من الاستراتيجية إلى السردية العقيدة الأمنية الإسرائيلية والسلطة الخطابية في المشهد الإعلامي المع
بي دي ان |
13 يوليو 2026 الساعة
05:52م
الكاتب
تحتل العقيدة الأمنية موقعاً محورياً في صياغة السياسات الخارجية والداخلية لأي دولة، وتعكس مجموعة المبادئ والافتراضات التي تحكم إدراك القيادة السياسية والعسكرية للتهديدات والفرص على الساحة الإقليمية والدولية. وفي حالة إسرائيل، تكتسب العقيدة الأمنية أهمية استثنائية، لا سيما بعد حوالي سبعة عقود من التأسيس في بيئة جيوسياسية معقدة وملبدة بالتحديات الأمنية المتعددة. لكن ما يثير الاهتمام الأكاديمي بشكل متزايد هو كيفية تفاعل هذه العقيدة مع المشهد الإعلامي، وكيف أصبح الخطاب الإعلامي أداة تعاكس وتعيد تشكيل هذه العقيدة في الوعي الجماهيري والدولي، إن العلاقة بين العقيدة الأمنية والخطاب الإعلامي ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تفاعلية ديناميكية، حيث يؤثر كل طرف على الآخر ويشكله. هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذه العلاقة المعقدة من خلال تحليل الأبعاد النظرية والتطبيقية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية وانعكاساتها على الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والعالمي.
أولاً: تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية - مراحل تاريخية
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والدفاع (1948-1967)
في البدايات الأولى للدولة الإسرائيلية، كانت العقيدة الأمنية تتمحور حول مبدأ البقاء(Survival) والدفاع الشامل ضد تهديد وجودي مباشر. كان الإدراك الأمني الإسرائيلي يصور الدول العربية المحيطة كتهديد وجودي لا يمكن التعايش معه، مما استدعى بناء قدرات عسكرية فعالة وقوية. في هذه المرحلة، كان الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يركز على تعزيز فكرة دولة محاصرة تدافع عن حقها في البقاء ضد أعداء يسعون لإبادتها استخدم الإعلام الإسرائيلي لغة استعطافية وتاريخية لبناء توافق شعبي حول الحاجة الضرورية للتسليح والتعبئة العسكرية.
المرحلة الثانية: مرحلة التفوق الاستراتيجي (1967-1990)
بعد نصر 1967، تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتتضمن بعداً جديداً: مبدأ التفوق العسكري المستمر (Qualitative Military Edge)، لم تعد العقيدة تقتصر على الدفاع السلبي، بل تبنت مفهوم الحرب الاستباقية والعمليات الاستشرافية. خلال هذه المرحلة، احتلت العقيدة الأمنية مكانة مركزية في الثقافة السياسية الإسرائيلية، وأصبح الجيش الإسرائيلي يُنظر إليه كحامي الدولة الأساسي، الخطاب الإعلامي الإسرائيلي أثناء هذه الفترة روج بقوة لفكرة إسرائيل القوية التي تفرض إرادتها، وصورت العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة كتدابير دفاعية ضرورية كما بدأ الإعلام الإسرائيلي في تطوير بنية سردية قوية تربط بين القوة العسكرية والأمن القومي والبقاء الوجودي.
المرحلة الثالثة: مرحلة التحديات المتعددة والتكيف (1990-2001)
مع نهاية الحرب الباردة وظهور تهديدات أمنية جديدة (الإرهاب، الأسلحة غير التقليدية)، بدأت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تتشكل بطرق مختلفة في التسعينيات، ظهرت تيارات في الخطاب الإسرائيلي تحاول التوفيق بين الأمن والسلام، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو لكن هذا التفاعل بين العقيدة الأمنية والخطاب السلامي كان محدوداً ومتوتراً، فالخطاب الإعلامي انقسم إلى تيارين: يميني-أمني يؤكد على استحالة السلام الحقيقي مع الفلسطينيين، ويساري-سلامي يرى في التسويات السياسية حلاً ممكناً هذا الانقسام في الخطاب الإعلامي عكس بصراعة التناقضات الكامنة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين الأمن المطلق والتسويات السياسية.
المرحلة الرابعة: عصر الإرهاب والأمن الحيوي (2001 حتى الآن)
منذ انتفاضة الأقصى في 2000 وهجمات سبتمبر 2001، دخلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية حقبة جديدة تركز بشكل أساسي على مكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية غير المتماثلة، وأصبح مفهوم الأمن الحيوي (Existential Security) هو المحرك الأساسي لسياسات إسرائيل في هذه المرحلة، برزت أهمية الخطاب الإعلامي بشكل غير مسبوق، حيث أصبح وسيلة أساسية لتبرير السياسات الأمنية الجديدة، من بناء الجدار الأمني إلى العمليات العسكرية المكثفة الخطاب الإعلامي الإسرائيلي أثناء هذه الفترة تبنى سردية قوية مركزها أن إسرائيل تواجه تهديداً وجودياً من الإرهاب، وأن كل الإجراءات الأمنية، مهما بدت قاسية، هي إجراءات دفاعية ضرورية وحتمية.
ثانياً: المبادئ الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية المعاصرة
1- مبدأ التفوق العسكري النوعي
يشكل هذا المبدأ حجر الزاوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بموجب هذا المبدأ، تسعى إسرائيل للحفاظ على تفوق عسكري نوعي واضح على جميع التهديدات المحتملة، هذا المبدأ يُترجم في الممارسة إلى استثمار ضخم في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والقوات الخاصة والعمليات الاستخبارية، خصوصا في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، يُصور هذا التفوق كضرورة حتمية لضمان البقاء في محيط معاد، فالخطاب يركز على كفاءة الجيش الإسرائيلي وتفوقه التكنولوجي كمصدر للفخر الوطني وكضمانة للأمن القومي.
2- مبدأ الحرب الاستباقية
يسمح هذا المبدأ لإسرائيل بشن عمليات عسكرية ضد التهديدات المحتملة قبل تحققها الفعلي. تم استخدام هذا المبدأ بوضوح في حرب 1967 وفي العديد من العمليات العسكرية اللاحقة. الخطاب الإعلامي يعرّف هذا المبدأ على أنه حق دفاعي أساسي، لكن النقاد الدوليين والإعلاميين ينظرون إليه كعدوان استباقي. هذا التناقض في التأطير الإعلامي يعكس الصراع حول شرعية العمليات الإسرائيلية. المشهد الإعلامي الإسرائيلي بشكل عام يقدم هذه العمليات في سياق دفاعي صارم، مركزاً على الضرورة الأمنية بدلاً من التفاصيل الجيوسياسية الأوسع.
3- مبدأ الأمن في العمق
ينبع هذا المبدأ من واقع أن إسرائيل دولة صغيرة الحجم محاطة بتهديدات محتملة، ووفقاً لهذا المبدأ، تسعى إسرائيل للحفاظ على مناطق عازلة حولها والسيطرة على الأراضي الاستراتيجية، هذا المبدأ كان المبرر الأساسي لاحتلال الأراضي الفلسطينية والعمليات الاستيطانية، الخطاب الإعلامي الإسرائيلي قدّم هذا المبدأ باعتباره ضرورة جغرافية-استراتيجية، لكن الخطاب الإعلامي الدولي والفلسطيني عارضه بشدة باعتباره تبريراً للاحتلال والتوسع الإقليمي، هذا الصراع على تأطير هذا المبدأ يعكس أعمق الانقسامات حول شرعية السياسة الإسرائيلية.
4- مبدأ الردع النووي
رغم أن إسرائيل لم تعترف رسمياً بامتلاك أسلحة نووية، إلا أن الإجماع الدولي يقر بذلك، كما يشكل الردع النووي حاجزاً نهائياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فالخطاب الإعلامي الإسرائيلي حول هذا الموضوع يتسم بالغموض المقصود؛ فهو لا ينفي ولا يؤكد علناً، لكن الإشارات المبطنة في الخطاب الرسمي والإعلامي توحي بأن إسرائيل لديها هذه القدرة كحاجز أخير، على الصعيد الدولي، يثير هذا النقاش إحراجاً في الخطاب الإعلامي الغربي، الذي يطبق معايير مختلفة تماماً على الأسلحة النووية الإسرائيلية مقارنة بالإيرانية.
ثالثاً: الخطاب الإعلامي الإسرائيلي وتشكيل العقيدة الأمنية
العلاقة التفاعلية والديناميكية
لا يمكن فهم العقيدة الأمنية الإسرائيلية بمعزل عن الخطاب الإعلامي الذي يحيط بها ويشكلها باستمرار، فالإعلام الإسرائيلي ليس محايداً ناقلاً للمعلومات، بل هو فاعل أساسي في عملية بناء الإجماع حول الضروريات الأمنية، من جهة، تؤثر العقيدة الأمنية على الخطاب الإعلامي، حيث تحدد الإطارات التي يستخدمها الإعلاميون والساسة لتفسير الأحداث والتحديات، ومن جهة أخرى، يساهم الخطاب الإعلامي في تشكيل وإعادة تشكيل العقيدة الأمنية نفسها من خلال تأطير الأحداث وتقديم تفسيرات معينة وتهميش أخرى.
بناء السردية الأمنية
تقوم الوسائل الإعلامية الإسرائيلية الرئيسية ببناء سردية أمنية متسقة تدور حول عدة محاور أساسية، أولاً، سردية التهديد الوجودي التي تصور إسرائيل كدولة مهددة بشكل مستمر من قِبل أعداء لا يرغبون في وجودها، ثانياً، سردية الضرورة الأمنية التي تبرر كل الإجراءات العسكرية واستثنائية باسم الدفاع عن النفس، ثالثاً، سردية التفوق والكفاءة التي تحتفي بالجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، هذه السرديات لا تُعرض بطريقة مباشرة فحسب، بل تُدمج في المحتوى الإخباري والتحليلي والترفيهي حتى تصبح جزءاً من الوعي الجماهيري المشترك.
دور الخطاب الإعلامي في شرعية السياسات
يلعب الخطاب الإعلامي دوراً حاسماً في شرعية السياسات الأمنية الإسرائيلية على المستويين الداخلي والدولي، على المستوى الداخلي، يساهم الإعلام الإسرائيلي في بناء إجماع وطني حول الحاجة الأمنية، مما يوفر الدعم الشعبي للعمليات العسكرية والسياسات القمعية، وعلى المستوى الدولي، يحاول الخطاب الإعلامي الإسرائيلي (خاصة الموجه للغرب) إقناع الرأي العام الدولي بأن إسرائيل تتصرف بشكل دفاعي وعقلاني، وأن سياساتها محكومة بضروريات أمنية حقيقية وليست بدافع عدواني، استخدام لغة معينة في الخطاب الإعلامي : مثل كلمات "دفاع" و"ضرورة" و"تهديد "، يساعد على عمليات شرعية السياسات وإعادة تعريفها.
رابعاً: الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والعمليات العسكرية الأخيرة
تأطير العمليات العسكرية
في كل عملية عسكرية إسرائيلية، يتم تأطير الأحداث بطريقة معينة في الخطاب الإعلامي، فالعمليات لا توصف بأنها "غزوات" أو "احتلالات" بل بأنها "عمليات دفاعية" أو "رد" على تهديد، والضحايا المدنيين الفلسطينيين، إن ذُكروا، يتم تقليل أهميتهم أو تقديم تبريرات لهم، فالخطاب الإعلامي الإسرائيلي يستخدم لغة عقلانية وتقنية لوصف العمليات العسكرية، مما يزيل التأثير الإنساني العاطفي من السردية،على سبيل المثال: في العمليات العسكرية الأخيرة، استخدمت الوسائل الإعلامية الإسرائيلية مصطلحات مثل "ضرورة" و"ردع" و"دفاع عن النفس" بشكل متكرر، بينما تم تقليل الحديث عن الأثر الإنساني والمدني للعمليات.
التعامل مع الانتقادات الدولية
عندما تواجه إسرائيل انتقادات دولية حول سياساتها العسكرية أو الاستيطانية، يعكس الخطاب الإعلامي الإسرائيلي هذا الصراع بطرق معينة، غالباً ما يتم تقديم الانتقادات الدولية على أنها "انحياز" أو "ازدواجية معايير"، الخطاب الإعلامي يقلل من شأن الانتقادات الدولية ويصورها كنتاج لمحاباة سياسية أو معاداة سامية، هذا الأسلوب في التعامل مع النقد الخارجي يعكس سمة أساسية من العقيدة الأمنية الإسرائيلية: فكرة أن العالم معاد وأن إسرائيل محاطة بعداء دولي، مما يبرر العديد من السياسات.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تطور الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بطرق جديدة، أصبح لدى المؤسسات الإسرائيلية وجود قوي على هذه المنصات، حيث تعمل على تشكيل السردية الدولية حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية، واستخدام الوسائط المتعددة، من الفيديو القصير إلى المحتوى التفاعلي، أتاح للخطاب الإسرائيلي الوصول إلى جماهير أوسع بطرق أكثر فعالية، فوسائل التواصل الاجتماعي أيضاً أسهمت في تضخيم الأصوات الإسرائيلية اليمينية، التي تقدم نسخة أكثر تطرفاً من العقيدة الأمنية.
خامساً: الخطاب الإعلامي الدولي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية
الخطاب الإعلامي الغربي
في الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، يختلف الخطاب الإعلامي حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فالخطاب الإعلامي الأمريكي بشكل عام يتبنى وجهة نظر تعاطفية تجاه الحاجة الأمنية الإسرائيلية، ويستخدم إطارات مشابهة لتلك المستخدمة في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي نفسه، ومن ناحية أخرى، الخطاب الإعلامي الأوروبي - خاصة في دول معينة - أظهر نقداً أكثر حدة للسياسات الإسرائيلية. لكن حتى في الخطاب الإعلامي الأوروبي، هناك ميل نحو فهم الحاجة الأمنية الإسرائيلية من منطلق تاريخي، الاختلاف الرئيسي يكمن في درجة قبول الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لتحقيق أمنها.
الخطاب الإعلامي في الدول العربية والإسلامية
يشكل الخطاب الإعلامي في الدول العربية والإسلامية نقيضاً حاداً للخطاب الإسرائيلي، في هذا الخطاب، لا تُقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية كحاجة شرعية، بل تُرى كتبرير للاحتلال والعدوان، الخطاب العربي يركز على الآثار المدنية للسياسات العسكرية الإسرائيلية ويصورها كممارسات قمعية، لكن هناك أيضاً تنويع في الخطاب الإعلامي العربي؛ فبعض وسائل الإعلام العربية الحكومية تقدم موقفاً أكثر اعتدالاً، بينما تقدم وسائل إعلامية أخرى موقفاً أكثر حدة وقد يكون متطرفاً في بعض الحالات.
الخطاب الإعلامي الدولي المحايد
على الصعيد الدولي، هناك محاولات من وسائل إعلام معينة للحفاظ على حياد نسبي في تغطيتها للعقيدة الأمنية الإسرائيلية والسياسات الناتجة عنها. هذه الوسائل تسعى لعرض الحاجة الأمنية الإسرائيلية إلى جانب الأثر الإنساني للسياسات الإسرائيلية. لكن هذا النهج "المتوازن" نفسه محل نقاش، حيث يرى البعض أن هذا التوازن قد يكون مضللاً عندما يعامل الخطاب واقعاً غير متكافئ كما لو كان متكافئاً.
سادساً: التأثيرات المتبادلة - كيف يؤثر كل منهما على الآخر
تأثير العقيدة الأمنية على الخطاب الإعلامي
العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحدد الإطارات الفكرية الأساسية التي يعمل ضمنها الخطاب الإعلامي. صانعو السياسة والعسكريون يحددون التهديدات، والخطاب الإعلامي ينعكس عليها ويقدمها للجمهور. على سبيل المثال، عندما تعرّف العقيدة الأمنية جماعة معينة كتهديد، سرعان ما يظهر هذا في الخطاب الإعلامي من خلال لغة معادية وتصورات نمطية. العقيدة الأمنية أيضاً تحدد أي الأنشطة "مقبولة" و"معقولة" من وجهة نظر الأمن القومي، وهذا بدوره يشكل كيفية تغطية الإعلام لهذه الأنشطة.
تأثير الخطاب الإعلامي على العقيدة الأمنية
من ناحية أخرى، يؤثر الخطاب الإعلامي على العقيدة الأمنية نفسها من خلال عملية تراكمية، الخطاب الإعلامي يشكل الرأي العام، والرأي العام يؤثر على صانعي السياسة، عندما يستمر الخطاب الإعلامي في تعزيز سردية معينة حول التهديد الأمني، يصبح هذا الإدراك جزءاً من البيئة السياسية التي يعمل فيها صانعو السياسة، بالإضافة إلى ذلك، الخطاب الإعلامي الدولي - خاصة الانتقادات - يؤثر على كيفية إعادة صياغة العقيدة الأمنية وتقديمها،على سبيل المثال، عندما واجهت إسرائيل انتقادات دولية حول سياساتها الاستيطانية، بدأ الخطاب الأمني يركز بشكل أكبر على البعد الأمني لهذه السياسات (الأمن في العمق) بدلاً من الأبعاد السياسية والأيديولوجية.
حلقات التعزيز
توجد حلقات تعزيز قوية بين العقيدة الأمنية والخطاب الإعلامي، عندما تتبنى العقيدة الأمنية تهديداً معيناً، يعيد الخطاب الإعلامي إنتاج هذا التهديد، مما يقوي الإدراك بأهميته، هذا الإدراك المعزز بدوره يؤثر على السياسات التي تُتخذ، وعندما تأخذ هذه السياسات شكلاً عملياً (عمليات عسكرية، سياسات قمعية) ، يعود الخطاب الإعلامي ليبررها ويعيد تشكيل الإدراك، هذه الحلقات يمكن أن تكون إيجابية (من وجهة نظر السياسة الأمنية) في تعزيز الإجماع الوطني، أو قد تكون سلبية عندما تؤدي إلى تصعيد الصراع وإغلاق الآفاق السياسية البديلة.
سابعاً: الآثار والانعكاسات
تأثيرات على الساحة الإقليمية والدولية
التفاعل بين العقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي له انعكاسات واضحة على الساحة الإقليمية والدولية. الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يؤثر على كيفية إدراك الدول الأخرى لنوايا إسرائيل والتهديدات المتوقعة منها. بالمقابل، العقيدة الأمنية الإسرائيلية تؤثر على كيفية استجابة الدول الأخرى لإسرائيل، في بعض الحالات، يخلق هذا التفاعل ديناميكيات صراعية تصعيدية؛ عندما يُنظر إلى إجراء أمني إسرائيلي على أنه تهديد من قِبل الدول الأخرى، قد تستجيب هذه الدول بإجراءات مضادة، مما يعزز إدراك التهديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهكذا دواليك.
التأثيرات على الساحة الداخلية الإسرائيلية
على الصعيد الداخلي، يترجم التفاعل بين العقيدة الأمنية والخطاب الإعلامي إلى هياكل سلطة وتوزيع موارد معين، فالجيش والمؤسسات الأمنية تحظى بموقع خاص في المجتمع الإسرائيلي، مدعومة بخطاب إعلامي قوي يحتفي بدورهم، هذا الموقع المميز للمؤسسة العسكرية يؤثر على التطور السياسي والثقافي والاقتصادي للمجتمع الإسرائيلي. كما أن الخطاب الأمني القوي قد يهمش الأصوات السلامية والنقدية، مما يحد من نطاق النقاش السياسي الممكن.
التأثيرات على الفلسطينيين وشعوب المنطقة
بالطبع، للعقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي المترجم لها تأثيرات مباشرة وقاسية على الفلسطينيين وشعوب المنطقة، فالسياسات الناتجة عن هذه العقيدة من - الاحتلال إلى الحصار إلى العمليات العسكرية- لها تأثير مباشر على الحياة اليومية لملايين الأشخاص، فالخطاب الإعلامي الذي يبرر هذه السياسات ويقدمها كضرورية يساهم في تطبيع الممارسات التي يعتبرها المجتمع الدولي انتهاكات لحقوق الإنسان، ومن ناحية أخرى، يعد الخطاب الفلسطيني والعربي في الإعلام يعكس الآثار المدمرة لهذه السياسات.
خاتمة
العقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي يشكلان دينامية معقدة وتفاعلية تحدد المسار السياسي والعسكري للدولة الإسرائيلية. ليست العلاقة بينهما علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة متبادلة، حيث يؤثر كل عنصر على الآخر ويعيد تشكيله باستمرار. العقيدة الأمنية توفر الإطار المفاهيمي الذي ينظم الخطاب الإعلامي، بينما الخطاب الإعلامي يشكل الرأي العام والسياسة ويعيد بناء العقيدة الأمنية نفسها.
من منظور علوم سياسية، يبرز هذا التفاعل أهمية دراسة العلاقة بين الخطاب والسياسة، وكيف يمكن للسرديات والتأطيرات الإعلامية أن تشكل السياسات الفعلية. الخطاب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو عامل فعّال يشكل الواقع ويؤثر عليه. في حالة إسرائيل، الخطاب الإعلامي ليس مجرد وصف للعقيدة الأمنية، بل هو وسيلة لبناء الإجماع، تبرير السياسات، وتشكيل الهويات الجماعية.
إن فهم هذه العلاقات المعقدة مهم للباحثين والمحللين السياسيين الذين يسعون لفهم السياسات الإسرائيلية وديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط. كما أن هذا الفهم مهم للمجتمع الدولي في محاولته فهم وتقييم شرعية وعقلانية السياسات الإسرائيلية،على صعيد أوسع، تعكس هذه الدراسة أهمية النقد الإعلامي والخطابي كأداة لفهم السياسات الدولية وتحديها.
في النهاية، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي يشكلان نظاماً متكاملاً يحتاج إلى الفحص النقدي والتحليل المستمر من قِبل الأكاديميين والباحثين، فقط من خلال هذا الفحص الدقيق يمكننا أن نفهم كيف تتشكل السياسات الدولية وكيف يمكن للخطاب أن يؤثر على الحقائق على الأرض.
بي دي ان |
13 يوليو 2026 الساعة 05:52م
أولاً: تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية - مراحل تاريخية
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والدفاع (1948-1967)
في البدايات الأولى للدولة الإسرائيلية، كانت العقيدة الأمنية تتمحور حول مبدأ البقاء(Survival) والدفاع الشامل ضد تهديد وجودي مباشر. كان الإدراك الأمني الإسرائيلي يصور الدول العربية المحيطة كتهديد وجودي لا يمكن التعايش معه، مما استدعى بناء قدرات عسكرية فعالة وقوية. في هذه المرحلة، كان الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يركز على تعزيز فكرة دولة محاصرة تدافع عن حقها في البقاء ضد أعداء يسعون لإبادتها استخدم الإعلام الإسرائيلي لغة استعطافية وتاريخية لبناء توافق شعبي حول الحاجة الضرورية للتسليح والتعبئة العسكرية.
المرحلة الثانية: مرحلة التفوق الاستراتيجي (1967-1990)
بعد نصر 1967، تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتتضمن بعداً جديداً: مبدأ التفوق العسكري المستمر (Qualitative Military Edge)، لم تعد العقيدة تقتصر على الدفاع السلبي، بل تبنت مفهوم الحرب الاستباقية والعمليات الاستشرافية. خلال هذه المرحلة، احتلت العقيدة الأمنية مكانة مركزية في الثقافة السياسية الإسرائيلية، وأصبح الجيش الإسرائيلي يُنظر إليه كحامي الدولة الأساسي، الخطاب الإعلامي الإسرائيلي أثناء هذه الفترة روج بقوة لفكرة إسرائيل القوية التي تفرض إرادتها، وصورت العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة كتدابير دفاعية ضرورية كما بدأ الإعلام الإسرائيلي في تطوير بنية سردية قوية تربط بين القوة العسكرية والأمن القومي والبقاء الوجودي.
المرحلة الثالثة: مرحلة التحديات المتعددة والتكيف (1990-2001)
مع نهاية الحرب الباردة وظهور تهديدات أمنية جديدة (الإرهاب، الأسلحة غير التقليدية)، بدأت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تتشكل بطرق مختلفة في التسعينيات، ظهرت تيارات في الخطاب الإسرائيلي تحاول التوفيق بين الأمن والسلام، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو لكن هذا التفاعل بين العقيدة الأمنية والخطاب السلامي كان محدوداً ومتوتراً، فالخطاب الإعلامي انقسم إلى تيارين: يميني-أمني يؤكد على استحالة السلام الحقيقي مع الفلسطينيين، ويساري-سلامي يرى في التسويات السياسية حلاً ممكناً هذا الانقسام في الخطاب الإعلامي عكس بصراعة التناقضات الكامنة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين الأمن المطلق والتسويات السياسية.
المرحلة الرابعة: عصر الإرهاب والأمن الحيوي (2001 حتى الآن)
منذ انتفاضة الأقصى في 2000 وهجمات سبتمبر 2001، دخلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية حقبة جديدة تركز بشكل أساسي على مكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية غير المتماثلة، وأصبح مفهوم الأمن الحيوي (Existential Security) هو المحرك الأساسي لسياسات إسرائيل في هذه المرحلة، برزت أهمية الخطاب الإعلامي بشكل غير مسبوق، حيث أصبح وسيلة أساسية لتبرير السياسات الأمنية الجديدة، من بناء الجدار الأمني إلى العمليات العسكرية المكثفة الخطاب الإعلامي الإسرائيلي أثناء هذه الفترة تبنى سردية قوية مركزها أن إسرائيل تواجه تهديداً وجودياً من الإرهاب، وأن كل الإجراءات الأمنية، مهما بدت قاسية، هي إجراءات دفاعية ضرورية وحتمية.
ثانياً: المبادئ الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية المعاصرة
1- مبدأ التفوق العسكري النوعي
يشكل هذا المبدأ حجر الزاوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بموجب هذا المبدأ، تسعى إسرائيل للحفاظ على تفوق عسكري نوعي واضح على جميع التهديدات المحتملة، هذا المبدأ يُترجم في الممارسة إلى استثمار ضخم في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والقوات الخاصة والعمليات الاستخبارية، خصوصا في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، يُصور هذا التفوق كضرورة حتمية لضمان البقاء في محيط معاد، فالخطاب يركز على كفاءة الجيش الإسرائيلي وتفوقه التكنولوجي كمصدر للفخر الوطني وكضمانة للأمن القومي.
2- مبدأ الحرب الاستباقية
يسمح هذا المبدأ لإسرائيل بشن عمليات عسكرية ضد التهديدات المحتملة قبل تحققها الفعلي. تم استخدام هذا المبدأ بوضوح في حرب 1967 وفي العديد من العمليات العسكرية اللاحقة. الخطاب الإعلامي يعرّف هذا المبدأ على أنه حق دفاعي أساسي، لكن النقاد الدوليين والإعلاميين ينظرون إليه كعدوان استباقي. هذا التناقض في التأطير الإعلامي يعكس الصراع حول شرعية العمليات الإسرائيلية. المشهد الإعلامي الإسرائيلي بشكل عام يقدم هذه العمليات في سياق دفاعي صارم، مركزاً على الضرورة الأمنية بدلاً من التفاصيل الجيوسياسية الأوسع.
3- مبدأ الأمن في العمق
ينبع هذا المبدأ من واقع أن إسرائيل دولة صغيرة الحجم محاطة بتهديدات محتملة، ووفقاً لهذا المبدأ، تسعى إسرائيل للحفاظ على مناطق عازلة حولها والسيطرة على الأراضي الاستراتيجية، هذا المبدأ كان المبرر الأساسي لاحتلال الأراضي الفلسطينية والعمليات الاستيطانية، الخطاب الإعلامي الإسرائيلي قدّم هذا المبدأ باعتباره ضرورة جغرافية-استراتيجية، لكن الخطاب الإعلامي الدولي والفلسطيني عارضه بشدة باعتباره تبريراً للاحتلال والتوسع الإقليمي، هذا الصراع على تأطير هذا المبدأ يعكس أعمق الانقسامات حول شرعية السياسة الإسرائيلية.
4- مبدأ الردع النووي
رغم أن إسرائيل لم تعترف رسمياً بامتلاك أسلحة نووية، إلا أن الإجماع الدولي يقر بذلك، كما يشكل الردع النووي حاجزاً نهائياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فالخطاب الإعلامي الإسرائيلي حول هذا الموضوع يتسم بالغموض المقصود؛ فهو لا ينفي ولا يؤكد علناً، لكن الإشارات المبطنة في الخطاب الرسمي والإعلامي توحي بأن إسرائيل لديها هذه القدرة كحاجز أخير، على الصعيد الدولي، يثير هذا النقاش إحراجاً في الخطاب الإعلامي الغربي، الذي يطبق معايير مختلفة تماماً على الأسلحة النووية الإسرائيلية مقارنة بالإيرانية.
ثالثاً: الخطاب الإعلامي الإسرائيلي وتشكيل العقيدة الأمنية
العلاقة التفاعلية والديناميكية
لا يمكن فهم العقيدة الأمنية الإسرائيلية بمعزل عن الخطاب الإعلامي الذي يحيط بها ويشكلها باستمرار، فالإعلام الإسرائيلي ليس محايداً ناقلاً للمعلومات، بل هو فاعل أساسي في عملية بناء الإجماع حول الضروريات الأمنية، من جهة، تؤثر العقيدة الأمنية على الخطاب الإعلامي، حيث تحدد الإطارات التي يستخدمها الإعلاميون والساسة لتفسير الأحداث والتحديات، ومن جهة أخرى، يساهم الخطاب الإعلامي في تشكيل وإعادة تشكيل العقيدة الأمنية نفسها من خلال تأطير الأحداث وتقديم تفسيرات معينة وتهميش أخرى.
بناء السردية الأمنية
تقوم الوسائل الإعلامية الإسرائيلية الرئيسية ببناء سردية أمنية متسقة تدور حول عدة محاور أساسية، أولاً، سردية التهديد الوجودي التي تصور إسرائيل كدولة مهددة بشكل مستمر من قِبل أعداء لا يرغبون في وجودها، ثانياً، سردية الضرورة الأمنية التي تبرر كل الإجراءات العسكرية واستثنائية باسم الدفاع عن النفس، ثالثاً، سردية التفوق والكفاءة التي تحتفي بالجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، هذه السرديات لا تُعرض بطريقة مباشرة فحسب، بل تُدمج في المحتوى الإخباري والتحليلي والترفيهي حتى تصبح جزءاً من الوعي الجماهيري المشترك.
دور الخطاب الإعلامي في شرعية السياسات
يلعب الخطاب الإعلامي دوراً حاسماً في شرعية السياسات الأمنية الإسرائيلية على المستويين الداخلي والدولي، على المستوى الداخلي، يساهم الإعلام الإسرائيلي في بناء إجماع وطني حول الحاجة الأمنية، مما يوفر الدعم الشعبي للعمليات العسكرية والسياسات القمعية، وعلى المستوى الدولي، يحاول الخطاب الإعلامي الإسرائيلي (خاصة الموجه للغرب) إقناع الرأي العام الدولي بأن إسرائيل تتصرف بشكل دفاعي وعقلاني، وأن سياساتها محكومة بضروريات أمنية حقيقية وليست بدافع عدواني، استخدام لغة معينة في الخطاب الإعلامي : مثل كلمات "دفاع" و"ضرورة" و"تهديد "، يساعد على عمليات شرعية السياسات وإعادة تعريفها.
رابعاً: الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والعمليات العسكرية الأخيرة
تأطير العمليات العسكرية
في كل عملية عسكرية إسرائيلية، يتم تأطير الأحداث بطريقة معينة في الخطاب الإعلامي، فالعمليات لا توصف بأنها "غزوات" أو "احتلالات" بل بأنها "عمليات دفاعية" أو "رد" على تهديد، والضحايا المدنيين الفلسطينيين، إن ذُكروا، يتم تقليل أهميتهم أو تقديم تبريرات لهم، فالخطاب الإعلامي الإسرائيلي يستخدم لغة عقلانية وتقنية لوصف العمليات العسكرية، مما يزيل التأثير الإنساني العاطفي من السردية،على سبيل المثال: في العمليات العسكرية الأخيرة، استخدمت الوسائل الإعلامية الإسرائيلية مصطلحات مثل "ضرورة" و"ردع" و"دفاع عن النفس" بشكل متكرر، بينما تم تقليل الحديث عن الأثر الإنساني والمدني للعمليات.
التعامل مع الانتقادات الدولية
عندما تواجه إسرائيل انتقادات دولية حول سياساتها العسكرية أو الاستيطانية، يعكس الخطاب الإعلامي الإسرائيلي هذا الصراع بطرق معينة، غالباً ما يتم تقديم الانتقادات الدولية على أنها "انحياز" أو "ازدواجية معايير"، الخطاب الإعلامي يقلل من شأن الانتقادات الدولية ويصورها كنتاج لمحاباة سياسية أو معاداة سامية، هذا الأسلوب في التعامل مع النقد الخارجي يعكس سمة أساسية من العقيدة الأمنية الإسرائيلية: فكرة أن العالم معاد وأن إسرائيل محاطة بعداء دولي، مما يبرر العديد من السياسات.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تطور الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بطرق جديدة، أصبح لدى المؤسسات الإسرائيلية وجود قوي على هذه المنصات، حيث تعمل على تشكيل السردية الدولية حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية، واستخدام الوسائط المتعددة، من الفيديو القصير إلى المحتوى التفاعلي، أتاح للخطاب الإسرائيلي الوصول إلى جماهير أوسع بطرق أكثر فعالية، فوسائل التواصل الاجتماعي أيضاً أسهمت في تضخيم الأصوات الإسرائيلية اليمينية، التي تقدم نسخة أكثر تطرفاً من العقيدة الأمنية.
خامساً: الخطاب الإعلامي الدولي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية
الخطاب الإعلامي الغربي
في الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، يختلف الخطاب الإعلامي حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فالخطاب الإعلامي الأمريكي بشكل عام يتبنى وجهة نظر تعاطفية تجاه الحاجة الأمنية الإسرائيلية، ويستخدم إطارات مشابهة لتلك المستخدمة في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي نفسه، ومن ناحية أخرى، الخطاب الإعلامي الأوروبي - خاصة في دول معينة - أظهر نقداً أكثر حدة للسياسات الإسرائيلية. لكن حتى في الخطاب الإعلامي الأوروبي، هناك ميل نحو فهم الحاجة الأمنية الإسرائيلية من منطلق تاريخي، الاختلاف الرئيسي يكمن في درجة قبول الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لتحقيق أمنها.
الخطاب الإعلامي في الدول العربية والإسلامية
يشكل الخطاب الإعلامي في الدول العربية والإسلامية نقيضاً حاداً للخطاب الإسرائيلي، في هذا الخطاب، لا تُقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية كحاجة شرعية، بل تُرى كتبرير للاحتلال والعدوان، الخطاب العربي يركز على الآثار المدنية للسياسات العسكرية الإسرائيلية ويصورها كممارسات قمعية، لكن هناك أيضاً تنويع في الخطاب الإعلامي العربي؛ فبعض وسائل الإعلام العربية الحكومية تقدم موقفاً أكثر اعتدالاً، بينما تقدم وسائل إعلامية أخرى موقفاً أكثر حدة وقد يكون متطرفاً في بعض الحالات.
الخطاب الإعلامي الدولي المحايد
على الصعيد الدولي، هناك محاولات من وسائل إعلام معينة للحفاظ على حياد نسبي في تغطيتها للعقيدة الأمنية الإسرائيلية والسياسات الناتجة عنها. هذه الوسائل تسعى لعرض الحاجة الأمنية الإسرائيلية إلى جانب الأثر الإنساني للسياسات الإسرائيلية. لكن هذا النهج "المتوازن" نفسه محل نقاش، حيث يرى البعض أن هذا التوازن قد يكون مضللاً عندما يعامل الخطاب واقعاً غير متكافئ كما لو كان متكافئاً.
سادساً: التأثيرات المتبادلة - كيف يؤثر كل منهما على الآخر
تأثير العقيدة الأمنية على الخطاب الإعلامي
العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحدد الإطارات الفكرية الأساسية التي يعمل ضمنها الخطاب الإعلامي. صانعو السياسة والعسكريون يحددون التهديدات، والخطاب الإعلامي ينعكس عليها ويقدمها للجمهور. على سبيل المثال، عندما تعرّف العقيدة الأمنية جماعة معينة كتهديد، سرعان ما يظهر هذا في الخطاب الإعلامي من خلال لغة معادية وتصورات نمطية. العقيدة الأمنية أيضاً تحدد أي الأنشطة "مقبولة" و"معقولة" من وجهة نظر الأمن القومي، وهذا بدوره يشكل كيفية تغطية الإعلام لهذه الأنشطة.
تأثير الخطاب الإعلامي على العقيدة الأمنية
من ناحية أخرى، يؤثر الخطاب الإعلامي على العقيدة الأمنية نفسها من خلال عملية تراكمية، الخطاب الإعلامي يشكل الرأي العام، والرأي العام يؤثر على صانعي السياسة، عندما يستمر الخطاب الإعلامي في تعزيز سردية معينة حول التهديد الأمني، يصبح هذا الإدراك جزءاً من البيئة السياسية التي يعمل فيها صانعو السياسة، بالإضافة إلى ذلك، الخطاب الإعلامي الدولي - خاصة الانتقادات - يؤثر على كيفية إعادة صياغة العقيدة الأمنية وتقديمها،على سبيل المثال، عندما واجهت إسرائيل انتقادات دولية حول سياساتها الاستيطانية، بدأ الخطاب الأمني يركز بشكل أكبر على البعد الأمني لهذه السياسات (الأمن في العمق) بدلاً من الأبعاد السياسية والأيديولوجية.
حلقات التعزيز
توجد حلقات تعزيز قوية بين العقيدة الأمنية والخطاب الإعلامي، عندما تتبنى العقيدة الأمنية تهديداً معيناً، يعيد الخطاب الإعلامي إنتاج هذا التهديد، مما يقوي الإدراك بأهميته، هذا الإدراك المعزز بدوره يؤثر على السياسات التي تُتخذ، وعندما تأخذ هذه السياسات شكلاً عملياً (عمليات عسكرية، سياسات قمعية) ، يعود الخطاب الإعلامي ليبررها ويعيد تشكيل الإدراك، هذه الحلقات يمكن أن تكون إيجابية (من وجهة نظر السياسة الأمنية) في تعزيز الإجماع الوطني، أو قد تكون سلبية عندما تؤدي إلى تصعيد الصراع وإغلاق الآفاق السياسية البديلة.
سابعاً: الآثار والانعكاسات
تأثيرات على الساحة الإقليمية والدولية
التفاعل بين العقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي له انعكاسات واضحة على الساحة الإقليمية والدولية. الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يؤثر على كيفية إدراك الدول الأخرى لنوايا إسرائيل والتهديدات المتوقعة منها. بالمقابل، العقيدة الأمنية الإسرائيلية تؤثر على كيفية استجابة الدول الأخرى لإسرائيل، في بعض الحالات، يخلق هذا التفاعل ديناميكيات صراعية تصعيدية؛ عندما يُنظر إلى إجراء أمني إسرائيلي على أنه تهديد من قِبل الدول الأخرى، قد تستجيب هذه الدول بإجراءات مضادة، مما يعزز إدراك التهديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهكذا دواليك.
التأثيرات على الساحة الداخلية الإسرائيلية
على الصعيد الداخلي، يترجم التفاعل بين العقيدة الأمنية والخطاب الإعلامي إلى هياكل سلطة وتوزيع موارد معين، فالجيش والمؤسسات الأمنية تحظى بموقع خاص في المجتمع الإسرائيلي، مدعومة بخطاب إعلامي قوي يحتفي بدورهم، هذا الموقع المميز للمؤسسة العسكرية يؤثر على التطور السياسي والثقافي والاقتصادي للمجتمع الإسرائيلي. كما أن الخطاب الأمني القوي قد يهمش الأصوات السلامية والنقدية، مما يحد من نطاق النقاش السياسي الممكن.
التأثيرات على الفلسطينيين وشعوب المنطقة
بالطبع، للعقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي المترجم لها تأثيرات مباشرة وقاسية على الفلسطينيين وشعوب المنطقة، فالسياسات الناتجة عن هذه العقيدة من - الاحتلال إلى الحصار إلى العمليات العسكرية- لها تأثير مباشر على الحياة اليومية لملايين الأشخاص، فالخطاب الإعلامي الذي يبرر هذه السياسات ويقدمها كضرورية يساهم في تطبيع الممارسات التي يعتبرها المجتمع الدولي انتهاكات لحقوق الإنسان، ومن ناحية أخرى، يعد الخطاب الفلسطيني والعربي في الإعلام يعكس الآثار المدمرة لهذه السياسات.
خاتمة
العقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي يشكلان دينامية معقدة وتفاعلية تحدد المسار السياسي والعسكري للدولة الإسرائيلية. ليست العلاقة بينهما علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة متبادلة، حيث يؤثر كل عنصر على الآخر ويعيد تشكيله باستمرار. العقيدة الأمنية توفر الإطار المفاهيمي الذي ينظم الخطاب الإعلامي، بينما الخطاب الإعلامي يشكل الرأي العام والسياسة ويعيد بناء العقيدة الأمنية نفسها.
من منظور علوم سياسية، يبرز هذا التفاعل أهمية دراسة العلاقة بين الخطاب والسياسة، وكيف يمكن للسرديات والتأطيرات الإعلامية أن تشكل السياسات الفعلية. الخطاب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو عامل فعّال يشكل الواقع ويؤثر عليه. في حالة إسرائيل، الخطاب الإعلامي ليس مجرد وصف للعقيدة الأمنية، بل هو وسيلة لبناء الإجماع، تبرير السياسات، وتشكيل الهويات الجماعية.
إن فهم هذه العلاقات المعقدة مهم للباحثين والمحللين السياسيين الذين يسعون لفهم السياسات الإسرائيلية وديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط. كما أن هذا الفهم مهم للمجتمع الدولي في محاولته فهم وتقييم شرعية وعقلانية السياسات الإسرائيلية،على صعيد أوسع، تعكس هذه الدراسة أهمية النقد الإعلامي والخطابي كأداة لفهم السياسات الدولية وتحديها.
في النهاية، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية والخطاب الإعلامي يشكلان نظاماً متكاملاً يحتاج إلى الفحص النقدي والتحليل المستمر من قِبل الأكاديميين والباحثين، فقط من خلال هذا الفحص الدقيق يمكننا أن نفهم كيف تتشكل السياسات الدولية وكيف يمكن للخطاب أن يؤثر على الحقائق على الأرض.