومشروع لا يرى لهذا الشعب مكاناً إلا خارج المعادلة.
لقد قبل الفلسطينيون والعرب في مراحل مختلفة بفكرة التسوية التاريخية، وللأسف جرى الاعتراف "بإسرائيل" على جزء كبير من أرض فلسطين التاريخية على أمل أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، لكن الواقع أظهر أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء كانت من اليمين أو من الوسط أو حتى من بعض مايسمى اليسار الصهيوني، لم تتوقف عن توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والتلاعب بعقول الغارقين في أوهام السلام.
ومن هنا يمكن فهم سبب التعثر المزمن لمشروع الدولتين، فالعقبة ليست تقنية ولا إجرائية فقط، ولا كما يدعي أقطاب الصهيونية بعدم وجود شريك فلسطيني لعملية السلام، بل ترتبط بوجود تناقض عميق بين منطق الدولة التي تقوم على القانون الدولي والحدود المعترف بها، وبين منطق الرواية القومية والدينية الصهيونية، التي تنظر إلى الأرض باعتبارها جزءاً من وعد تاريخي وإلهي لا يجوز التنازل عنه، وقد عبّر عن هذا المنطق الحاخام الأكبر لدولة الاحتلال حين اعتبر أن أي تنازل عن شبر من الضفة الغربية، التي يطلق عليها اسم "يهودا والسامرة"، هو جريمة لا يمكن التسامح معها، ولم يكن اغتيال إسحاق رابين عام 1995 بعيداً عن هذا المناخ، إذ رأى فيه المتطرفون خائناً لمجرد قبوله بمبدأ التسوية وتبادل بعض الأراضي، ومع ذلك، تكشف مذكرات رابين أنه لم يكن ينوي الانسحاب من غالبية أراضي الضفة الغربية، ولا سيما القدس، كما كان يعتزم الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على المنطقة المسماة (ج) وفق تقسيمات اتفاق أوسلو.
وهذا يعني أن حتى أكثر القادة الإسرائيليين انفتاحاً على التسوية لم يوافقوا او حتى يتصوروا قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967.
بي دي ان |
26 يوليو 2026 الساعة 03:49م
ومن هنا نشأ التناقض الكبير الذي ما زال يحكم السياسة "الإسرائيلية" حتى اليوم، فحين تُبنى شرعية الدولة على رواية كاذبة تعتبر أن هذه الأرض هي الأرض التاريخية الموعودة للشعب اليهودي، يصبح الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في السيادة على جزء منها (الضفة الفلسطينية وغزة) مسألة تتجاوز السياسة إلى المساس بأساس الرواية الصهيونية ذاتها.
ولهذا السبب لم يكن الاستيطان في الضفة الغربية مجرد مشروع أمني أو انتخابي عابر، بل أصبح جزءاً من العقيدة السياسية لقطاعات واسعة من الحركة الصهيونية، فالضفة الغربية لا تُقدَّم في الخطاب الصهيوني التقليدي باعتبارها أرضاً محتلة، بل باعتبارها "يهودا والسامرة"، قلب الجغرافيا التوراتية التي ارتبطت بفكرة (أرض الميعاد)، وإن أي تنازل عنها هو نهاية لكذبة ارض الميعاد التوراتية.
إن القبول بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، وبالذات في الضفة الفلسطينية يطرح، في نظر كثير من التيارات الصهيونية، سؤالاً وجودياً: إذا كانت هذه الأرض جزءاً من الوطن التاريخي الموعود الذي قامت عليه الفكرة الصهيونية، فكيف يمكن التنازل عنها؟ وإذا كان الفلسطينيون هم أصحاب السيادة الشرعية عليها، فما الذي يتبقى من الادعاء بأن المشروع الصهيوني جاء لاستعادة أرض موعودة؟
لهذا كانت المفاوضات "الإسرائيلية" الفلسطينية وكأنها تدور دائماً حول التفاصيل بينما يبقى الخلاف الحقيقي مخفياً تحت السطح، فالمشكلة ليست فقط أين تُرسم الحدود، بل ما إذا كانت الصهيونية السياسية مستعدة للاعتراف بأن للفلسطينيين حقاً وطنياً وسيادياً كاملاً على الأرض التي تعتبرها جزءاً من روايتها التاريخية، فأرض الميعاد في الرواية الصهيونية هي الضفة الغربية والقدس (يهودا والسامرة) وليس يافا وحيفا وعكا.
لقد أظهرت العقود الماضية أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف اتجاهاتها، كانت أكثر استعداداً للحديث عن إدارة الصراع من استعدادها لحله، فكلما اقترب النقاش من مسألة السيادة الحقيقية على الضفة الغربية والقدس، عاد الاستيطان ليتقدم على السياسة، وعادت الجغرافيا لتنتصر على الدبلوماسية.
منذ اللحظة الأولى، تعاملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع أوسلو كغطاء سياسي، لا كالتزام تاريخي، وقّعت الاتفاق بيد، ووسّعت المستوطنات باليد الأخرى، تحدثت عن السلام في القاعات المغلقة، بينما كانت الجرافات تقضم الضفة الغربية علناً، لم يكن هذا تناقضاً عابراً، بل كان تعبيراً صريحاً عن جوهر الصهيونية السياسية: مشروع لا يرى في الفلسطيني شريكاً، بل عقبة يجب تطويقها وتفكيكها وتحييدها.
الاستيطان لم يكن رد فعل على “غياب الأمن”، بل كان سياسة ثابتة تهدف إلى منع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وبالذات في الضفة.
فالدولة لا تقوم على كانتونات منفصلة، ولا على طرق التفافية، ولا على سيطرة على الحدود والمياه، وكل مستوطنة جديدة كانت تعني إعلاناً عملياً بأن حل الدولتين ليس خياراً إسرائيلياً، بل ورقة تكتيكية لشراء الوقت وتخفيف الضغوط الدولية.
لقد أثبت المسار كله، من أوسلو إلى غزة، أن الصهيونية السياسية لا تستطيع التعايش مع وجود فلسطيني حرّ وذي سيادة، فهي مشروع قام على الاستيطان، ويتغذى على التوسع، ويخاف من الحدود النهائية لأنها تعني نهاية الأسطورة وبداية النهاية لكذبة أرض الميعاد، لذلك لم يكن الاستيطان انحرافاً عن السلام، بل كان الوسيلة الأساسية لقتل أي سلام حقيقي.
اليوم، لم يعد فشل حل الدولتين لغزاً، ولم يعد بحاجة إلى تفسيرات تقنية أو تبريرات دبلوماسية، لقد فشل لأنه اصطدم بحقيقة صلبة: مشروع استيطاني إحلالي لا يؤمن بالشراكة، ولا يعترف بالآخر إلا بوصفه تابعاً أو عدواً، مشروع يرى في أرض الفلسطينيين جوهر هويته، وفي القوة لغته الوحيدة.
إن أخطر ما في الاستيطان ليس فقط أنه صادر الأرض، بل أنه فضح الكذبة الكبرى: كذبة “عملية السلام” واتفاقية أوسلو، ومع سقوط هذه الكذبة، بات واضحاً أن الصراع ليس على تفاصيل، بل على أصل الفكرة: بين شعب يطالب بحقه في وطنه، ومشروع لا يرى لهذا الشعب مكاناً إلا خارج المعادلة.
لقد قبل الفلسطينيون والعرب في مراحل مختلفة بفكرة التسوية التاريخية، وللأسف جرى الاعتراف "بإسرائيل" على جزء كبير من أرض فلسطين التاريخية على أمل أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، لكن الواقع أظهر أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء كانت من اليمين أو من الوسط أو حتى من بعض مايسمى اليسار الصهيوني، لم تتوقف عن توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والتلاعب بعقول الغارقين في أوهام السلام.
ومن هنا يمكن فهم سبب التعثر المزمن لمشروع الدولتين، فالعقبة ليست تقنية ولا إجرائية فقط، ولا كما يدعي أقطاب الصهيونية بعدم وجود شريك فلسطيني لعملية السلام، بل ترتبط بوجود تناقض عميق بين منطق الدولة التي تقوم على القانون الدولي والحدود المعترف بها، وبين منطق الرواية القومية والدينية الصهيونية، التي تنظر إلى الأرض باعتبارها جزءاً من وعد تاريخي وإلهي لا يجوز التنازل عنه، وقد عبّر عن هذا المنطق الحاخام الأكبر لدولة الاحتلال حين اعتبر أن أي تنازل عن شبر من الضفة الغربية، التي يطلق عليها اسم "يهودا والسامرة"، هو جريمة لا يمكن التسامح معها، ولم يكن اغتيال إسحاق رابين عام 1995 بعيداً عن هذا المناخ، إذ رأى فيه المتطرفون خائناً لمجرد قبوله بمبدأ التسوية وتبادل بعض الأراضي، ومع ذلك، تكشف مذكرات رابين أنه لم يكن ينوي الانسحاب من غالبية أراضي الضفة الغربية، ولا سيما القدس، كما كان يعتزم الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على المنطقة المسماة (ج) وفق تقسيمات اتفاق أوسلو.
وهذا يعني أن حتى أكثر القادة الإسرائيليين انفتاحاً على التسوية لم يوافقوا او حتى يتصوروا قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967.