غزة بين وطنيتين..
بي دي ان |
10 يونيو 2026 الساعة
10:06ص
الكاتب
في السابق، كان الفلسطينيون يختلفون على الوسائل، أما اليوم فأصبحوا يختلفون على المعنى نفسه. قبل سنوات كان الجدل يدور حول المقاومة أو المفاوضات، وحول أي الطرق أقرب لتحقيق الأهداف الوطنية. أما اليوم، فأصبح الجدل يدور حول سؤال أكثر خطورة: ما هي المصلحة الوطنية أصلًا؟
انظروا إلى ما يجري هذه الأيام. فكرة نزع السلاح يراها البعض بابًا لإنقاذ غزة وفتح الطريق أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار، بينما يراها آخرون طريقًا لإنهاء آخر أوراق القوة الفلسطينية. الحراك الشعبي يراه البعض حقًا طبيعيًا لشعب أنهكته الحرب والجوع والنزوح، بينما يراه آخرون محاولة لضرب الجبهة الداخلية في أخطر لحظاتها. وحتى الحديث عن وقف الحرب لم يعد محل إجماع كامل كما كان يفترض أن يكون.
وهنا لا تكمن المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف طبيعي وصحي في أي مجتمع حي. المشكلة أن الفلسطينيين لم يعودوا مختلفين على الوسائل فقط، بل أصبحوا مختلفين على تعريف الوطنية نفسها.
وهذه ليست مسألة عابرة. ففي كل حركات التحرر الكبرى كان هناك خلاف على التكتيكات والبرامج والقيادات، لكن بقي هناك حد أدنى من الاتفاق على الهدف النهائي وعلى تعريف المصلحة العامة. أما حين يبدأ الناس بالاختلاف حول معنى الوطنية ذاتها، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد خلاف سياسي، لأنها تمس الأساس الذي يفترض أن يجمع الجميع مهما تباينت اجتهاداتهم.
خذوا غزة مثالًا. هناك من ينظر إلى ما جرى خلال السنوات الأخيرة ويقول إن الأولوية المطلقة اليوم هي وقف النزيف مهما كان الثمن، لأن شعبًا يعيش تحت هذا الحجم من الدمار يحتاج أولًا إلى فرصة للحياة. وفي المقابل، هناك من يرى أن أي تنازل جوهري تحت ضغط الحرب سيؤسس لمرحلة أخطر، وأن الحفاظ على عناصر القوة المتبقية جزء من معركة طويلة لم تنتهِ بعد.
كلا الطرفين يتحدث باسم الوطن، وكلا الطرفين يعتقد أنه يدافع عن المصلحة الوطنية. لكن كل طرف بات ينظر إلى الآخر بعين الشك لا بعين الاختلاف، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمجتمعات القوية لا تُقاس بغياب الخلافات، بل بقدرتها على إدارة هذه الخلافات دون أن تتحول إلى معارك تخوين متبادلة. أما نحن، فقد أصبحنا ننتقل بسرعة من مناقشة الفكرة إلى محاكمة أصحابها. من يؤيد الحراك يُتهم أحيانًا بأنه يخدم الاحتلال، ومن يعارضه يُتهم أحيانًا بأنه لا يشعر بمعاناة الناس. ومن يتحدث عن السلاح يُتهم بالتفريط، ومن يدافع عنه يُتهم بالمغامرة بمصير شعب كامل. وهكذا يتحول النقاش الوطني من البحث عن حلول إلى تبادل الاتهامات.
وربما يعود ذلك إلى أن الفلسطينيين يعيشون واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخهم الحديث. فالحرب لم تترك أثرها على الحجر فقط، بل أصابت الثقة العامة أيضًا؛ الثقة بالقيادات، والثقة بالمؤسسات، والثقة بالحلول المطروحة، بل وحتى الثقة بين الناس أنفسهم.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد نقاش حول السلاح أو الحراك أو مفاوضات القاهرة. إنه نقاش حول شكل المرحلة القادمة كلها، وحول الطريق الذي يجب أن يسلكه الفلسطينيون بعد واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخهم.
ومن الطبيعي أن تتعدد الإجابات، لكن غير الطبيعي أن يتحول اختلاف الإجابات إلى صراع على احتكار الوطنية. فالوطنية ليست ملكًا لفصيل، وليست حكرًا على تيار، وليست شهادة يمنحها طرف لطرف آخر. الوطنية الحقيقية تظهر عندما يختلف الناس على الوسائل ويبقون متفقين على أن الجميع يبحث عن مصلحة وطنه، حتى لو أخطأ في تقدير الطريق إليها.
أما إذا استمررنا في تحويل كل خلاف سياسي إلى معركة بين وطني وخائن، فلن نصل إلى توافق، ولن نبني مشروعًا وطنيًا، ولن نخرج من أزمتنا الحالية. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين اليوم ليس الاتفاق على موقف واحد من السلاح أو الحراك أو المفاوضات، بل استعادة القدرة على الاختلاف دون تمزيق ما تبقى من مساحة مشتركة تجمعهم.
لأن الأوطان لا تضيع فقط عندما يختلف أبناؤها، بل قد تضيع أيضًا عندما يقتنع كل طرف أن الوطنية تقف معه وحده.
بي دي ان |
10 يونيو 2026 الساعة 10:06ص
انظروا إلى ما يجري هذه الأيام. فكرة نزع السلاح يراها البعض بابًا لإنقاذ غزة وفتح الطريق أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار، بينما يراها آخرون طريقًا لإنهاء آخر أوراق القوة الفلسطينية. الحراك الشعبي يراه البعض حقًا طبيعيًا لشعب أنهكته الحرب والجوع والنزوح، بينما يراه آخرون محاولة لضرب الجبهة الداخلية في أخطر لحظاتها. وحتى الحديث عن وقف الحرب لم يعد محل إجماع كامل كما كان يفترض أن يكون.
وهنا لا تكمن المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف طبيعي وصحي في أي مجتمع حي. المشكلة أن الفلسطينيين لم يعودوا مختلفين على الوسائل فقط، بل أصبحوا مختلفين على تعريف الوطنية نفسها.
وهذه ليست مسألة عابرة. ففي كل حركات التحرر الكبرى كان هناك خلاف على التكتيكات والبرامج والقيادات، لكن بقي هناك حد أدنى من الاتفاق على الهدف النهائي وعلى تعريف المصلحة العامة. أما حين يبدأ الناس بالاختلاف حول معنى الوطنية ذاتها، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد خلاف سياسي، لأنها تمس الأساس الذي يفترض أن يجمع الجميع مهما تباينت اجتهاداتهم.
خذوا غزة مثالًا. هناك من ينظر إلى ما جرى خلال السنوات الأخيرة ويقول إن الأولوية المطلقة اليوم هي وقف النزيف مهما كان الثمن، لأن شعبًا يعيش تحت هذا الحجم من الدمار يحتاج أولًا إلى فرصة للحياة. وفي المقابل، هناك من يرى أن أي تنازل جوهري تحت ضغط الحرب سيؤسس لمرحلة أخطر، وأن الحفاظ على عناصر القوة المتبقية جزء من معركة طويلة لم تنتهِ بعد.
كلا الطرفين يتحدث باسم الوطن، وكلا الطرفين يعتقد أنه يدافع عن المصلحة الوطنية. لكن كل طرف بات ينظر إلى الآخر بعين الشك لا بعين الاختلاف، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمجتمعات القوية لا تُقاس بغياب الخلافات، بل بقدرتها على إدارة هذه الخلافات دون أن تتحول إلى معارك تخوين متبادلة. أما نحن، فقد أصبحنا ننتقل بسرعة من مناقشة الفكرة إلى محاكمة أصحابها. من يؤيد الحراك يُتهم أحيانًا بأنه يخدم الاحتلال، ومن يعارضه يُتهم أحيانًا بأنه لا يشعر بمعاناة الناس. ومن يتحدث عن السلاح يُتهم بالتفريط، ومن يدافع عنه يُتهم بالمغامرة بمصير شعب كامل. وهكذا يتحول النقاش الوطني من البحث عن حلول إلى تبادل الاتهامات.
وربما يعود ذلك إلى أن الفلسطينيين يعيشون واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخهم الحديث. فالحرب لم تترك أثرها على الحجر فقط، بل أصابت الثقة العامة أيضًا؛ الثقة بالقيادات، والثقة بالمؤسسات، والثقة بالحلول المطروحة، بل وحتى الثقة بين الناس أنفسهم.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد نقاش حول السلاح أو الحراك أو مفاوضات القاهرة. إنه نقاش حول شكل المرحلة القادمة كلها، وحول الطريق الذي يجب أن يسلكه الفلسطينيون بعد واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخهم.
ومن الطبيعي أن تتعدد الإجابات، لكن غير الطبيعي أن يتحول اختلاف الإجابات إلى صراع على احتكار الوطنية. فالوطنية ليست ملكًا لفصيل، وليست حكرًا على تيار، وليست شهادة يمنحها طرف لطرف آخر. الوطنية الحقيقية تظهر عندما يختلف الناس على الوسائل ويبقون متفقين على أن الجميع يبحث عن مصلحة وطنه، حتى لو أخطأ في تقدير الطريق إليها.
أما إذا استمررنا في تحويل كل خلاف سياسي إلى معركة بين وطني وخائن، فلن نصل إلى توافق، ولن نبني مشروعًا وطنيًا، ولن نخرج من أزمتنا الحالية. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين اليوم ليس الاتفاق على موقف واحد من السلاح أو الحراك أو المفاوضات، بل استعادة القدرة على الاختلاف دون تمزيق ما تبقى من مساحة مشتركة تجمعهم.
لأن الأوطان لا تضيع فقط عندما يختلف أبناؤها، بل قد تضيع أيضًا عندما يقتنع كل طرف أن الوطنية تقف معه وحده.