رسالة إلى أمي  ( مات الورد) 

بي دي ان |

05 يونيو 2026 الساعة 07:55م

الكاتب
أمي،
التى كلما هاتفتها راحت تسأل عن حالي وأحوالي، وهي التي كان الموت يناديها من كل حدب وصوب.
أقول لها؛
"يا أمي، أنا بخير، المهم أن تكوني أنتِ بخير."
فترد بصوتها الذي أعرفه جيداً؛
"أنا بخير يا يما، الحمد لله."
ثم تنسى نفسها تماماً، وتبدأ بسيل أسئلتها المعتاد:
كيف زوجتك؟ كيف حملها؟ هل راجعت الطبيبة؟ هل الجنين بخير؟
كيف عملك؟ هل انتهت إجازتك؟
أتوقف برهة، يغمرني الخجل، وأقول؛
"يا أمي، أنا اتصلت لأطمئن عليكِ، لا لتطمئني أنتِ علي."
لكنها كانت دائماً تسبقني إلى السؤال، وكأنها تنتزع الكلمات من فمي قبل أن أنطق بها، ثم تعيدها إلي محملة بالحب والخوف والحنان.

أسألها؛
هل صحتك بخير؟ هل تشعرين بالبرد؟ هل تدفئين نفسك؟
هل تأخذين علاجك؟
فتختصر كل تلك الأسئلة بكلمة واحدة: "الحمد لله."
وفي آخر المكالمة، شعرت ببحة صوتها المثقلة بالتعب والخوف.
قالت؛
"طلب منا الجيش الإخلاء يا يما... سيأخذوننا إلى مخيم قرب رفح، سننصب خيمتنا على الرمال هناك، ويقولون إنه أكثر أماناً."
حاولت أن أبدو قوياً رغم ارتجاف روحي.
قلت؛
"لا يهم يا أمي... المهم أن تكوني في مأمن. المهم أن تبقي بخير. أيام قليلة وسينتهي كل شيء."
اقتربنا من نهاية المكالمة، دعت لي، وأمنت خلف دعائها، ثم أغلقت السماعة.
لكن شيئاً ما بقي عالقاً في صدري.
ظل خيالي يطوف حولها، حول ملامحها في تلك اللحظة، حول حقيبتها الصغيرة، وخطواتها المتعبة، وبيتها الذي كانت تغادره مرغمة.
فأسرعت أضغط زر الاتصال من جديد، رغم أن المكالمة انتهت للتو. لكن تلك الأسطوانة اللعينة سبقتني؛
"نعتذر، لا يمكن الوصول إلى مخاطبكم في الوقت الحالي، يرجى المحاولة لاحقاً."

أمي، 
التي مات وردها عندما طالت عنه الغياب.
تسعون يوماً من الحرب كانت كافية ليذبل الورد الذي كانت تسقيه كل صباح.
لم يمت الورد عطشاً يا أمي، بل مات من فراق يديكِ. تسعون يوماً وهو ينتظر خطاكِ عند عتبة الحديقة، يترقب ظل ثوبكِ، ويرفع رأسه كل صباح نحو الباب المغلق، حتى أدرك أخيراً أن المرأة التي كانت تسقيه من قلبها قبل الماء قد غادرت.
وكأن البيت كله تحول إلى مأتم.
حتى الجدران التي حفظت صوتها، والنوافذ التي كانت تفتحها مع الصباح، بدت يومها أكثر وحشة.
أمي،
حين جاء الإخلاء والقصف فوق رأسها، لم تنس دجاجاتها.
أسرعت تفتح باب القن، وتحررهن واحدة واحدة، ثم وضعت لهن الماء والطعام قبل أن ترحل.
كأن قلبها خُلق ليخاف على كل شيء إلا نفسه.

أمي،
 حين غادرت البيت، تركت وراءها زوايا تبكيها، تركته وفي كل ركن حكاية.
حتى نخل الدار بدا يومها كأنه يودعها، كأن سعفه كان ينحني حزناً وهو يسأل؛
من سيسقيني بعدك؟ ومن سيمسح عني غبار الأيام؟
ومن سيطبطب على جذعي كل صباح؟

أمي،
ليتني لص ماهر، أسرق تجاعيد وجهك المتعبة، وأخبئها بعيداً عنكِ، أغوص في تلك الخطوط التي حفرتها السنين، ثم أنسج من خيوط الشمس ثوباً جديداً لوجهك.
ليتني قطرة ماء أبلل بها شفاهك حين يشتد العطش.
ليتني غطاءً أضمكِ إليه كلما اشتد البرد.
ليتني جداراً يحجب عنكِ وحشة الحرب وخوفها.
ليتني شيئاً من الأشياء التي لا تفارقك.

فداكِ نفسي يا أمي،
يا من تعيشين كل يوم في أرض الموت، بينما تتفتت روحي ألف مرة مع كل خبر عاجل، ومع كل صوت هاتف، ومع كل نبرة خوف أسمعها.

فداكِ نفسي،
وأنا أتذكر طفولتي.
حين كنتِ تعجنين خبزنا بالحب، وتتركينه يختمر على مهل فوق نار القلب.

يا قاموس الحياة الأول.
يا أول يد حملتني.
يا أول صوت طمأنني.
يا من كنتِ تطعمينني وتسقينني وأنا في مهدي، لا أملك من أمري شيئاً.
ما نسيت حكايات الطفولة ولا البدايات الخجولة.

أمي،
يا حنونة اليدين، يا من نصبت خيمتها على الرمال، ثم زرعت حولها ورداً جديداً.
وسقته من بلسم روحها حتى نبت، يا وردةً حمراء تسكن المخيم.
يا روحاً ما مرت ببستان إلا وأزهرت.
يا أول الأوطان.
ويا آخر المنافي.

فداكِ البيت.
وفداكِ الورد.
وفداكِ الأرض.
وفداكِ الوطن.
وفداكِ كل ما بقي، وكل ما رحل.