من تموز التأسيس إلى تموز الوصاية: القضية الفلسطينية في مهبّ التدويل

بي دي ان |

03 يوليو 2026 الساعة 11:11م

المشرف العام
ثمةَ ألفُ يومٍ من الإبادة مرّت على غزة، دون أن تمرّ؛ فليس من اليسير مرورُ ألف يومٍ من القتل، والتجويع، والفقد، والخوف، والقصف المتواصل بآلاف الأطنان من المتفجرات وقذائف الرعب والموت، وأن يمرّ كل ذلك بهدوء. إن ألف يوم من الإبادة في غزة ليست تماماً كألف يومٍ مما يعدّه البعض من داخل الفنادق أو القصور، وهو متكئٌ على وسادته يداعب أبناءه الصغار أو أحفاده بكل سلام وطمأنينة، موجِّهاً قلقاً زائفاً نحو الغزيين الذين تم خذلانهم، وما زالوا.

ألف يومٍ لا تحصيها السياسة اللعينة، ولا أوهام الساسة ممن تسببوا بهذه الأهوال التي تشبه أهوال يوم القيامة دون أدنى مبالغة. 

ألف يومٍ من سحق القلوب وطحن العظام من قِبل جيش احتلال هو الأكثر إرهاباً، وانحداراً، وبشاعة على الإطلاق. ألف يومٍ على وفاة المؤسسات الدولية العاجزة المشلولة، التي لم تعد قادرةً على أن تكفل حذاءً لكل يتيم في غزة، أو مقعد دراسة آمناً، أو كوب ماءٍ لكل مواطن، أو حتى مبيداً حشرياً للقضاء على الأوبئة والحشرات التي تغزو خيام النازحين. ألف يومٍ من حبس الأنفاس، ورجفات القلوب، وشخوص العيون.. ولم ينتهِ الأمر بعد.

وبينما نحاول البحث عن السبب الحقيقي وراء هذه المغامرة التي نُفذت بشكل منفرد، وبعيداً عن الإجماع الفلسطيني، وفيما نحن نعجز عن طيِّ صفحة الألف يوم تلك، نقف لنراقب حركة التاريخ.

وما بين الأول من يوليو/تموز 1994، والأول من يوليو/تموز 2026 الجاري—الذي ما زالت قيادة المغامرة تعتبره استمراراً لأيام "العبور المقدس"—نوثق المفارقة التالية: في التاريخ الأول، خرج أهالي قطاع غزة عن بكرة أبيهم لاستقبال الزعيم ياسر عرفات وهو يدخلها للمرة الأولى في يوليو 1994؛ وما حمله ذلك التاريخ من بدايات أولى لتجسيد الدولة الفلسطينية؛ من سيادة، وجواز سفر، ومطار، وميناء، ومؤسسات، ووزارات، وبرلمان، وبناء لمكونات النظام السياسي.

أما في التاريخ الثاني (يوليو 2026 الجاري)، فنشهد "دخول عشرات المركبات، بعضها مدرع، إلى الحدود مع قطاع غزة من قِبل قوات أمريكية تابعة للقاعدة الموجودة في كريات جات". يضاف إلى ذلك عودة جيش الاحتلال للسيطرة على مساحة تفوق 70% من قطاع غزة، بعد أن كان قد غادرها تماماً في انسحابه صيف العام 2005.

إنَّ يوليو الجاري يحمل نهايات الحلم الفلسطيني، واحتضاراً لكل المفاعيل الفلسطينية السابقة، وما تخللتها من تضحيات، وجهود، ومفاوضات؛ كل ذلك اندثر بفعلٍ أهوج وعملٍ غير محسوب، وما بين تلك التواريخ مسافةٌ شاسعة تفصل بين الحياة والموت.

وفي حين ما زالت هذه القيادات تقف بالغزيين على عتبات الموت، يخرج أحد الناطقين المروجين لأوهامها، قاصداً الترحيب بالترتيبات الجديدة قائلاً: "نأمل أن يشكل إعلان مجلس السلام عن بدء وصول القوات الدولية للانتشار في قطاع غزة، بدايةً لتطبيق المهام المنوطة بها". هذا الناطق المنفصل عن الواقع ما زال يتوسم في الأمريكيين سلاماً وأمناً، دون دراسة أو مجرد نظرٍ لتجارب الدول التي خضعت للهيمنة الأمريكية، وفي جهلٍ عميق بتداعيات هذا الدور على غزة وأهلها. لم يتأمل هذا الناطق، ولم يشعر بالارتياح ذاته، حين فُتحت الدعوات للسماح للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى غزة والإمساك بـ "زمام الأمور" لالتئام شطري الوطن!

بعد مضي الألفية الأولى من الأيام، فإنها لم تمضِ في الحقيقة؛ فالمغامرون ما زالوا غارقين في حالة الوهم والتضليل، يسعون للبقاء في الحكم ولو على جثامين الغزيين المنكوبين تحت شعار "السلاح المقدس"، فيما ينزعون القدسية والكرامة عن شعبهم؛ لتستمر النساء في الخيام دون أدنى مقومات للحياة أو الخصوصية، ويبقى أطفالنا حفاةً، جياعاً، بلا تعليم ولا طفولة، وسط قطعٍ من القماش ترتضيها هذه الحركة بيوتاً لشعبنا. 

تحت الركام قصص لم يروِها الرواة بعد، وترتجف أنامل الكتّاب حين تحاول شق السطور لتروي قصة الشهيد ما بعد المئتي ألف. وفيما ينحت أحرار العالم وجوه الشهداء في الميادين، ما زالت الحكومة الإسرائيلية الفاشية وقطعان مستوطنيها يقضمون الأراضي، ويمارسون القتل والتهجير بحق المواطنين في الضفة والقدس.

فإننا إذ نقدم خالص عزائنا في وفاة المنظمات الدولية ومواثيقها، يبقى عزاؤنا الحقيقي معقوداً في أمل ثورة الأجيال القادمة من جديد على الاحتلال والظلم؛ طالما كان إيماننا بفلسطين والحق في التحرير ثابتاً لا يتزعزع، وستبقى فلسطين قضيةً حية لشعبٍ لن يستكين إلا باستقلالها وانعتاقها الكامل من نير الاحتلال.