حين صرتُ أخاف من المتفقين معي....

بي دي ان |

22 يوليو 2026 الساعة 01:10ص

الكاتب
لم أعد أخاف كثيرًا من الرأي الذي يخالفني. صرت أخاف أكثر من الرأي الذي يشبهني حين يطلب مني أن أتحول إلى نسخة منه؛ أن أغضب كما يغضب، وأن أسكت حين يسكت، وأن أرى العالم من الثقب نفسه، ثم أظن أنني أرى الحقيقة كلها.
كنت أظن أن الخطر يأتي دائمًا من الطرف الآخر؛ من الخصم، من المختلف، من الذي يقف في الجهة المقابلة من الفكرة. لكنني اكتشفت مع الوقت أن الخطر قد يأتي أحيانًا من الدائرة القريبة جدًا؛ من الذين يصفقون لك ما دمت تشبههم، ثم ينقلبون عليك في اللحظة التي تستعيد فيها حقك في أن تفكر وحدك.
هناك نوع من الاتفاق لا يطمئنني. ليس لأنه اتفاق، بل لأنه يشبه الاصطفاف داخل قطيع مغلق. يريدونك معهم لا لأنك اقتنعت، بل لأنك لا تملك أن تكون في مكان آخر. يريدون صوتك ما دام يردد صوتهم، وغضبك ما دام يخدم غضبهم، وحزنك ما دام يمشي في الطريق الذي رسموه لك. فإذا توقفت لحظة لتسأل، أو قلت إن الصورة أعقد مما يقال، تحولت فجأة من صاحب موقف إلى موضع ريبة.
رأيت ذلك كثيرًا. حين تطرح فكرة، لا يسألك بعض الناس: هل هي صحيحة؟ هل فيها ما يستحق التفكير؟ بل يسألون: لماذا طرحتها؟ ومن تقصد؟ ولمن تلمّح؟ وفي أي صف تقف؟ كأن الفكرة لا تُناقش بعقلها، بل تُحاكم بنية صاحبها. وهنا يموت الحوار؛ لأننا لا نبحث عن المعنى، بل عن تهمة جاهزة نعلّقها على رقبة من خالفنا.
لا أزعم أنني وُلدت متسامحًا مع الاختلاف. لا أحد يولد كذلك. كلنا نحب الصوت الذي يشبهنا، ونرتاح لمن يؤكد لنا أننا على حق، ونفرح بمن يجعل اختياراتنا تبدو حكيمة حتى حين تكون موضع شك. في داخل كل إنسان رغبة خفية في أن يجد من يطمئنه، لا من يوقظه. لكن التجربة تعلم الإنسان أن الطمأنينة الزائدة قد تكون خدعة، وأن التصفيق الطويل قد يمنعنا أحيانًا من سماع صوت الحقيقة.
أعرف كيف يضيق صدري أحيانًا برأي يلمس منطقة حساسة في داخلي. أعرف كيف يحاول الإنسان أن يدافع عن يقينه قبل أن يفهم ما سمعه. لكنني أريد أن أتعلم أيضًا أن انزعاجي من الرأي لا يعني بالضرورة أنه باطل، وأن راحتي مع رأي آخر لا تعني بالضرورة أنه صحيح. أحيانًا يكون الرأي المزعج أقرب إلى الحقيقة من الرأي الذي يربت على كتفك ويتركك نائمًا داخل وهمك.
أنا لا أخاف من إنسان يقول لي: أنت مخطئ. هذا قد يؤلمني، لكنه لا يهينني. أخاف من إنسان يقول لي: لا يحق لك أن تفكر أصلًا. أخاف من عقل يعتبر السؤال إهانة، والمراجعة ضعفًا، والاختلاف خروجًا عن الصف. أخاف من ذلك اليقين المتغطرس الذي لا يكتفي بأن يؤمن بفكرته، بل يريد أن يسحق كل فكرة لا تشبهها.
وهذه ليست مشكلة في النقاش فقط، بل في طريقة رؤيتنا للعالم. نحن لا نمنح الآخر حقه في أن يكون آخر. نريده أن يكون امتدادًا لنا، أو خصمًا نستريح إلى كراهيته. أما أن يكون إنسانًا مختلفًا، له تجربة أخرى، وجرح آخر، وخوف آخر، وزاوية نظر أخرى، فهذا ما لا نحتمله بسهولة.
أحيانًا أشعر أننا لا نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن الطمأنينة. نريد من يؤكد لنا أننا لم نخطئ، وأن جماعتنا لا تخطئ، وأن رموزنا لا تخطئ، وأن اختياراتنا لم تكن كارثية، وأن غضبنا مقدس، وأن خصومنا بلا ضمير. نكره الرأي المختلف لأنه يوقظ فينا احتمالًا مرعبًا: ربما لم نكن على حق كامل، وربما من خالفنا لم يكن عدوًا كاملًا، وربما الحقيقة أوسع من الشعار الذي حفظناه.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للعقل. ليس حين تسمع ما تحب، بل حين تسمع ما يزعجك. ليس حين تكون وسط جمهور يصفق لك، بل حين تواجه فكرة لا تعرف كيف ترد عليها إلا بالغضب. في تلك اللحظة يظهر الفرق بين من يبحث عن الحقيقة، ومن يبحث فقط عن الانتصار لنفسه.
أنا لا أطلب من الناس أن يتنازلوا عن قناعاتهم، ولا أن يتحولوا إلى كائنات رمادية بلا موقف. لا قيمة لإنسان بلا موقف. لكن الموقف شيء، واحتقار المخالف شيء آخر. الثبات شيء، والعمى شيء آخر. الدفاع عن الفكرة شيء، وتحويلها إلى صنم شيء آخر. قد يكون الإنسان واضحًا بلا قسوة، وثابتًا بلا تعصب، ومؤمنًا بما يقول دون أن يطلب إلغاء غيره.
أريد أن أتعلم كيف أختلف دون أن أكره. كيف أرفض رأيًا دون أن أحتقر صاحبه. كيف أتمسك بما أؤمن به دون أن أطلب من العالم أن يشبهني. أريد أن أقول: هذا رأيي، لكنه ليس الكون كله. هذه قناعتي، لكنها ليست سيفًا على رقاب الناس. هذا موقفي، لكنه لا يمنحني حق إلغاء الآخرين.
لا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا كان كل اختلاف فيه يتحول إلى معركة كرامة. ولا يمكن لأمة أن تنهض إذا كان أفرادها يخافون من التفكير بصوت مرتفع. التعدد ليس فتنة بالضرورة، بل قد يكون رحمة. والرأي الآخر ليس خطرًا دائمًا، بل قد يكون إنذارًا مبكرًا، أو مرآة نرى فيها ما أخفاه عنا غرورنا، أو فرصة لتصحيح طريق قبل أن يصبح الخطأ قدرًا.
اليوم، لم أعد أخاف كثيرًا من الرأي الذي يخالفني. صرت أخاف أكثر من الرأي الذي يشبهني حين يتحول إلى قطيع، ومن الجماعة التي تحبني بشرط أن ألغي عقلي، ومن التصفيق الذي يغري الإنسان بأن ينام مطمئنًا داخل خطئه.
فالرأي المختلف قد يزعجني ساعة، أما الرأي الواحد حين يتحول إلى ثقافة، فقد يسجن أمة كاملة لسنوات طويلة.
وأخطر ما يفعله الرأي الواحد أنه لا يقتل الاختلاف دفعة واحدة، بل يجعله عيبًا، ثم تهمة، ثم خوفًا داخليًا يسكن الناس حتى قبل أن يتكلموا. عندها لا تحتاج الأمة إلى سجان خارجي؛ يكفي أن يحمل كل إنسان سجانه في داخله.