رَشَا تُحِبُّ القوارب، لكن ليس لأنها تحلمُ بالرَّحيلِ

بي دي ان |

12 يونيو 2026 الساعة 10:03م

الكاتب
وُلدت ظبيتي في مخيمٍ كانت حجارتُه تشبه ذاكرةً تمشي على الأرض، أزقته ضيقة تحفظ أسماء الناس أكثر مما تحفظ الخرائط، أسماءه وبيوته الصغيرة كانت مبنية من صبرٍ متراكم أكثر مما هي مبنية من إسمنت، كأن كل جدار فيه وُضع ليقول إن البقاء ممكن حتى حين يصبح مستحيلًا في الظاهر.
لكن ذلك المخيم لم يبقَ كما كان، فقد جاء الهدم كأنه محوٌ بطيء لذاكرةٍ كاملة، فتكسرت الجدران كما تتكسر الحكايات حين تُترك بلا رواة، ولم يعد المخيم الأول موجودًا إلا في صدور من حملوه معهم وهم يُنقلون من مكان إلى آخر، كأنهم يحملون وطنًا صغيرًا لا يغادرهم حتى لو غادروا كل شيء.
ثم جاءت المخيمات الجديدة، لكنها لم تكن امتدادًا للحياة بقدر ما كانت امتدادًا للفقد، خيامٌ من قماشٍ ممزق تتشبث بالأرض كما يتشبث الجسد بما تبقى له من معنى، لم يعد البيت جدارًا وسقفًا، بل مساحة مؤقتة بين الريح والانتظار، بين ما تهدم وما لم يعد واضحًا هل سيُبنى من جديد أم لا، وبين ما تبقى من الإنسان حين يُجرَّد من شكله الأول.
ومع ذلك لم تتغير رَشَا، كانت ترى أن الانتقال من الحجر إلى القماش ليس انتقالًا في الحياة، بل انتقال في شكل الألم فقط، لأن الوطن في نظرها لا يُقاس بصلابة الجدران، بل بصلابة من يسكنونه، ولا يُهزم لأن البيوت سقطت، بل حين يُقنع الناس أنفسهم أن السقوط كان نهاية الحكاية لا بداية فصلٍ آخر من الصمود.
لهذا لم تفكر يومًا في الرحيل، كانت تسمع عن الهجرة كما يُسمع عن مدن بعيدة يمكن الوصول إليها عبر الخرائط والقصص، لكنها كانت تتوقف عند الفكرة ذاتها، كيف يبدأ الإنسان حياة جديدة دون أن يعترف بما انكسر في داخله، وكيف يُستبدل تراب الطفولة بتراب آخر دون أن يبقى شيء من الذاكرة قادرًا على الاعتراض بصمتٍ ثقيل لا يُرى لكنه يُحس
لم تكن قاسية على من غادروا، لكنها كانت عاجزة عن تخيّل نفسها خارج المكان الذي سُرق منها وبقي فيها في الوقت نفسه، لذلك أحبت القوارب، لا القوارب التي تحمل الناس بعيدًا نحو منفى جديد، بل القوارب التي تأتي من جهة البحر، كأنها تعاكس فكرة التاريخ نفسه، وتعيد للعالم إمكانية أن يتحرك باتجاه المكان المحاصر بدل أن يبتعد عنه
وحين بدأت أخبار أسطول الحرية تتسلل إلى المخيم، لم يكن الأمر خبرًا سياسيًا في وعيها، بل حدثًا يشبه حلمًا يمشي على الماء، قوارب لا تأتي لتأخذ أحدًا من مكانه، بل لتقول إن هناك من ما زال يرى، وإن البحر ليس جدارًا دائمًا للعزلة، وإن العالم يمكن أن يغيّر اتجاهه ولو مرة واحدة ليأتي نحو الذين لم يُسمح لهم بالوصول إلى أحد.
في ذلك المخيم من القماش، لم تكن رَشَا وحدها، بل كانت هناك آلاف “الرشيات” في غزة، نساء يشبهنها في كل شيء تقريبًا، في الذاكرة التي لم تكتمل، وفي البيوت التي لم تعد موجودة، وفي الانتظار الذي لا ينتهي، يختلفن في الأسماء فقط، لكنهن يتقاسمن الفكرة نفسها، أن البقاء ليس حالة طارئة بل شكل من أشكال الحياة المستمرة رغم كل ما يُراد لها أن تنتهي.
كل واحدة منهن كانت تحمل مخيمها الخاص داخل المخيم الكبيرمرتبطا ببلدها الاصليوالذي انتزع منها منذ زمن، رَشَا التي فقدت بيتها وبقيت واقفة أمام خيمةٍ لا تشبه إلا محاولة الحياة، ورَشَا التي تحتفظ بمفتاح بيتٍ صار ركامًا لكنها تتعامل معه كأنه وعدٌ لم يُلغَ بعد، ورَشَا التي تدرّس الأطفال داخل مساحة ضيقة لكنها تفتح لهم أبوابًا أوسع من الجغرافيا، ورَشَا التي تقسم الخبز كأنها تقسم ذاكرة مدينة كاملة بين أبنائها.
لكنهن جميعًا، رغم اختلاف التفاصيل الصغيرة في حياتهن اليومية، اجتمعن على معنى واحد، أن غزة لا تحتاج من يرويها من بعيد، بل من يراها كما هي، لذلك بدأت كل واحدة منهن تستعد بطريقتها، خبز الطابون يُخبز رغم قلة الحطب، والمسخن يُعد رغم شح الزيت، والزعتر يُخبأ كأنه آخر ما تبقى من رائحة الأرض حين تُحاصر حتى الروائح.
أما رَشَا، فاختارت أن تستقبل ركاب أحد قوارب  اسطول الحرية بنفسها، كانت تجمع ما تيسر من الطعام كما تجمع أمُ بقايا بيتٍ بعد عاصفةٍ طويلة، لكنها كانت تعرف أن الطعام ليس سوى بداية الحكاية، فكل طبق عندها يحمل ذاكرة كاملة لا يمكن فصلها عن الأرض، الخبز حكاية قمحٍ صابر، والزيت حكاية شجرٍ يعرف معنى الجذور، والزعتر حكاية أرضٍ ترفض أن تُنسى حتى لو تغيّر كل شيء حولها.
لكنها لم تكن تنوي أن تطعمهم فقط، بل كانت تُعدّ لهم ما يشبه ذاكرة غزة، جلست تكتب عن الحصار الذي حوّل الحياة إلى انتظار طويل لا يُقاس بالساعات بل بالمنع، وعن الزمن الذي لم يعد زمنًا بل مساحة بين ما يُراد وما يُمنع، وعن كيف تصبح الأرض نفسها جزءًا من صراع أكبر من حدودها، وصراعٍ على البقاء قبل أن يكون على الجغرافيا.
ثم انتقلت إلى ما هو أكثر ثقلًا في الذاكرة، إلى فكرة التهجير كما تراها هي ومن يشبهها، لا كعنوان سياسي مجرد، بل كخوفٍ يومي يتسلل إلى تفاصيل الحياة، كاحتمال دائم يُراد له أن يتحول إلى واقع، وكأن السؤال لم يعد عن الحرب نفسها بل عمّا يُراد للناس أن يفعلوه بعدها، هل يبقون في مكانهم أم يُدفعون خطوة خطوة خارج المكان الذي وُلدوا فيه، وكيف يُعاد تشكيل الخريطة حين يُطلب من السكان أن يختفوا منها بصمت.
ثم لم تتوقف عند ذلك، بل فتحت بابًا آخر أكثر قسوة، باب السلاح، لا بوصفه أرقامًا أو تصنيفات عسكرية، بل بوصفه القوة التي تُقاس بها حياة الناس وموتهم في لحظة واحدة، تحدثت عن القصف كما يراه المدنيون لا كما يُكتب في البيانات، عن أدوات الحرب التي لا تميز بين شارع وبيت، وعن الفارق الهائل بين ما يُسمى “قدرة نارية” وبين جسد طفل لا يعرف معنى هذه المصطلحات أصلًا، وكيف تتحول التكنولوجيا حين تُستخدم في هذا السياق إلى مسافة إضافية بين الحياة واحتمال النجاة.
ثم أغلقت باب السلاح وفتحت باب الأسماء، وهناك فقط كانت غزة كما هي، كتبت أسماء النساء اللواتي رحلن وهن يحملن حياة عادية لم تكتمل، وأسماء الأطفال الذين لم يمنحهم الزمن فرصة لطرح أسئلتهم، وأسماء الشيوخ الذين احتفظوا بالمفاتيح حتى آخر لحظة، وكانت كل اسم تكتبه كأنها تعيد صاحبه للحياة لوهلة قصيرة قبل أن يستقر في ذاكرة لا تموت
أما العائلات التي مُسحت بالكامل، فكانت تكتبها كما تُكتب صلاة طويلة بلا انقطاع، كأن الحروف وحدها قادرة على مقاومة الإلغاء، وكأن اللغة نفسها تتحول إلى شكل من أشكال النجاة المؤجلة.

وحين انتهت، خرجت إلى أطراف المخيم، وقفت أمام خيمتها، أمام القماش الممزق الذي صار شكل الحياة المؤقت، وتذكرت المخيم الأول الذي كان مبنيًا من حجارة فلسطين قبل أن يُهدم، وكأن المكان نفسه أُجبر على تغيير ذاكرته، ولم يكن الفرق بين الأمس واليوم مجرد شكل، بل فرق بين عالم ظن أنه ثابت وعالم تعلّم أن يعيش على حافة الفقد دون أن يسقط بالكامل.
هبت الريح فحرّكت القماش كأنه شراع قارب، فابتسمت، وفكرت أن الخيمة والقارب يلتقيان في سر واحد لا يُقال بسهولة، كلاهما يعيش بين ما فُقد وما لم يصل بعد، بين ما انتهى وما لم يبدأ، بين أرضٍ تُسحب من تحت أصحابها وموجٍ لا يعرف الاستقرار.
رفعت عينيها نحو البحر، وتخيلت أسطول الحرية يقترب، لا ليأخذ أحدًا بعيدًا عن مكانه، بل ليقول إن العالم لم ينسَ تمامًا أن هناك مكانًا ما يزال حاضرًا رغم كل محاولات إخفائه، وأن النظر إليه ليس شفقة بل اعتراف بوجوده وثقله وحقه في أن يُرى كما هو.
وفي تلك اللحظة لم يكن فهم رَشَا سر حبها للقوارب اكتشافًا مفاجئًا، بل كان انكشافًا هادئًا لمعنى ظل يعمل في داخلها طوال الوقت، فهي لم تحب القوارب لأنها طريق إلى الرحيل، بل لأنها المرة الوحيدة التي يبدو فيها البحر كأنه يغيّر اتجاهه، فيأتي نحو الأرض بدل أن يبقى حاجزًا بينها وبين العالم، كأنه يعترف بها بدل أن يبتلعها، وكأنه لأول مرة يختار أن يكون شاهدًا لا فاصلاً.