نحن لا نعيش.. نحن ننجو فقط

بي دي ان |

17 يونيو 2026 الساعة 04:36م

الكاتب
هناك فرق هائل بين أن يعيش الإنسان، وبين أن ينجو فقط. الذي يعيش يفكر في الغد، يخطط، يحلم، يبني علاقاته، ويتخيل مستقبله. أما الذي ينجو، فلا وقت لديه لكل ذلك؛ هو فقط يحاول عبور اليوم بأقل خسائر ممكنة.
وهنا ربما تكمن واحدة من أخطر التحولات التي أصابت الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة. لم تعد الحرب فقط تقتل الناس أو تدمر البيوت، بل بدأت تعيد تشكيل الإنسان نفسه بصمت، نفسيًا وعصبيًا واجتماعيًا.
اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: متى كانت آخر مرة شعرت فيها أنك تعيش فعلًا، لا أنك فقط تحاول النجاة؟ كثير من الفلسطينيين اليوم لم يعودوا يعيشون بالمعنى الحقيقي للحياة. هم فقط يديرون يومهم، يمررون ساعاتهم، ويتجنبون الانهيار. ينتظرون أن ينتهي اليوم بسلام، وهذا وحده استنزاف هائل، لأن الإنسان لم يُخلق ليعيش في حالة استنفار دائم.
حين يصبح التهديد أسلوب حياة، يبدأ شيء داخلي بالتغير. تتبدل الأولويات، يتراجع الحلم، ويتقدم الخوف. ولهذا إذا نظرت حولك اليوم، ستلاحظ ظواهر لم تكن بهذا الحجم سابقًا: العصبية الزائدة، سرعة الغضب، قلة الصبر، حدة الردود، والانفجار بسبب كلمة أو تعليق بسيط.
كثيرون يفسرون هذا على أنه تراجع أخلاقي أو ضعف في تحمل الرأي الآخر، لكن الحقيقة غالبًا أعمق من ذلك. فالإنسان الذي يعيش طويلًا تحت الضغط المستمر يصبح أقل قدرة على الاحتمال. أعصابه تبقى مشدودة، ومساحة صبره تضيق، وذهنه يدخل في حالة دفاع دائم. لكن التحول الأخطر ليس الغضب. التحول الأخطر هو الاعتياد على المأساة.
في البداية، كنا نهتز لكل خبر، لكل شهيد، لكل بيت يُهدم، لكل مجزرة. ثم شيئًا فشيئًا بدأنا نتكيف. ثم بدأنا نتبلد. واليوم يمر أمامنا كم هائل من الألم في يوم واحد، ونكمل يومنا.
ليس لأننا بلا قلب، بل لأن النفس البشرية لا تستطيع البقاء طويلًا في حالة انهيار مستمر، فتخلق لنفسها آلية دفاع قاسية: التبلد. وهذا التبلد ليس راحة، بل شكل آخر من أشكال الإنهاك. أن ترى ما كان يهزك سابقًا، فلا تهتز كما كنت. أن تسمع أخبارًا كانت كفيلة قبل سنوات بأن تمنعك من النوم، ثم تواصل يومك بشكل شبه طبيعي. هذه ليست قسوة. هذه محاولة بقاء. لكنها مؤلمة. لأنها تعني أن الحرب لم تعد فقط خارجنا، بل بدأت تستقر داخلنا.
وهنا تكمن الخسارة الأعمق. ليست فقط في عدد الشهداء، ولا في حجم الدمار، بل في الإنسان الذي يتغير من الداخل دون أن ينتبه. الإنسان الذي كان يحلم، ثم صار يقلص أحلامه تدريجيًا، حتى أصبح أقصى طموحه أن يمر اليوم على خير.
وربما أخطر ما نواجهه اليوم ليس الحرب وحدها، بل أن نعتاد هذه الحالة إلى درجة نعتبرها طبيعية، وأن ننسى أن الأصل في الإنسان أن يعيش، لا أن ينجو فقط.
ولهذا، ربما معركتنا الأصعب ليست فقط مع الاحتلال أو الحرب أو الحصار، بل أيضًا مع هذا التشوه الداخلي الذي تحاول المأساة أن تزرعه فينا؛ معركة الحفاظ على إنسانيتنا، وعلى قدرتنا على الحلم، وعلى حقنا في حياة طبيعية.
لأن أخطر انتصار يمكن أن تحققه المأساة علينا ليس أن تُتعب أجسادنا، بل أن تقنعنا بأن النجاة وحدها تكفي. والحقيقة أنها لا تكفي. فالإنسان خُلق ليعيش، لا ليبقى طوال عمره منشغلًا فقط بكيفية البقاء.