من "الغضب الملحمي" إلى الهدنة الهشة: قراءة في مآلات حرب إيران 2026
بي دي ان |
09 يوليو 2026 الساعة
12:45م
يُقرأ التصعيد الأمريكي الإسرائيلي على إيران اليوم بوصفه تطبيقًا حيًّا لمعضلة أمنية كلاسيكية، تتجاوز حدود الفعل والفعل المضاد، إذ إن كل خطوة اتخذتها طهران لتعزيز قدرتها الردعية، من التخصيب المتقدم إلى الترسانة الصاروخية، قرأتها تل أبيب تهديدًا وجوديًا يستوجب الاستباق، بينما فسّرت طهران كل تحشيد أمريكي إسرائيلي دليلًا إضافيًا على ضرورة تحصين قدراتها، وهذه الحلقة المفرغة، التي راكمتها عقود من انعدام الثقة منذ اتفاق 2015، هي ما حوّل مسارًا تفاوضيًا مضنيًا امتد عامين كاملين إلى حرب مفتوحة في فبراير الماضي، غير أن الأهم من تفسير اندلاع الحرب هو فهم منطق إدارتها، ذلك أن ما مارسته واشنطن لم يكن حسمًا عسكريًا كاملاً بقدر ما كان نموذجًا لما تُسمّيه أدبيات الاستراتيجيا الحرب المحدودة، حيث تُستخدم القوة لتغيير موازين التفاوض لا لتحقيق نصر نهائي، وهو ما يفسّر لماذا انتقلت الإدارة الأمريكية من ضربة استهدفت رأس النظام إلى مذكرة تفاهم خلال أشهر معدودة، رغم امتلاكها تفوقًا عسكريًا ساحقًا كان يسمح، نظريًا، بالمضي إلى نهايات أبعد.
ولفهم هذا التحول من منظور نظرية الردع الموسّع، فإن واشنطن لم تكن تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بقدر ما كانت تسعى إلى استعادة مصداقية ردعها الإقليمي بعد سنوات من الاختبار المتكرر لحدود صبرها، خصوصًا من وكلاء إيران في المنطقة، أما حين تحقق هذا الهدف الرمزي، عبر مقتل المرشد الأعلى وضرب البنية التحتية النووية، تراجعت الحوافز الاستراتيجية لمواصلة الحرب أمام كلفتها المتصاعدة، لا سيما بعدما أغلقت إيران مضيق هرمز وانعكس ذلك مباشرة على سعر الوقود في الداخل الأمريكي. وهذا بالضبط ما يميز اللحظة الراهنة عن حروب الإسقاط الكامل: إذ إن الردع هنا اكتفى بإثبات القدرة على الوصول لا بالضرورة استثمارها حتى النهاية، وهو نمط سلوكي متكرر في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القوى الإقليمية المتوسطة منذ حرب الخليج الأولى.
بيد أن الطرف الثالث في هذه المعادلة إسرائيل لا يقرأ الصراع بمنطق الردع المحدود ذاته، فتل أبيب، بحكم قربها الجغرافي المباشر من التهديد الإيراني وتجربتها التاريخية مع مفهوم الحرب الاستباقية، تميل إلى قراءة أي تفاهم جزئي بوصفه تأجيلاً للخطر لا إزالة له، وهو ما يفسّر الضغط المتصاعد الذي تمارسه حكومة نتنياهو على واشنطن لعدم إبرام اتفاق يُبقي على أي هامش إيراني للتخصيب، وهو ذات الضغط الذي يبدو أنه أسهم في قرار وزارة الخزانة الأمريكية إعادة فرض قيود النفط على إيران هذا الأسبوع، بعد أقل من شهر على رفعها، وهذا التباين بين حسابات واشنطن الباحثة عن تسوية تحفظ الاستقرار الاقتصادي العالمي، وحسابات تل أبيب الباحثة عن حسم استراتيجي طويل الأمد، يشكّل أحد أخطر مصادر عدم اليقين في المرحلة المقبلة، إذ يجعل من الحليف أحيانًا عاملاً معطّلاً للتهدئة لا مساندًا لها.
أما على مستوى الفاعلين الإقليميين والدوليين، فإن دول الخليج تجد نفسها اليوم في موقع الوسيط المتضرر، فقد كانت الوساطة القطرية عاملاً حاسمًا في وقف التصعيد بحسب ما نقلته تقارير غربية، لكن هذه الدول ذاتها تحمّلت أضرارًا مباشرة من الحرب حين استهدفت الصواريخ الإيرانية أبوظبي ودبي، وهو ما يضعها أمام معضلة مزدوجة: فهي بحاجة إلى استقرار مضيق هرمز حفاظًا على اقتصادها النفطي، لكنها في الوقت نفسه لا تملك ضمانات كافية بأن أي تهدئة قادمة لن تتكرر معها تجربة الاستهداف العرضي إن تجددت المواجهة، وفي خلفية المشهد، تراقب كل من الصين وروسيا هذا الصراع باهتمام مزدوج: فبكين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني، معنية بشكل مباشر باستقرار الممر البحري، بينما تجد موسكو في استنزاف الغرب عسكريًا وسياسيًا في ملف موازٍ لأوكرانيا فرصة لتخفيف الضغط عنها، دون أن يعني ذلك انخراطًا مباشرًا يغيّر موازين الصراع.
وعلى ضوء هذا التحليل متعدد المستويات، يمكن ترجيح ثلاثة سيناريوهات مستقبلية للأشهر القادمة، مع تفاوت في احتمالية كل منها، السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير، يتمثل في استمرار حالة الهدنة المشروطة، حيث تتوالى جولات تفاوضية بطيئة حول الملف النووي دون اختراق حاسم، وسط تصعيدات موضعية متكررة كتلك التي نشهدها هذا الأسبوع من إعادة فرض العقوبات والتأهب العسكري، دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة؛ ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى أن كلا الطرفين يدركان الكلفة الباهظة لجولة قتال ثانية في مدى زمني قصير، أما السيناريو الثاني، فهو تجدد المواجهة العسكرية المباشرة قبل نهاية مهلة الستين يومًا التي حددها الرئيس الأمريكي، وهو احتمال متوسط الترجيح يتصاعد كلما اصطدمت المفاوضات بجدار الخلافات حول مصير اليورانيوم المخصب والقدرات الصاروخية، خصوصًا إن استمر الضغط الإسرائيلي على واشنطن لتبني موقف أكثر تشددًا، أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً في المدى المنظور لكنه الأكثر استقرارًا لو تحقق، فهو التوصل إلى تسوية شاملة تُدمج الملف النووي بحوافز اقتصادية أوسع، كالاستثمارات في الطاقة التي بدأت إيران تلوّح بها فعلاً بما يخلق مصلحة متبادلة تتجاوز منطق الأمن الصرف إلى منطق الاعتماد الاقتصادي المتبادل، على غرار ما نظّرت له مقاربات السلام عبر التجارة في العلاقات الدولية.
والخلاصة الاستراتيجية أن ما يجري ليس معركة على التخصيب النووي وحدها، بل صراع أعمق على إعادة تعريف موقع إيران في النظام الإقليمي بعد الحرب: هل تبقى قوة مقاومة تحتفظ برادعها الصاروخي والعقائدي، أم تتحول إلى فاعل مندمج ولو جزئيًا في ترتيبات اقتصادية وأمنية تُشرف عليها واشنطن؟ والإجابة عن هذا السؤال، لا نتائج المفاوضات الفنية حول نسب التخصيب، هي ما سيحدد فعليًا ما إذا كانت المنطقة تسير نحو استقرار هش طويل الأمد أو نحو جولة ثالثة من الصدام يصعب التنبؤ بحدودها الجغرافية أو الزمنية.
بي دي ان |
09 يوليو 2026 الساعة 12:45م
ولفهم هذا التحول من منظور نظرية الردع الموسّع، فإن واشنطن لم تكن تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بقدر ما كانت تسعى إلى استعادة مصداقية ردعها الإقليمي بعد سنوات من الاختبار المتكرر لحدود صبرها، خصوصًا من وكلاء إيران في المنطقة، أما حين تحقق هذا الهدف الرمزي، عبر مقتل المرشد الأعلى وضرب البنية التحتية النووية، تراجعت الحوافز الاستراتيجية لمواصلة الحرب أمام كلفتها المتصاعدة، لا سيما بعدما أغلقت إيران مضيق هرمز وانعكس ذلك مباشرة على سعر الوقود في الداخل الأمريكي. وهذا بالضبط ما يميز اللحظة الراهنة عن حروب الإسقاط الكامل: إذ إن الردع هنا اكتفى بإثبات القدرة على الوصول لا بالضرورة استثمارها حتى النهاية، وهو نمط سلوكي متكرر في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القوى الإقليمية المتوسطة منذ حرب الخليج الأولى.
بيد أن الطرف الثالث في هذه المعادلة إسرائيل لا يقرأ الصراع بمنطق الردع المحدود ذاته، فتل أبيب، بحكم قربها الجغرافي المباشر من التهديد الإيراني وتجربتها التاريخية مع مفهوم الحرب الاستباقية، تميل إلى قراءة أي تفاهم جزئي بوصفه تأجيلاً للخطر لا إزالة له، وهو ما يفسّر الضغط المتصاعد الذي تمارسه حكومة نتنياهو على واشنطن لعدم إبرام اتفاق يُبقي على أي هامش إيراني للتخصيب، وهو ذات الضغط الذي يبدو أنه أسهم في قرار وزارة الخزانة الأمريكية إعادة فرض قيود النفط على إيران هذا الأسبوع، بعد أقل من شهر على رفعها، وهذا التباين بين حسابات واشنطن الباحثة عن تسوية تحفظ الاستقرار الاقتصادي العالمي، وحسابات تل أبيب الباحثة عن حسم استراتيجي طويل الأمد، يشكّل أحد أخطر مصادر عدم اليقين في المرحلة المقبلة، إذ يجعل من الحليف أحيانًا عاملاً معطّلاً للتهدئة لا مساندًا لها.
أما على مستوى الفاعلين الإقليميين والدوليين، فإن دول الخليج تجد نفسها اليوم في موقع الوسيط المتضرر، فقد كانت الوساطة القطرية عاملاً حاسمًا في وقف التصعيد بحسب ما نقلته تقارير غربية، لكن هذه الدول ذاتها تحمّلت أضرارًا مباشرة من الحرب حين استهدفت الصواريخ الإيرانية أبوظبي ودبي، وهو ما يضعها أمام معضلة مزدوجة: فهي بحاجة إلى استقرار مضيق هرمز حفاظًا على اقتصادها النفطي، لكنها في الوقت نفسه لا تملك ضمانات كافية بأن أي تهدئة قادمة لن تتكرر معها تجربة الاستهداف العرضي إن تجددت المواجهة، وفي خلفية المشهد، تراقب كل من الصين وروسيا هذا الصراع باهتمام مزدوج: فبكين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني، معنية بشكل مباشر باستقرار الممر البحري، بينما تجد موسكو في استنزاف الغرب عسكريًا وسياسيًا في ملف موازٍ لأوكرانيا فرصة لتخفيف الضغط عنها، دون أن يعني ذلك انخراطًا مباشرًا يغيّر موازين الصراع.
وعلى ضوء هذا التحليل متعدد المستويات، يمكن ترجيح ثلاثة سيناريوهات مستقبلية للأشهر القادمة، مع تفاوت في احتمالية كل منها، السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير، يتمثل في استمرار حالة الهدنة المشروطة، حيث تتوالى جولات تفاوضية بطيئة حول الملف النووي دون اختراق حاسم، وسط تصعيدات موضعية متكررة كتلك التي نشهدها هذا الأسبوع من إعادة فرض العقوبات والتأهب العسكري، دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة؛ ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى أن كلا الطرفين يدركان الكلفة الباهظة لجولة قتال ثانية في مدى زمني قصير، أما السيناريو الثاني، فهو تجدد المواجهة العسكرية المباشرة قبل نهاية مهلة الستين يومًا التي حددها الرئيس الأمريكي، وهو احتمال متوسط الترجيح يتصاعد كلما اصطدمت المفاوضات بجدار الخلافات حول مصير اليورانيوم المخصب والقدرات الصاروخية، خصوصًا إن استمر الضغط الإسرائيلي على واشنطن لتبني موقف أكثر تشددًا، أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً في المدى المنظور لكنه الأكثر استقرارًا لو تحقق، فهو التوصل إلى تسوية شاملة تُدمج الملف النووي بحوافز اقتصادية أوسع، كالاستثمارات في الطاقة التي بدأت إيران تلوّح بها فعلاً بما يخلق مصلحة متبادلة تتجاوز منطق الأمن الصرف إلى منطق الاعتماد الاقتصادي المتبادل، على غرار ما نظّرت له مقاربات السلام عبر التجارة في العلاقات الدولية.
والخلاصة الاستراتيجية أن ما يجري ليس معركة على التخصيب النووي وحدها، بل صراع أعمق على إعادة تعريف موقع إيران في النظام الإقليمي بعد الحرب: هل تبقى قوة مقاومة تحتفظ برادعها الصاروخي والعقائدي، أم تتحول إلى فاعل مندمج ولو جزئيًا في ترتيبات اقتصادية وأمنية تُشرف عليها واشنطن؟ والإجابة عن هذا السؤال، لا نتائج المفاوضات الفنية حول نسب التخصيب، هي ما سيحدد فعليًا ما إذا كانت المنطقة تسير نحو استقرار هش طويل الأمد أو نحو جولة ثالثة من الصدام يصعب التنبؤ بحدودها الجغرافية أو الزمنية.