إذا كان السنوار يعرف… فمن كان يحمي غزة؟

بي دي ان |

15 يوليو 2026 الساعة 07:21م

الكاتب
لا أكتب هذا المقال كي أتبنى رواية إسرائيلية، ولا كي أتعامل مع وثيقة صادرة عن جهة استخبارية إسرائيلية كأنها حقيقة نهائية لا تقبل الشك. فالوثائق في زمن الحرب ليست بريئة دائمًا، وتوقيت نشرها ليس تفصيلًا عابرًا، وقد تكون صحيحة، وقد تكون مجتزأة، أنا لا  أملك رفاهية تصديق المخابرات الإسرائيلية، لكني لا أملك أيضًا رفاهية الهروب من السؤال الذي تفتحه الرواية إذا لامست جرحًا حقيقيًا في تجربتنا مع الإبادة .
التقرير الذي نشرته بعض الصحف العبرية ، نقلًا عن جهات استخبارية إسرائيلية، حول وثيقة منسوبة ليحيى السنوار، يفتح بابًا ثقيلًا لا يمكن تجاهله. فالمسألة لا تقف عند سؤال: هل كتب السنوار هذه الكلمات فعلًا أم لا؟ بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ماذا لو كان مضمون الوثيقة قريبًا من طريقة التفكير التي اتخذت قرار السابع من أكتوبر؟ ماذا لو أن من خطط للضربة كان يتوقع ردًا إسرائيليًا بالغ الوحشية، وربما كان يتوقع أن تبقى غزة وحدها في المعركة؟ هنا لا يعود النقاش عن الوثيقة وحدها، بل عن معنى القيادة، وعن حدود القرار، وعن حق أي تنظيم أو قائد أو نخبة مغلقة في أن تأخذ مجتمعًا كاملًا إلى نار تعرف مسبقًا أنها قد تلتهمه.
قد تكون الوثيقة المنسوبة للسنوار صحيحة، وقد تكون جزءًا من حرب نفسية إسرائيلية. لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى وثيقة أن غزة دفعت ثمنًا يفوق قدرة البشر على الاحتمال. والحقيقة الأشد أن هذا الثمن لا يجوز أن يمر بلا سؤال، ولا أن يُغطى بالشعارات، ولا أن يُختصر في لغة الصمود والانتصار. فحين يصبح البقاء تحت الخيمة إنجازًا، وحين يصبح الحصول على كيس طحين معركة، وحين يصبح الطفل الجائع شاهدًا على القرار السياسي، يصبح من حق الناس أن يسألوا، بل من واجبهم أن يسألوا.
وليس من الإنصاف أن يقال إن مجرد السؤال عن المسؤولية الداخلية هو خدمة لإسرائيل. هذه حيلة قديمة لإسكات الناس. إسرائيل تخدم نفسها بجرائمها وسلاحها وإعلامها وسياساتها، أما الفلسطيني الذي يسأل: من حمى غزة؟ ومن حسب الثمن؟ ومن راجع القرار؟ فهو لا يخدم العدو، بل يحاول إنقاذ ما تبقى من معنى الوطن. فالأوطان لا تُحمى بالصمت عن الأخطاء، ولا تُبنى بتقديس القادة، ولا تُنقذ بمنع الناس من التفكير في أسباب الكارثة.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الإحتلال مسؤول عن جرائمه كاملة. هذه حقيقة لا يجوز أن تُخفف أو تُوارى أو تُستخدم أي وثيقة للتغطية عليها. الاحتلال هو أصل الكارثة، والآلة العسكرية الإسرائيلية هي التي قتلت ودمّرت وجوّعت وشرّدت، ولا يملك أحد أن يمنحها عذرًا أخلاقيًا أو سياسيًا على ما فعلته بغزة. لكن إدانة الجلاد لا تعني إسقاط السؤال الداخلي. فحين نعرف أن العدو وحشي، يصبح واجب الحماية أكبر، لا أصغر. وحين نعرف أن إسرائيل قد ترد بلا حدود، يصبح السؤال عن خطة النجاة أهم من السؤال عن خطة الهجوم.
القائد لا يُحاسَب فقط على جرأته في بدء المعركة، بل يُحاسَب على قدرته على تقدير نهايتها، وعلى حماية الناس الذين يقول إنه يقاتل من أجلهم. ليس كافيًا أن تكون هناك خطة لاختراق الحدود، أو إحداث صدمة نفسية وعسكرية لدى العدو، أو محاولة إشعال ساحات أخرى. السؤال الأهم: ماذا بعد؟ ماذا لو لم تلتحق الساحات الأخرى؟ ماذا لو تُركت غزة وحدها؟ ماذا عن المدنيين الذين لا يملكون نفقًا ولا مخزنًا ولا قرارًا ولا قدرة على الهروب؟ هل خطرت على قريحة السنوار  العسكرية مثل هذه الأسئلة ؟
المشكلة ليست أن قائدًا توقع وحشية إسرائيل؛ كل فلسطيني يعرف وحشية إسرائيل. المشكلة أن تتحول هذه المعرفة إلى جزء من الحساب، ثم يُترك الناس عراة أمام النتيجة. كأن المجتمع كله صار هامشًا في معادلة كبرى، وكأن المدنيين مجرد رصيد صمود، وكأن غزة يمكن أن تُدفع إلى المجهول ثم يُطلب من أهلها أن يصفقوا لأنهم لم ينكسروا.
هناك فرق كبير بين مقاومة الاحتلال وبين تحويل المجتمع إلى وقود لمعركة بلا ضمانات. المقاومة، في معناها الوطني، وُجدت لحماية الناس وكرامتهم وحقهم في الحياة والحرية، لا كي يصبح الناس مادة اختبار لمدى قدرة العدو على البطش. السلاح وسيلة، والتنظيم وسيلة، وأي عملية عسكرية وسيلة ، أما الهدف والأصل فهو الإنسان. فإذا صار الإنسان هو الثمن الدائم، وإذا أصبحت المدينة كلها قربانًا، فعلينا أن نسأل: هل بقيت الوسيلة في خدمة القضية، أم صارت القضية في خدمة هذه الوسيلة ؟
ما يزيد الأمر قسوة أن فلسطين كلها بكل فصائلها وتنظيماتها لم تُستشر. الناس الذين دفعوا الثمن لم يجلسوا على طاولة القرار. الأم التي فقدت أبناءها لم تكن جزءًا من الحسابات. الأب الذي حمل جثمان طفله لم يُسأل عن رأيه في الخطة. العائلة التي نُسف بيتها لم توافق على أن تتحول حياتها إلى رقم في ميزان لضربة والرد . وهنا تكمن المأساة: أن يتحول القرار الوطني إلى شأن مغلق، بينما يتحول الثمن إلى قدر مفتوح على الجميع.
أخطر ما يحدث الآن بعد كل هذا الدم أننا نكتفي بتبادل الاتهامات بين مؤيد وخائن، أو مقاوم ومنهزم، أو وطني ومتصهين. هذه اللغة قتلت النقاش الفلسطيني قبل أن يولد. نحن بحاجة إلى شجاعة مختلفة؛ شجاعة لا تبرئ إسرائيل، ولا تقدس الفصائل، ولا تخاف من السؤال. شجاعة تقول إن الاحتلال مجرم، وإن القرار الفلسطيني يجب أن يخضع للمحاسبة أيضًا. فالمظلومية لا تمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا، والحق في مقاومة الاحتلال لا يعني الحق في تقرير مصير مليوني إنسان دون حماية ودون خطة ودون مراجعة.
غزة لم تكن مجرد ساحة. غزة كانت بيوتًا وأحلامًا ومدارس وأمهات وآباء وأطفالًا ومرضى وطلابًا وذكريات. غزة ليست خريطة عمليات، ولا صندوق رسائل إلى العدو، ولا منصة لإثبات بطولة أحد. غزة مجتمع حيّ، وهذا المجتمع كان يجب أن يكون مركز القرار لا ضحيته. كان يجب أن تُبنى كل خطة على سؤال واحد: كيف نحمي الناس؟ لا كيف نصدم العدو فقط.
أنا لا أطلب من أي فلسطيني أن يتخلى عن حقه في مقاومة الاحتلال، ولا أطلب منه أن يثق بعدو لا يعرف إلا القوة. لكني أطلب أن يعود الفلسطيني إلى مركز المعادلة. الأغلبية تطالب بمقاومة تعرف أن حماية الناس ليست تفصيلًا، وأن كرامة المجتمع ليست أقل أهمية من كرامة السلاح، وأن القرار الوطني لا يكتمل إلا حين يرى المدنيين بشرًا لا وقودًا.
السؤال الذي يتركه هذا التقرير ليس: هل صدقت إسرائيل في نشر الوثيقة؟ السؤال الأعمق هو: إذا كان من اتخذ القرار يعرف أن غزة ستواجه هذا الجحيم، فمن كان يحمي غزة؟
وإذا لم يكن هناك من يحميها، فبأي حق طُلب منها أن تدفع الثمن كله؟