تحت الخيام… حين يهتف شعبنا: أنا هنا.. باقون ولن نرحل

بي دي ان |

19 يوليو 2026 الساعة 12:27م

لم تكن المسيرة الجماهيرية التي نظمها حزب الشعب الفلسطيني أمس السبت في محافظة خان يونس صرخة يطلقها من يكتوي بنيران حرب الإبادة، ولا مجرد فعالية احتجاجية عابرة على صمت العالم وتقصير ذوي القربى، بل كانت حدثًا سياسيًا وشعبيًا يحمل دلالات عميقة، لأنها انطلقت من المكان الأكثر وجعًا في فلسطين اليوم؛ من تحت الخيام البالية، ومن مراكز الإيواء، ومن بين البيوت المهدمة والأسقف المهددة بالانهيار، وتحت أزيز الطائرات ودوي القذائف، بكل ما حمله ذلك من مخاطر.

لقد خرج الناس وهم يدركون أن الاحتلال يريد لهم أن يعتادوا الموت، وأن يتحول النزوح إلى قدر دائم، وأن تصبح الخيام وطنًا بديلاً، وأن يُدفن حقهم في العودة إلى بيوتهم تحت ركام الحرب. لكنهم خرجوا ليقولوا، بصوت واحد، إنهم ما زالوا هنا، وإنهم باقون في أرضهم مهما اشتدت آلة الإبادة.
من هنا تكتسب هذه المسيرة أهميتها، فهي الأولى بهذا الحجم منذ اندلاع حرب الإبادة، وتحمل رسالة مزدوجة لا تقل أهمية عن الشعارات التي رفعتها.

الرسالة الأولى هي تعزيز الصمود. فالصمود ليس شعارًا يُردد في المناسبات، بل هو توفير جدي وحقيقي لمقومات الحياة للناس الذين يعيشون منذ عامين في ظروف غير إنسانية. فلا يمكن مطالبة شعب بالصمود وهو محروم من المأوى والغذاء والماء والعلاج والتعليم، أو وهو يعيش تحت تهديد القصف والجوع والمرض. لذلك فإن الدفاع عن حق الناس في الحياة الكريمة هو جزء أصيل من معركة المقاومة الوطنية، وهو شرط لاستمرار قدرة المجتمع على مواجهة مشروع الاقتلاع.

أما الرسالة الثانية فهي استنهاض الإرادة الشعبية. فالاحتلال لا يراهن فقط على القوة العسكرية، بل يراهن أيضًا على إنهاك المجتمع الفلسطيني، ودفعه إلى اليأس، وإقناعه بأن لا جدوى من البقاء. ولهذا فإن خروج المئات في هذه الظروف القاسية يحمل معنى يتجاوز عدد المشاركين؛ إنه إعلان واضح بأن الإرادة الوطنية لم تُهزم، وأن الإنسان الفلسطيني ما زال قادرًا على تحويل الألم إلى موقف، والمعاناة إلى فعل، والخيمة إلى منبر للدفاع عن الوطن.

ولعل أكثر ما يمنح هذا التحرك قيمته أنه أعاد التذكير بالشعار الذي رفعناه وجسدناه منذ الأيام الأولى للعدوان: “أنا هنا… باقون.” لم يكن هذا الشعار مجرد عبارة عاطفية، بل إعلانًا سياسيًا وأخلاقيًا بأن الفلسطيني يرفض أن يتحول إلى لاجئ جديد، ويرفض أن تكون الإبادة وسيلة لإعادة رسم الخريطة السكانية في قطاع غزة، أو لفرض سياسة المعازل والحشر والتهجير القسري.

ومن هنا، فإن المسيرة لم ترفع مطلبًا إنسانيًا منفصلًا عن البعد الوطني، بل جمعت بين الأمرين في معادلة واحدة: وقف الإبادة، وإنهاء الاحتلال، ورفض التهجير، وضمان العودة الحرة والآمنة إلى مناطق السكن، وبدء إعادة الإعمار، والحفاظ على دور وكالة الغوث، ومحاسبة مجرمي الحرب، وإنجاز الوحدة الوطنية باعتبارها الشرط الضروري لمواجهة أخطر مشروع يستهدف القضية الفلسطينية منذ عقود.
لقد أثبت شعبنا، خلال هذه الحرب، أن الاحتلال يستطيع أن يهدم البيوت، لكنه لا يستطيع أن يهدم الإرادة. ويستطيع أن يدمر الحجر، لكنه يعجز عن اقتلاع الإنسان من أرضه ما دام متمسكًا بحقه الوطني.

إن القيمة الحقيقية لهذه المسيرة لا تكمن في أنها حدث عابر، بل في أنها أعادت بث روح المبادرة والثقة بقدرة الناس على الفعل الجماعي في أحلك الظروف. والمطلوب اليوم هو البناء على هذه الروح، وتنميتها وتحويلها إلى حالة شعبية متواصلة تعزز صمود المواطنين، وتدافع عن حقهم في الحياة والكرامة، وتوسع أشكال المبادرة والعمل الوطني والمجتمعي، بما يرسخ التمسك بالأرض ويقطع الطريق على مشاريع الاقتلاع والتهجير.
فاستنهاض الحالة الشعبية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وطنية في مواجهة حرب الإبادة. وكل خطوة تعزز صمود الناس، وتوحد صفوفهم، وتعيد الثقة بقدرتهم على الصمود والمبادرة، هي جزء لا يتجزأ من معركة الدفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني.

ستبقى الخيام شاهدًا على واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الفلسطيني، لكنها ستبقى أيضًا شاهدًا على أن هذا الشعب، وهو يواجه الجوع والقصف والتهجير، لم يرفع الراية البيضاء، بل خرج منها ليهتف من جديد:
أنا هنا… باقون ولن نرحل.