عندما يكون الظلم عدالة !
بي دي ان |
01 يوليو 2026 الساعة
10:59م
الكاتب
الناس عادة تنفر من كلمة الظلم، وهذا مفهوم، لأننا تربينا على أن العدل قيمة مطلقة، وأن الحق واضح، وأن الوقوف معه لا يحتاج إلى تردد. لكن الواقع السياسي والاجتماعي لا يسير دائمًا بهذه البساطة. ففي لحظات الصراع الكبرى، لا تكون المسألة دائمًا بين حق وباطل، ولا بين ظالم ومظلوم، بل قد تكون أحيانًا بين حقين متصادمين، لكل واحد منهما منطقه وأصحابه ومبرراته. وهنا لا يعود السؤال: أين العدل الكامل؟ بل يصبح السؤال: أي خيار يحقق الضرر الأقل؟ وأي موقف يحمي العدد الأكبر من الناس؟
في هذا المعنى فقط يمكن فهم فكرة تبدو صادمة للوهلة الأولى: أن الظلم قد يكون مطلوبًا أحيانًا. ليس الظلم بمعناه الأخلاقي القبيح، ولا بمعنى الاعتداء على الناس أو سحق حقوقهم، بل بمعنى الانحياز القاسي إلى مصلحة أوسع حين تتصادم مع مصلحة أضيق. فحين تقف مصلحة جماعة صغيرة في مواجهة بقاء مجتمع كامل، يصبح الانحياز إلى المجتمع، ولو بدا ظالمًا لتلك الجماعة، أقرب إلى العدل من الحياد البارد أو المجاملة السياسية.
خذوا غزة مثالًا. هناك من يرى أن سلاح حماس حق وطني لا يجوز المساس به، لأنه آخر أدوات القوة الفلسطينية، وآخر ما تبقى من قدرة على الردع والمناورة في وجه عدو لا يفهم إلا لغة القوة. وهذا الكلام له منطقه وتاريخه، ولا يمكن إنكاره بسهولة، خاصة في ظل تجربة فلسطينية طويلة مع الاحتلال والخذلان الدولي والوعود التي لم تحمِ أحدًا. لكن السؤال الأهم اليوم ليس: هل كان للسلاح وظيفة في يوم من الأيام؟ بل: هل بقاء هذا السلاح بصيغته الحالية ما زال يخدم غزة، أم أصبح جزءًا من معادلة تستنزفها وتبقيها معلقة بين الحرب والجوع والخيمة والانتظار؟
ليست القضية هنا أن نثق بإسرائيل إذا غاب السلاح، ولا أن نصدق أن الاحتلال سيصبح أكثر رحمة بمجرد تغير المعادلة. فالتجربة تقول إن إسرائيل قادرة على صناعة ذرائعها حتى من الفراغ، وقادرة على الاستمرار في مشاريعها بطرق مختلفة. لكن هذا لا يلغي السؤال الفلسطيني الداخلي: هل يجوز أن نمنح إسرائيل الذريعة والوقت والغطاء كي تواصل سحق غزة، فقط لأننا نرفض مراجعة أدواتنا وحساباتنا القديمة؟
هنا جوهر المسألة. فالسلاح، والفصيل، والتنظيم، والحكم، كلها أدوات وليست غايات. وُجدت لخدمة القضية والناس، لا لكي يصبح الناس وقودًا لبقائها. فإذا وصلت الأداة إلى لحظة صارت فيها تهدد الغاية التي وُجدت من أجلها، يصبح التمسك بها دون مراجعة نوعًا من العناد السياسي، لا بطولة ولا حكمة. وحين يصبح حق الفصيل في الاحتفاظ بسلاحه مقابل حق أكثر من مليوني إنسان في الحياة والبقاء والاستقرار، فلا يجوز أن نتعامل مع الحقين وكأنهما متساويان في الوزن والأولوية.
السياسة ليست خطابة أخلاقية فقط، بل حساب نتائج. قد يكون الموقف جميلًا في الشعار، لكنه كارثي في الواقع. وقد يكون التراجع مؤلمًا ومهينًا للبعض، لكنه أقل كلفة من طريق يقود إلى تدمير المجتمع كله. ولهذا فإن الوطنية الحقيقية لا تعني دائمًا أن تتمسك بما تملك حتى النهاية، بل أن تعرف متى يصبح التمسك عبئًا، ومتى يصبح التراجع إنقاذًا لما تبقى.
إسرائيل اليوم لا تبحث فقط عن انتصار عسكري، بل عن واقع يجعل غزة مكانًا طاردًا لأهلها. تريد مجتمعًا منهكًا، جائعًا، خائفًا، فاقدًا للأمل، يرى في الرحيل نجاة وفي البقاء عذابًا. وكلما طال أمد هذه المعادلة، وكلما بقيت غزة معلقة بلا أفق سياسي ولا إعمار ولا أمان، ازدادت قدرة إسرائيل على تحويل الكارثة إلى مشروع طويل المدى. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل استمرار المشهد الحالي يخدم بقاء غزة، أم يخدم الخطة التي تريد تفريغها من معناها وسكانها وروحها؟
ليس المطلوب هنا محاكمة حماس وحدها، ولا تبرئة إسرائيل من مشروعها، ولا تحويل الضحية إلى متهم. فإسرائيل هي أصل الجريمة، والاحتلال هو أساس الكارثة. لكن الاعتراف بجريمة الاحتلال لا يعفينا من سؤال الذات. فالشعوب لا تُنقذ نفسها فقط بإدانة عدوها، بل أيضًا بمراجعة خياراتها، وبالتمييز بين ما يخدم بقاءها وما يطيل عذابها.
في لحظات كهذه، يصبح الحياد ترفًا، وتصبح المجاملة السياسية خطيئة. إذا كان بقاء فصيل في موقعه، أو بقاء سلاح في شكله الحالي، سيقود إلى مزيد من تدمير غزة وتمزيق مجتمعها، فإن الانحياز إلى غزة يصبح واجبًا، حتى لو بدا هذا الانحياز ظلمًا لذلك الفصيل. لأن الظلم الأكبر هو أن نترك مجتمعًا كاملًا يُسحق حتى لا نجرح صورة تنظيم أو نخدش قداسة أداة.
قد يقول البعض إن هذا الكلام قاسٍ، وربما هو كذلك. لكن الواقع أقسى. فالخيمة أقسى، والجوع أقسى، وفقدان البيوت أقسى، وتحول الحياة إلى انتظار يومي للموت أقسى من أي مراجعة سياسية مؤلمة. ومن لا يريد أن يرى هذه الحقيقة كما هي، سيظل يختبئ خلف الكلمات الكبرى بينما الناس تدفع الثمن من أجسادها وأعمارها وأطفالها.
لذلك نحن أمام سؤال لا يحتمل الهروب: حين يتصادم حق الفصيل مع حق المجتمع، إلى جانب من يجب أن نقف؟ حين يصبح التمسك بالأداة سببًا في تهديد الأصل، هل نحمي الأداة أم نحمي الأصل؟ وحين يصبح استمرار المعادلة الحالية طريقًا مفتوحًا نحو استنزاف غزة، هل تكون الوطنية في الإصرار أم في الشجاعة على التغيير؟
أنا أرى أن العدل في هذه اللحظة ليس أن نرضي الجميع، فهذا مستحيل. العدل الحقيقي هو أن ننحاز إلى المصلحة الأوسع، إلى الناس، إلى الحياة، إلى بقاء غزة نفسها. وإذا كان هذا الانحياز سيبدو ظلمًا لفصيل أو جماعة أو مشروع سياسي، فليكن. لأن الظلم الأصغر، حين يمنع كارثة أكبر، قد يكون أقرب إلى العدل من عدلٍ صامت يترك الجميع يسقطون.
غزة ليست تفصيلًا في معادلة أحد، وليست ورقة تفاوض، وليست مساحة لاختبار الشعارات. غزة هي الأصل. وكل ما عداها يجب أن يُقاس بقدر ما يحميها، لا بقدر ما يطلب منها أن تحترق من أجله.
بي دي ان |
01 يوليو 2026 الساعة 10:59م
في هذا المعنى فقط يمكن فهم فكرة تبدو صادمة للوهلة الأولى: أن الظلم قد يكون مطلوبًا أحيانًا. ليس الظلم بمعناه الأخلاقي القبيح، ولا بمعنى الاعتداء على الناس أو سحق حقوقهم، بل بمعنى الانحياز القاسي إلى مصلحة أوسع حين تتصادم مع مصلحة أضيق. فحين تقف مصلحة جماعة صغيرة في مواجهة بقاء مجتمع كامل، يصبح الانحياز إلى المجتمع، ولو بدا ظالمًا لتلك الجماعة، أقرب إلى العدل من الحياد البارد أو المجاملة السياسية.
خذوا غزة مثالًا. هناك من يرى أن سلاح حماس حق وطني لا يجوز المساس به، لأنه آخر أدوات القوة الفلسطينية، وآخر ما تبقى من قدرة على الردع والمناورة في وجه عدو لا يفهم إلا لغة القوة. وهذا الكلام له منطقه وتاريخه، ولا يمكن إنكاره بسهولة، خاصة في ظل تجربة فلسطينية طويلة مع الاحتلال والخذلان الدولي والوعود التي لم تحمِ أحدًا. لكن السؤال الأهم اليوم ليس: هل كان للسلاح وظيفة في يوم من الأيام؟ بل: هل بقاء هذا السلاح بصيغته الحالية ما زال يخدم غزة، أم أصبح جزءًا من معادلة تستنزفها وتبقيها معلقة بين الحرب والجوع والخيمة والانتظار؟
ليست القضية هنا أن نثق بإسرائيل إذا غاب السلاح، ولا أن نصدق أن الاحتلال سيصبح أكثر رحمة بمجرد تغير المعادلة. فالتجربة تقول إن إسرائيل قادرة على صناعة ذرائعها حتى من الفراغ، وقادرة على الاستمرار في مشاريعها بطرق مختلفة. لكن هذا لا يلغي السؤال الفلسطيني الداخلي: هل يجوز أن نمنح إسرائيل الذريعة والوقت والغطاء كي تواصل سحق غزة، فقط لأننا نرفض مراجعة أدواتنا وحساباتنا القديمة؟
هنا جوهر المسألة. فالسلاح، والفصيل، والتنظيم، والحكم، كلها أدوات وليست غايات. وُجدت لخدمة القضية والناس، لا لكي يصبح الناس وقودًا لبقائها. فإذا وصلت الأداة إلى لحظة صارت فيها تهدد الغاية التي وُجدت من أجلها، يصبح التمسك بها دون مراجعة نوعًا من العناد السياسي، لا بطولة ولا حكمة. وحين يصبح حق الفصيل في الاحتفاظ بسلاحه مقابل حق أكثر من مليوني إنسان في الحياة والبقاء والاستقرار، فلا يجوز أن نتعامل مع الحقين وكأنهما متساويان في الوزن والأولوية.
السياسة ليست خطابة أخلاقية فقط، بل حساب نتائج. قد يكون الموقف جميلًا في الشعار، لكنه كارثي في الواقع. وقد يكون التراجع مؤلمًا ومهينًا للبعض، لكنه أقل كلفة من طريق يقود إلى تدمير المجتمع كله. ولهذا فإن الوطنية الحقيقية لا تعني دائمًا أن تتمسك بما تملك حتى النهاية، بل أن تعرف متى يصبح التمسك عبئًا، ومتى يصبح التراجع إنقاذًا لما تبقى.
إسرائيل اليوم لا تبحث فقط عن انتصار عسكري، بل عن واقع يجعل غزة مكانًا طاردًا لأهلها. تريد مجتمعًا منهكًا، جائعًا، خائفًا، فاقدًا للأمل، يرى في الرحيل نجاة وفي البقاء عذابًا. وكلما طال أمد هذه المعادلة، وكلما بقيت غزة معلقة بلا أفق سياسي ولا إعمار ولا أمان، ازدادت قدرة إسرائيل على تحويل الكارثة إلى مشروع طويل المدى. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل استمرار المشهد الحالي يخدم بقاء غزة، أم يخدم الخطة التي تريد تفريغها من معناها وسكانها وروحها؟
ليس المطلوب هنا محاكمة حماس وحدها، ولا تبرئة إسرائيل من مشروعها، ولا تحويل الضحية إلى متهم. فإسرائيل هي أصل الجريمة، والاحتلال هو أساس الكارثة. لكن الاعتراف بجريمة الاحتلال لا يعفينا من سؤال الذات. فالشعوب لا تُنقذ نفسها فقط بإدانة عدوها، بل أيضًا بمراجعة خياراتها، وبالتمييز بين ما يخدم بقاءها وما يطيل عذابها.
في لحظات كهذه، يصبح الحياد ترفًا، وتصبح المجاملة السياسية خطيئة. إذا كان بقاء فصيل في موقعه، أو بقاء سلاح في شكله الحالي، سيقود إلى مزيد من تدمير غزة وتمزيق مجتمعها، فإن الانحياز إلى غزة يصبح واجبًا، حتى لو بدا هذا الانحياز ظلمًا لذلك الفصيل. لأن الظلم الأكبر هو أن نترك مجتمعًا كاملًا يُسحق حتى لا نجرح صورة تنظيم أو نخدش قداسة أداة.
قد يقول البعض إن هذا الكلام قاسٍ، وربما هو كذلك. لكن الواقع أقسى. فالخيمة أقسى، والجوع أقسى، وفقدان البيوت أقسى، وتحول الحياة إلى انتظار يومي للموت أقسى من أي مراجعة سياسية مؤلمة. ومن لا يريد أن يرى هذه الحقيقة كما هي، سيظل يختبئ خلف الكلمات الكبرى بينما الناس تدفع الثمن من أجسادها وأعمارها وأطفالها.
لذلك نحن أمام سؤال لا يحتمل الهروب: حين يتصادم حق الفصيل مع حق المجتمع، إلى جانب من يجب أن نقف؟ حين يصبح التمسك بالأداة سببًا في تهديد الأصل، هل نحمي الأداة أم نحمي الأصل؟ وحين يصبح استمرار المعادلة الحالية طريقًا مفتوحًا نحو استنزاف غزة، هل تكون الوطنية في الإصرار أم في الشجاعة على التغيير؟
أنا أرى أن العدل في هذه اللحظة ليس أن نرضي الجميع، فهذا مستحيل. العدل الحقيقي هو أن ننحاز إلى المصلحة الأوسع، إلى الناس، إلى الحياة، إلى بقاء غزة نفسها. وإذا كان هذا الانحياز سيبدو ظلمًا لفصيل أو جماعة أو مشروع سياسي، فليكن. لأن الظلم الأصغر، حين يمنع كارثة أكبر، قد يكون أقرب إلى العدل من عدلٍ صامت يترك الجميع يسقطون.
غزة ليست تفصيلًا في معادلة أحد، وليست ورقة تفاوض، وليست مساحة لاختبار الشعارات. غزة هي الأصل. وكل ما عداها يجب أن يُقاس بقدر ما يحميها، لا بقدر ما يطلب منها أن تحترق من أجله.