نتنياهو في مواجهة " رفع الحصانة " الأميركية ومستقبل الحروب المفتوحة

بي دي ان |

20 يونيو 2026 الساعة 10:42م

الكاتب
ثمة خلافات أمريكية - إسرائيلية بدأت تطفو على السطح بشكل غير مسبوق بين الحليفين الكبيرين، وذلك في أعقاب تصريحات نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" التي قال فيها: "لدى الرئيس ترامب بعض الخلافات مع نتنياهو بشأن الكيفية الدقيقة لإنهاء الحرب مع إيران"، ومطالبته بأن "يكون قادة أمريكا حذرين جداً، وأن يتحركوا انطلاقاً من مصلحتنا لا مصلحة أي دولة أخرى"، في إشارة ضمنية واضحة إلى إسرائيل. 

تتزامن هذه التصريحات مع بدء مسؤولين في الإدارة الأمريكية بالعمل على إنشاء قنوات اتصال غير رسمية مع أقطاب المعارضة الإسرائيلية؛ بحثاً عن بدائل في ظل تصدع العلاقة مع الحكومة اليمينية المتطرفة، وأبرزهم: نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت. فعلَى ما يبدو، فإن الحرب الإيرانية التي اشتعلت بموافقة "الحلفاء الاستراتيجيين" انتهت بخلاف بينهما، وذلك بعدما تم تهميش نتنياهو—الفاعل والمفتعل الأول للحرب، والذي قام بدوره سابقاً بإقناع ترامب باللحاق بها ودعمها بشكل كامل.

ولربما نستطيع القول إن ترامب لجأ إلى إطفاء الحرب المشتعلة بعدما أيقن أن هنالك خسارات اقتصادية باهظة، وربما كساداً عالمياً على مستوى "قطاع الطاقة" تحديداً سينتج عن استمرار هذه المواجهة، إضافة إلى تصاعد أصوات المعارضة الأمريكية التي بدأت تعصف بعرش ترامب من الداخل. إن عقدُ اتفاقٍ ما بين ترامب وإيران لم يكن وقفاً لحرب عسكرية فحسب، بل كان بمثابة وضع سد منيع أمام زحف نتنياهو باتجاه حلمه في "هندسة الشرق الأوسط" وفق رؤيته وأطماعه لتطويق المنطقة لصالح مشروعه التوسعي على حساب شعوبها.

نعم، لقد استطاع الحليف النرجسي (ترامب) أن يهز عرش "الملك" نتنياهو لأول مرة، بعدما أفاض عليه سابقاً بالدعم العسكري والسياسي والمالي بلا حدود، ومن ثم سحب البساط من تحت قدميه، لتكون الصفعة الأكبر على وجه "رجل الحروب بلا حدود"؛ نتنياهو الذي اعتاد فتح عدة جبهات في آن واحد منطلقاً من مطامعه بالسيطرة على الأراضي العربية عبر حروب تتخللها كل وسائل القتل والإبادة والتطهير العرقي، زاعماً أحقية الكيان بالأراضي العربية بما فيها فلسطين ولبنان وسوريا ومصر والسعودية، وغيرها مما يستحوذ عليه سلاحه الجوي وأجهزته الاستخباراتية.

ومما لا شك فيه، أن المتابع لطبيعة وممارسات الكيان يدرك—دون بذل جهد كبير—أن هذا الكيان المارق لن يخضع بسهولة لقرارات ترامب، وقد يتخذ قرارات أحادية لمواصلة ضرب جنوب لبنان ومواقع حزب الله، وقد يمتد القصف إلى بيروت، مع تفريغ غضب "صاحب أطول فترة حكم في الكيان" وتوجيهه نحو قطاع غزة؛ وهذا ما شهدناه في الأيام السابقة وما زال مستمراً من قصف واغتيالات تطال معظم مناطق القطاع، مخلفةً العديد من الشهداء وهدم المنازل، وتوسيع "الخط الأصفر" في خطوة تهدف إلى الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة تفوق 70% من مساحة غزة بهدف الضم التدريجي الصامت، مما يدلل على أن خطة تهجير الغزيين ما زالت على طاولة الاحتلال وإن كانت تحت مسميات مختلفة. وفي السياق ذاته، تشهد الضفة الغربية زحفاً استيطانياً متسارعاً، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، واقتحامات وصلوات تلمودية في المسجد الأقصى دون أي مواجهة فلسطينية أو إجراءات عربية ملموسة سوى بيانات الإدانة الاستنكارية التي لا تردع فعلاً محظوراً.

وباعتقادي، نحن على أبواب عمليات عسكرية إسرائيلية متعددة الجبهات لاستكمال المشروع الاستعماري للكيان من جانب، ولإعادة إثبات مقولة "الجيش الذي لا يقهر" من جانب آخر—وإن كان من يقهره هذه المرة هو حليفه الداعم والراعي الرسمي لحروبه. أضف إلى ذلك كبرياء وغرور "الملك" الذي ستستمر آلة حربه حتى الرمق الأخير وصولاً إلى لحظة الانتخابات خلال الأشهر المقبلة، دون أن تشهد المنطقة أي هدنة أو التقاطاً لأنفاسها المحبوسة منذ عقود.

على ما يبدو، فإن نتنياهو سيفقد توازنه بعد فشل حلمه، وبالتالي سيساهم بشكل أكبر في تشويه سمعة الكيان وعزله سياسياً ودولياً، وهو ما رأيناه منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على غزة. وقد لا نبالغ إذا تنبأنا بنهاية حكم "الملك" ورحيله عن المشهد السياسي؛ وهو احتمال وارد جداً قد يؤدي حينها إلى فتح تحقيق جاد في ملفات الفساد وملف "السابع من أكتوبر" وما يخفيه داخل صندوقه الأسود.

إن انتهاء حقبة "رجل الحروب"، خاصة بعد رفع الحصانة "الترمبية" عنه، هو احتمال قوي يخضع للتحقق، ورغم أن بقاء نتنياهو ممكن إلا أنه الاحتمال الأقل وقوعاً بنظري. فهل يقف نتنياهو فعلاً على عتبات أيامه السياسية الأخيرة؟! علينا الانتظار ومراقبة تخبطه وفقدانه للتوازن وإلى أي المسارات ستقذف به الأيام، كما أنه يتوجب علينا—للأسف—انتظار الأسوأ في قادم الأيام.