مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا
بي دي ان |
28 يونيو 2026 الساعة
01:34م
الكاتب
في عالم السياسة، كثيرًا ما تتداخل لدى أصحاب القرار الرغبة والقدرة والاستطاعة، وبينها مسافات دقيقة لا بد أنْ تُدار بالقواعد العلمية، والحنكة والدهاء للوصول إلى المبتغى.
إلا أنّ غياب القدرة على التمييز بين هذه المسافات لا يؤدي فقط إلى فقدان إدارة الأحداث، بل يُفضي إلى حالة من الاستيهام الذهني، حيث يختلط الممكن بالمستحيل، والمرغوب بالمتاح.
عندئذ تسيطر الأنا المتضخمة المؤذية على أصحابها، وتشقّ طريقها عبر تأطير العقول وفق تلاقح المصالح والرغبات السياسية، ولا سيّما في ظل استمرار دفع فاتورة الدماء والعناء والألم بلا توقف أو أفق للانعتاق.
وعليه، فإنّ هذا النهج الذهني المنغلق لا يكفّ عن خلط الأوراق، وتقسيم الناس بين من يُسمح له بإبداء الرأي أو ممارسة النقد وفق مقتضيات الهوى والمصلحة، وبين من تُلقى عليه أحكام التخوين والتسفيه والتفسيق والتماهي جزافًا، ويُعاد تصنيفه تبعًا للمرحلة بين "صوت العقل- وصوت الفتنة" و"خارج الإجماع" و"المشكوك في وطنيته". وهكذا تستمر الأزمة في الدوران حول نفسها، دون أنْ تُعقِّب ليلًا أو نهارًا.
وتتجلى صورة هذا السلوك في حكاية أهل قرية كانوا يعانون من حُفرة في الطريق، يتعرض كل من يقع فيها للموت أو الكسر. فاجتمع الوجهاء والكبراء للبحث عن حل للمشكلة. فقال أحدهم: "نضع سيارة إسعاف بجوار الحُفرة لتنقل المصابين إلى المستشفى". وقال آخر: "بل الأفضل أنْ ننقل المستشفى إلى جوار الحُفرة، كي يتلقى المصابون العلاج بأقصى سرعة". عندها قال كبيرهم، الذي علّمهم السِّحر: "الحل الصحيح أنْ نهدم الحُفرة، ثم نحفرها بجوار المستشفى!".
وهكذا تظل الحفرة هي الثابت الوحيد في المعادلة، والمحرك لساقية الغباء السياسي التي تدور بلا ماء يروي حرثًا أو نسلًا، حتى يهلك الثور من فرط الدوران، بينما تبقى الحُفرة على حالها، ويتواصل سقوط الضحايا فيها جيلًا بعد جيل، ولا يزال الطَّرق على الخزان مستمرًا.
فالغباء السياسي ليس قدَرًا محتومًا؛ بل هو اختيارٌ معرفي متجدد يُمارَس بوعي كامل أو عبر التطبيع مع نتائجه، وإعادة شرعنته كل مرة تحت مسميات مختلفة، إلا أنّ الأغبى من ذلك أنْ نُصرّ على تسمية من يحاول ملء الحُفرة بـ"الخائن"، ونحتفي بمن يُعيد حفرها بجانب المستشفى، ونُطلق عليه "الحكيم الرشيد".
بي دي ان |
28 يونيو 2026 الساعة 01:34م
إلا أنّ غياب القدرة على التمييز بين هذه المسافات لا يؤدي فقط إلى فقدان إدارة الأحداث، بل يُفضي إلى حالة من الاستيهام الذهني، حيث يختلط الممكن بالمستحيل، والمرغوب بالمتاح.
عندئذ تسيطر الأنا المتضخمة المؤذية على أصحابها، وتشقّ طريقها عبر تأطير العقول وفق تلاقح المصالح والرغبات السياسية، ولا سيّما في ظل استمرار دفع فاتورة الدماء والعناء والألم بلا توقف أو أفق للانعتاق.
وعليه، فإنّ هذا النهج الذهني المنغلق لا يكفّ عن خلط الأوراق، وتقسيم الناس بين من يُسمح له بإبداء الرأي أو ممارسة النقد وفق مقتضيات الهوى والمصلحة، وبين من تُلقى عليه أحكام التخوين والتسفيه والتفسيق والتماهي جزافًا، ويُعاد تصنيفه تبعًا للمرحلة بين "صوت العقل- وصوت الفتنة" و"خارج الإجماع" و"المشكوك في وطنيته". وهكذا تستمر الأزمة في الدوران حول نفسها، دون أنْ تُعقِّب ليلًا أو نهارًا.
وتتجلى صورة هذا السلوك في حكاية أهل قرية كانوا يعانون من حُفرة في الطريق، يتعرض كل من يقع فيها للموت أو الكسر. فاجتمع الوجهاء والكبراء للبحث عن حل للمشكلة. فقال أحدهم: "نضع سيارة إسعاف بجوار الحُفرة لتنقل المصابين إلى المستشفى". وقال آخر: "بل الأفضل أنْ ننقل المستشفى إلى جوار الحُفرة، كي يتلقى المصابون العلاج بأقصى سرعة". عندها قال كبيرهم، الذي علّمهم السِّحر: "الحل الصحيح أنْ نهدم الحُفرة، ثم نحفرها بجوار المستشفى!".
وهكذا تظل الحفرة هي الثابت الوحيد في المعادلة، والمحرك لساقية الغباء السياسي التي تدور بلا ماء يروي حرثًا أو نسلًا، حتى يهلك الثور من فرط الدوران، بينما تبقى الحُفرة على حالها، ويتواصل سقوط الضحايا فيها جيلًا بعد جيل، ولا يزال الطَّرق على الخزان مستمرًا.
فالغباء السياسي ليس قدَرًا محتومًا؛ بل هو اختيارٌ معرفي متجدد يُمارَس بوعي كامل أو عبر التطبيع مع نتائجه، وإعادة شرعنته كل مرة تحت مسميات مختلفة، إلا أنّ الأغبى من ذلك أنْ نُصرّ على تسمية من يحاول ملء الحُفرة بـ"الخائن"، ونحتفي بمن يُعيد حفرها بجانب المستشفى، ونُطلق عليه "الحكيم الرشيد".