غزة: عندما تسقط كل الرهانات ويبقى باب السماء مفتوحًا

بي دي ان |

17 يونيو 2026 الساعة 11:19ص

الكاتب
في غزة… كأن الزمن توقف عند مشهد أمٍّ تجمع أشلاء أطفالها من بين الركام، وطفلٍ يبحث عن أبيه بين الأنقاض، وصديقٍ يجلس فوق أطلال بيته بينما لا يزال أفراد من عائلته تحت الحجارة، ينتظرون من ينتشلهم أو يودّعهم الوداع الأخير.
وفي عائلتي، كما في آلاف العائلات الفلسطينية، مضى على فقدان أبناء عمي أكثر من عامين. نعلم أنهم ارتقوا شهداء، لكننا لم ندفنهم، ولم يودّعهم أطفالهم الوداع الأخير، فما زالت أسماؤهم عالقة في قوائم المفقودين التي تطول يومًا بعد يوم.
أمي قرب الخيمة تحاول إشعال النار لإعداد ما تيسّر من الطعام، بينما يبحث أبي بين الأنقاض عن بعض الحطب.
أما جيراني في المخيم، فلكلٍّ منهم حكايته مع الوجع؛ هذا يبحث عن الماء، وذاك عن الدواء، وآخر يحاول تأمين لقمة تسد جوع أطفاله. الجميع لا يبحث عن رفاهية، بل عن الحد الأدنى من مقومات البقاء.
مشاهد القصف والنزوح والموت والجوع والانتظار أصبحت تفاصيل يومية مألوفة، حتى بات الألم جزءًا من الروتين القاسي. هنا تتسع دائرة المعاناة وتضيق سبل النجاة، بين خيام أنهكها برد الشتاء ثم لفحها حر الصيف، وتعاقبت عليها الفصول دون أن يتغير الواقع.
لا كهرباء تُبدّد عتمة الليل، ولا غاز يخفف مشقة إعداد الطعام، ولا مياه تصل بسهولة إلى العطشى، ولا دواء يكفي المرضى. خيمة النزوح التي كانت حلًا مؤقتًا تحولت إلى واقع قاسٍ يفرض نفسه على أكثر من مليون إنسان، في ظروف تزداد سوءًا وتعقيدًا يومًا بعد يوم.
لم يعد أهل غزة يحلمون بالكثير؛ بل يتمنون يومًا واحدًا بلا قصف، وليلة بلا خوف، وخبرًا يعيد شيئًا من الأمل، أو بيتًا يأوي صغارهم من هذا التشرد الممتد.
وفي الوقت الذي تتعثر فيه جولات التفاوض، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، وحيدًا في مواجهة الجوع والخوف والبرد والحرّ والمرض. ومع ذلك، ما زال متشبثًا بإيمانه بأن بعد العسر يُسرًا، وأن رحمة الله أوسع من هذا الوجع كله.
في لقاءات الفصائل الأخيرة، كان النازحون يترقبون خبرًا يخفف عنهم، أو بارقة أمل تنهي هذا الكابوس الممتد. توجّهت الأنظار نحو القاهرة كما في مرات سابقة، لكن المشهد تكرر: بيانات عابرة، عقبات، خلافات، ثم عودة إلى نقطة الصفر.
عاد الإحباط ليخيم على وجوه آلاف العائلات التي تتعلق بأي أمل ينهي المأساة. فكل جولة حوار لا تعني تعثرًا سياسيًا فحسب، بل تعني مزيدًا من الألم والقهر والمعاناة.
وقبل القاهرة كانت لقاءات في قطر وتركيا والإمارات، وتحركات واتصالات لا تتوقف. وبين الخيام ظل الناس يسألون: هل يأتي الحل من هنا أم من هناك؟ هل تحمله إيران؟ أم لبنان؟ أم إدارة ترامب؟ أم أي قوة دولية قادرة على وقف هذه المأساة؟
وهل مفتاح الفرج بيد أحد من البشر؟
تتسابق الأسماء، وتُطرح الفرضيات، لكن كل الرهانات تتلاشى، وكل الوعود تتبدد، وتبقى القلوب متعبة من الانتظار.
ولا يبقى في النهاية سوى باب واحد لا يُغلق.
هنا، في ظلام الخيام، وبين دموع الأمهات وأنين المرضى وعيون الأطفال المعلقة بالمجهول، ترتفع الأكف إلى السماء:
يا عدلًا لا يظلم عبدًا، يا حكيمًا في القضاء، نسألك اللطف يا رب السماء.
يا قريبًا من القلوب، يا مجيبًا للنداء، يا نورًا وسط الظلام، يا سلامًا في العناء… يا الله.
يا نور السماوات والأرض، يا من إليه يرجع الأمر كله، يا حي يا قيوم، نسألك الفرج بعد طول البلاء، والرحمة بعد الشدة، والسكينة بعد العناء.